الجفاف الروحي (1)
ننشر هذا الموضوع القيم لتحضير نفوسكم لأستقبال رمضان
تواجه الروح الإنسانية في حركتها التكاملية للوصول إلى الكمال عدة مستويات:
الأول: الاستنفار الروحي، ونعني به أقصى درجات النشاط الروحي.
الثاني: النشاط الروحي، وهو الحيوية والفاعلية الروحية.
الثالث: الجفاف الروحي، وهو الركود والخمول والكسل الروحي.
الرابع: الشلل الروحي، ونعني به تعطل الحالة الروحية.
الخامس: النكوص الروحي: وهو انحراف الحالة الروحية.
وما نود أن نوقع الحديث عنه في هذه الكلمة هو المستوى الثالث، أعني حالة الجفاف الروحي، وهو الذي يعني حالات الركود والضمور والخمول والفتور والكسل الذي تصيب الروح.
وهنا تواجهنا عدة تساؤلات بمجرد سماعنا لمثل هذه الحالة التي تمثل شللية في العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، فمن تلك التساؤلات:
كيف يمكن أن نكتشف حالة الجفاف الروحي؟...
وهل نحس بالجفاف الروحي كما يحس الشخص الجائع بحاجته إلى الطعام، والعطشان بحاجته إلى الماء، والمتألم بالألم؟...
هذا ولكي نستطيع أن نجيب على هذه التساؤلات، نذكر بعض الأمثلة لتكون معيناً لنا على إيضاح الأمر.
المثال الأول: الصلاة:
هناك تعبيران وردا في القرآن الكريم في الحديث عن العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، وهما يشيران إلى نموذجين متغايرين في نوع العلاقة معه سبحانه وتعالى، بحيث يلحظ المتأمل فيهما أنهما طرفا نقيض في هذا الارتباط بالله سبحانه.
ولنأخذ لذلك نموذجاً وهو الصلاة اليومية، حيث يتحدث الباري سبحانه عن نوعين متغايرين في أدائهما لهذه العبادة التي تمثل أحد أبرز النماذج التي توصل الإنسان إلى ربه وتقوي من علاقته معه وتنمي صعوده مدارج الكمال.
فيتحدث سبحانه وتعالى عن النموذج الأول، وهم الخاشعون فيقول:- ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون).
ونراه يتحدث عن النموذج الثاني، وهم الكسالى فيقول عز من قائل:- ( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى).
هذان النموذجان يمثلان نوعين من أفراد البشر في ارتباطهم بالله سبحانه وتعالى، والعلاقة معه.
فبينا نجد النموذج الأول، حين يقدم على أداء الصلاة يعيش حالة من الانصهار والذوبان والخشوع، مما يعني أنه يعيش حالة الصحوة الروحية، نجد على العكس تماماً النموذج الثاني، يعيش حالة الكسل الروحي، مما يعني افتقاده لهذه الصحوة.
المثال الثاني: الدعاء:
وهو يمثل واحدة من المفردات العبادية التي اعتاد الناس على ممارستها، وهناك بعض الأدعية الزمانية التي اعتاد الناس على قرائتها في تلك الأزمنة
لكننا نسأل، ونحن نمارس هذه الأدعية، ونقوم بالإتيان بها قراءة، أو استماعاً، هل:
نعيش الخشية، والخوف، والطمع في مغفرة الله سبحانه ورضوانه؟...أو أننا نقرأها مجردة عن ذلك بحيث تكون قراءة مجرد ترديد لمجموعة من الألفاظ حتى دون وعي لما نردد؟...
من خلال الإجابة على هذين التساؤلين، نستطيع أن نقرر أن هناك نوعين من الداعين:
الأول: هم الذين يملكون الصحوة الإيمانية، والروحية، حيث أنهم عندما يقرأون الأدعية يعيشون الخشية والخوف، من عذاب الله سبحانه وتعالى وسخطه، ويأملون رحمته، ويرجون مغفرته.
الثاني: وهم الذين يعيشون حالة من الخمول والكسل الروحي، ولذا لا تعدو هذه الكلمات الصادرة منهم عن كونها كلمات مجردة من كل المعاني والمفاهيم الحقيقية لما ينبغي أن يصدر من الداعي.
المثال الثالث: قراءة القرآن الكريم:
وهذا أيضاً يمكن أن يوضح لنا فكرة الجفاف الروحي، من خلال الإجابة على السؤال التالي:
الإنسان في قراءته للقرآن الكريم، أو أثناء استماعه لتلاوته، يحس بلذة ونشوة روحية، هل تنفتح روحه على الله سبحانه وتعالى وتقبل على هذه العبادة ؟ هل يلتذ بسماعه لكلام الحبيب وهل يلتذ بتكرار هذا الكلام ؟ فيكون مصداقاً لقوله تعالى:- ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)، أو يعيش حالة الكسل والخمول الروحي؟...
من خلال الإجابة على هذين التساؤلين يستطيع الإنسان أن يقرر أنه يعيش صحوة إيمانية، أو أنه يعيش حالة من الخمول والجفاف الروحي.
المثال الرابع: الاستماع إلى الموعظة:
كيف يكون وقع الموعظة على قلب الفرد، هل يكون وقعها على قلبه شديداً بحيث تقشعر الجلود منه، وتضطرب النفس ويخفق القلب بشدة، أو أن الموعظة تمر على الإنسان وكأن شيئاً لم يكن، وكأنه لم يسمع شيئاً أو يتلى عليه أي أمر؟...
هل مستمع الموعظة من مصاديق قوله تعالى:- ( الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله). فهذا يعني أنه يعيش حالة الصحوة الإيمانية، والنشاط الروحي إن شاء الله.
أما لو كان من مصاديق قوله تعالى:- ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وانزل من الحق). فهذا يعيش حالة الكسل والجفاف الروحي.
المثال الخامس: أخلاقنا مع الناس:
كيف يتعامل الإنسان مع الآخرين، هل يتعامل معهم بعجرفة وشيء من التكبر والخيلاء، هل يستحقرهم ويستصغرهم، ويستذلهم، أو أنه ينظر إليهم نظرة أخوية، تربطه بهم الرابطة الإيمانية الخالصة؟...
وهل إذا ابتسم الإنسان إلى واحد منهم، ابتسم له مجاملة ومداراة وفي النفس ما فيها، أو أنه متى تبسم في وجه واحد منهم فإنه يتبسم قلبه أيضاً؟...
وإذا صافح أحد أحداً، هل تنحصر المصافحة في ملاقاة الكفين مع بعضهما، أو أنه كما تـتصافح الكفان ، تـتصافح الروحان أيضاً، يعني هل تـتصافح الأرواح عند تصافح الأيدي، أو لا يحصل ذلك؟...
ما هي العواطف التي تربطنا بالناس، هل هي عواطف ربانية تنشأ من الحب في الله والبغض في الله، أو أنها تنشأ من خلال المصالح الخاصة التي تنـتهي العواطف بانتهائها؟...
هل يتعامل الإنسان مع الآخرين بنوع من الشفافية والوضوح، أو أنه يتعامل معهم بالغموض والتورية؟...
ثم إن ما قدمناه في الأمثلة والنماذج السابقة يجري بنفسه في هذا المثال أيضاً، حيث أنه متى كانت الإجابات إيجابية بنعم، فإن ذلك يعني أننا نعيش حالة من الصحوة الإيمانية، لكنه متى كانت الإجابات في هذه التساؤلات سلبية فإن ذلك يشير إلى وجود الجفاف الروحي.
ولكنـتفي بهذه الأمثلة التي ذكرناها، وإن كان يمكننا أن نذكر نماذج أخرى أكثر مما ذكرنا، وكلها تصب في مصب واحد وترشد إلى نفس النتيجة والغاية.
وعلى أي حال، فمن خلال ما قدمنا ذكره يتضح عندنا حقيقة الجفاف الروحي، وأنه تلك الحالة التي تعتري الإنسان فتبعده عن الله سبحانه وتعالى، وتوجد بينه وبين الله حاجزاً بحيث تسلب منه حلاوة الإيمان ولذة العبادة والمناجاة، وتطبيق القيم والتعاليم الإسلامية والمبادئ الأخلاقية.
يتبع ..........
المفضلات