:: الرئيسية :: :: مقالات الموقع :: :: مكتبة الكتب ::  :: مكتبة المرئيات ::  :: مكتبة الصوتيات :: :: أتصل بنا ::
 
القائمة الرئيسية

 الصفحة الرئيسية

 منتدى الحوار

 نصرانيات

 حقائق حول الأناجيل

 حقائق حول المسيح بالأناجيل

 حقائق حول الفداء والصلب

 مقالات منوعة حول النصرانية

 كشف الشبهات حول الإسلام العظيم

 شبهات حول القرأن الكريم

 شبهات حول الرسول صلى الله عليه وسلم

 شبهات حول السنة المطهرة

 شبهات منوعة

 الإعجاز العلمي
 الأعجاز العلمي بالقرأن الكريم
 الأعجاز العلمي بالحديث الشريف
 الحورات حول الأعجاز العلمي بالإسلام

 كيف أسلم هؤلاء

 من ثمارهم تعرفونهم

Non Arabic Articles
· English Articles
· Articles français
· Deutsches Artikel
· Nederlands

 مقالات د. زينب عبد العزيز

 مقالات د. محمد جلال القصاص

 مكتبة الكتب

 مكتبة المرئيات

 مكتبة التسجيلات

 مكتبة البرامج والاسطوانات الدعوية

 البحث

 البحث في القرآن الكريم

 دليل المواقع

 أربط موقعك بنا

 اتصل بنا

إسلاميات

المتواجدون بالموقع

يوجد حاليا, 25 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

قس ألماني يوزع أفلاما إباحية بطريق الخطأ
من ثمارهم تعرفونهم
أرسلت في الأثنين 01 مايو 2006 بواسطة barsoomبرلين ـ رويترز: وزع قس ألماني، دون أن يدري، على أبناء ابرشيته عشرات من الأفلام الاباحية بينما كان يعتزم توزيع افلام فيديو تعليمية عن حياة السيد المسيح. وكان القس فريثيوف شفيسغ من بلدة لامبولدشاوزن في جنوب غربي المانيا قد طلب 300 نسخة من فيلم فيديو عن حياة السيد المسيح. وقال القس «وزعنا ما بين 20 الى 30 شريطا في اول دفعة وحصلنا على رد فعل فوري من خمسة الى سبعة أشخاص باننا لا بد وقد أعطيناهم الفيلم الخطأ».
وأضاف «انه فيلم اباحي حقيقي. خلال ساعة جمع فريقنا كافة الشرائط. لقد سحبت جميعها». وذكر شفيسغ ان هناك خطأ في وحدة نسخ شرائط الفيديو في ميونيخ وان فريقه خلص بعد استعراض الأفلام ان 200 شريط كانت لمواد اباحية. ورغم الموقف المحرج قال شفيسغ انه سيواصل حملة توزيع شرائط فيديو عن حياة المسيح. واضاف «انها ناجحة للغاية».ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيمhttp://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=31&issue=9140&article=206365
(أقرأ المزيد ... | التقييم: 2.5)
يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ في السَّمَآءِ
الإعجاز بالقرآن

‏‏د. زغـلول النجـار 

تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.orgونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة-----------------------

(فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا

 كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ في السَّمَآءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) الأنعام ـ 125.جاءت هذه الآية الكريمة في الثلث الأخير من سورة الأنعام‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ شأنها شأن كل السور المكية التي تركز علي قضية العقيدة‏,‏ وهي قضية وجود الإنسان في هذه الحياة‏,‏ وقضية مصيره بعدها‏,‏ فعلي أساس من العقيدة يحدد كل إنسان منا دوره في هذه الحياة‏,‏ كما يحدد علاقاته فيها مع نفسه‏,‏ ومع خالقه‏,‏ ومع الكون‏,‏ ومع جميع من فيه وما فيه‏....!!‏

 

 

ومن هنا كانت أهمية العقيدة‏,‏ التي افرد لها القرآن الكريم مساحة كبيرة في كل من المكان والزمان‏:‏ في كل السور والآيات المكية‏,‏ وفي عمر الدعوة المحمدية التي قضي فيها المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلي عبادة الله ـ تعالي ـ وحده بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏,‏ وإلي إخلاص العبودية له‏,‏ وتنزيهه‏(‏ تعالي‏)‏ عن كل وصف لا يليق بجلال ربوبيته وألوهيته ووحدانيته‏,‏ وإلي الإيمان بملائكته‏,‏ وكتبه ورسله‏,‏ وبالقدر خيره وشره‏,‏ وباليوم الآخر وبما فيه من بعث ونشور‏,‏ وحساب وميزان وصراط‏,‏ وخلود في حياة قادمة أما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏,‏ وما يستتبعه كل ذلك من الخضوع بالطاعة لله‏,‏ وعبادته‏(‏ تعالي‏)‏ بما أمر مع حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض‏,‏ وإقامة عدل الله فيها‏,‏ وهذه هي رسالة الدين من لدن أبينا آدم‏(‏ عليه السلام‏)‏ إلي بعثة المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ وإلي أن يرث الله‏(‏ تعالي‏)‏ الأرض ومن عليها‏.‏ وركائز الدين إما من الغيب المطلق كقضية العقيدة‏,‏ أو من الأوامر الإلهية المطلقة كقضية العبادة‏,‏ أو من ضوابط السلوك كقضيتي الأخلاق والمعاملات‏,‏ ولما كان الإنسان عاجزا دوما عن أن يضع لنفسه بنفسه ضوابط صحيحة في أي من هذه القضايا كانت ضرورة الدين لكي يستقيم وجوده في هذه الحياة‏,‏ ولكي يتمكن من تحقيق رسالته فيها‏.‏

والدين بركائزه الأربع الأساسية لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل الإنسان محتاج فيه إلي الهداية الربانية‏,‏ تلك الهداية التي أنزلها الله‏(‏ تعالي‏)‏ باسم الإسلام‏,‏ علي فترة من الرسل‏,‏ وبينها للناس بواسطة جيش من الأنبياء فاق عدده المائة والعشرين ألفا‏,‏ وأتمها في الرسالة الخاتمة التي بعث بها الرسول الخاتم والنبي الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ وهي الرسالة السماوية التي تعهد ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بحفظها‏,‏ فحفظت بنفس اللغة التي أوحيت بها‏,‏ ومن هنا كان القرار الإلهي الذي أنزله ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ من فوق سبع سماوات‏,‏ ومن قبل أربعة عشر قرنا بقوله‏(‏ عز من قائل‏):‏ إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم‏,‏ ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب‏*(‏ آل عمران‏:19)‏

ومن هنا أيضا كان التأكيد علي هذا القرار الإلهي بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ وفي نفس السورة‏:‏ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين‏*(‏ آل عمران‏:85)‏

ومن هذا المنطلق جاءت الآية الكريمة التي نحن بصددها والتي يقول فيها ربنا‏(‏ سبحانه وتعالي‏):‏ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء‏.....*(‏ الأنعام‏:125)‏ ويعجب الإنسان لهذا التشبيه القرآني المعجز الذي يقابل بين ضيق صدر العازفين عن الهداية الربانية‏,‏ كلما ذكروا بها‏,‏ وضيق صدر الذي يصعد في السماء بغير وسيلة واقية‏,‏ وهي حقيقة لم يدركها الإنسان في أبعادها الصحيحة إلا بعد ريادته للفضاء‏,‏ وقبل الدخول في تفصيل المغزي العلمي لهذا التشبيه القرآني لابد من توضيح الدلالات اللغوية والقرآنية لعدد من الألفاظ الواردة في الآية الكريمة وهذا ما سوف نفصله في الأسطر القليلة التالية‏.‏

الدلالات اللغوية لبعض ألفاظ الآية الكريمة:

 بالنسبة للفعل‏(‏ يشرح‏)‏ في قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ يشرح صدره فإن‏(‏ الشرح‏)‏ في اللغة هو الكشف والبسط وإظهار الغامض والخافي من المعاني‏.‏ يقال‏:(‏ شرح‏)‏ المشكل أو الغامض من الأمر‏(‏ يشرحه‏)(‏ شرحا‏)‏ أي فسره‏,‏ وبسطه‏,‏ وأظهر ما خفي من معانيه‏,‏ و‏(‏شرح‏)‏ الله صدره للإسلام‏(‏ فانشرح‏)‏ أي انبسط في رضا وارتياح للنور الإلهي والسكينة الروحية لأن من معاني‏(‏ شرح‏)‏ الصدر توسعته‏.‏

أما عن‏(‏ الصدر الضيق الحرج‏)‏ فأصل‏(‏ الحرج‏)‏ و‏(‏الحراج‏)‏ مجتمع الأشياء من مثل الشجر ونحوه‏,‏ ومن هنا تصور منه ضيق ما بينها‏,‏ فقيل للضيق‏(‏ حرج‏),‏ وللإثم‏(‏ حرج‏)‏ واستخدام فعل‏(‏ التحريج‏)‏ بمعني التضييق‏,‏ ويقال للغيضة الملتفة الأشجار التي يصعب دخولها‏:(‏ حرجة‏),‏ وعلي ذلك فإن‏(‏ الحرج‏)‏ في اللغة هو الضيق بل ضيق الضيق‏,‏ يقال مكان‏(‏ حرج‏)‏ ــ بكسر الراء وفتحها ــ أي ضيق كثير الشجر‏,‏ و‏(‏الحرج‏)‏ و‏(‏الحرج‏)‏ أيضا الإثم‏,‏ يقال‏:(‏ أحرجه‏)‏ بمعني آثمه‏,‏ و‏(‏ تحرج‏)‏ أي تأثم‏,‏ و‏(‏حرج‏)‏ عليه الشئ أي حرم عليه‏,‏ و‏(‏المنحرج‏)‏ المتجنب من الحرج والإثم‏,‏ ويقال‏:(‏ حرج‏)‏ صدره‏(‏ حرجا‏)‏ فهو‏(‏ حرج‏)‏ أي ضاق ضيقا شديدا‏.‏ وأما عن‏(‏ التصعد في السماء‏)‏ فالتصعد والتصاعد والصعود هو الذهاب إلي المكان العالي أو الارتفاع‏,‏ وهو ضد الحدور‏,‏ يقال‏:(‏ صعد‏)‏ بالكسر‏(‏ يصعد‏)(‏ صعودا‏)‏ في السلم أي ارتقاه ارتقاء‏,‏ و‏(‏صعد‏)(‏ يتصعد‏)‏ في الجبل‏,‏ و‏(‏تصعد‏)(‏ يتصعد‏)‏ أي ارتفع عليه وعلاه‏,‏ و‏(‏أصعد‏)‏ في الأرض‏(‏ صعودا‏)‏ أي مضي وسار في مناكبها والصعود أيضا العقبة الشاقة الكئود ويستعار لكل شاق وأصعد في الوادي و‏(‏صعد‏)‏ فيه‏(‏ تصعيدا‏)‏ أي انحدر معه‏,‏ ولو أن الصعود أصلا ضد الهبوط‏,‏ وهو و‏(‏الصعد‏)‏ والصعيد واحد‏,‏ ويقال عذاب‏(‏ صعد‏)‏ أي شديد و‏(‏الصعيد‏)‏ هو أيضا ما يصعد إليه‏,‏ و‏(‏الصعداء‏):‏ تنفس ممدود‏,‏ ويقال‏(‏ تصعد‏)‏ النفس بمعني صعب مخرجه‏,‏ ويقال‏:(‏ يصعد‏)‏ وأصلها‏(‏ يتصعد‏)‏ أي يتكلف الصعود‏,‏ فلا يستطيعه‏,‏ و‏(‏تصعد‏)‏ أيضا تستخدم بمعني شق من المشقة و‏(‏الإصعاد‏)=‏ الإبعاد في الأرض سواء كان في صعود أو حدور‏(‏ هبوط‏);‏ و‏(‏الصعد‏)‏ الشاق أو المشقة ويقال‏:(‏ تصعدون‏)‏ أي تذهبون في الوادي هربا من عدوكم من‏(‏ الإصعاد‏)‏ وهو الذهاب في صعيد الأرض‏,‏ والإبعاد فيه‏,‏ يقال‏:(‏ أصعد‏)‏ في الأرض إذا أبعد في الذهاب وأمعن فيه فهو‏(‏ مصعد‏).‏

الدلالات القرآنية لبعض ألفاظ الآية الكريمة:

 جاء الفعل‏(‏ شرح‏)‏ بتصريفاته في أربعة مواضع من القرآن الكريم بالإضافة إلي الآية الكريمة التي نحن بصددها علي النحو التالي‏:‏ ‏(1)‏ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو علي نور من ربه‏....*(‏ الزمر‏:22)‏ ‏(2)‏ ألم نشرح لك صدرك‏*(‏ الشرح‏:1)‏ ‏(3)‏ قال رب اشرح لي صدري‏*(‏ طه‏:25)‏ ‏(4)..‏ ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم‏*(‏ النحل‏:106)‏

وجاءت لفظة‏(‏ حرج‏)‏ في خمسة عشر موضعا بمعني الضيق في التشريع‏,‏ أو شدة الضيق بصفة عامة‏,‏ كما جاءت بمعني الإثم أو الذنب‏.‏ أما الفعل‏(‏ صعد‏)‏ بمشتقاته فقد جاء في تسعة مواضع من كتاب الله‏(‏ تعالي‏)‏ بمعني الأرتفاع‏,‏ والقبول‏,‏ والرضا من الله‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ وبمعني الذهاب في الوادي‏,‏ والمضي فيه هربا‏,‏ وبمعني تكلف الصعود بمشقة بالغة‏,‏ فلا يستطيعه‏,‏ وبمعني شديدا صعبا‏,‏ وبمعني العقبة المرتفعة الشاقة المصعد‏,‏ وبمعني وجه الأرض البارز سواء كان ترابا أو غيره‏,‏ وقيل التراب ذاته‏.‏

أما لفظة‏(‏ السماء‏)‏ فقد جاءت في ثلاثمائة وعشرة مواضع من كتاب الله‏,‏ منها مائة وعشرون بالإفراد‏(‏ السماء‏),‏ ومائة وتسعون بالجمع‏(‏ السماوات‏),‏ وصيغة الجمع توحي ببقية الكون في مقابلة الأرض‏,‏ بينما الإشارات المفردة بلفظ‏(‏ السماء‏)‏ جاءت في ثمانية وثلاثين موضعا بمعني الغلاف الغازي للأرض بصفة عامة‏,‏ والجزء الأسفل منه بصفة خاصة‏(‏ أو ما يعرف باسم نطاق التغيرات المناخية أو نطاق الرجع‏)‏ والذي يحتوي غالبية مادة الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وجاء لفظ‏(‏ السماء‏)‏ أيضا بالإفراد في أثنين وثمانين موضعا يفهم الغالب منها علي أنه السماء الدنيا التي زينها ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بالكواكب والنجوم والبروج‏,‏ ويفهم منها مجموع السماوات قبل فصلها إلي سبع‏,‏ وبعد فصلها في بعض المواضع‏.‏ كذلك جاءت الإشارة في القرآن الكريم إلي‏(‏ السماوات والأرض وما بينهما‏)‏ في عشرين موضعا‏,‏ ويفهم هذا التعبير علي أن المقصود منه هو الغلاف الغازي للأرض بصفة عامة‏,‏ والجزء الأسفل منه بصفة خاصة‏,‏ وذلك لقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ ‏(...‏ والسحاب المسخر بين السماء والأرض‏...*)‏ ‏(‏البقرة‏:164)‏

والسحاب يتحرك في نطاق الطقس‏,‏ والقرآن الكريم يشير في أكثر من آية إلي إنزال الماء من السماء‏,‏ وواضح الأمر أن المقصود بالسماء هنا هو السحاب‏.‏ فإذا كان المقصود بالسماء في قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ كأنما يصعد في السماء هو الغلاف الغازي للأرض فإن لذلك صعوباته ومشاقه التي تصل إلي حد الاستحالة‏,‏ وإذا كان المقصود هو السماء الدنيا فإن الصعوبات والعقبات تتضاعف أضعافا كثيرة حتي تصل إلي ما فوق الاستحالة‏,‏ وذلك لأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ قد حدد للإنسان نطاقا معينا من الأرض وغلافها الغازي تتواءم فيه ومعه بنيته الجسدية‏,‏ ووظائف أعضائه المختلفة‏,‏ وإذا خرج عن هذا النطاق فإنه يحتضر ويموت‏,‏ كما يموت السمك إذا أخرج من الماء‏,‏ ويتضح ذلك جليا من دراسة الصفات الطبيعية والكيميائية لنطق الغلاف الغازي للأرض‏.‏

شروح المفسرين للآية الكريمة:

في تفسير الآية الكريمة التي نحن بصددها ذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ ما نصه‏:‏ يقول تعالي‏:(‏ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام أي ييسره له وينشطه ويسهله لذلك‏,‏ فهذه علامات علي الخير‏,‏ كقوله تعالي‏(‏ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو علي نور من ربه‏)‏ الآية‏,‏ وقال تعالي‏:(‏ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم‏),‏ وقال ابن عباس معناه يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به‏,‏ وهو ظاهر‏.‏ سئل رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):‏ أي المؤمنين أكيس؟ قال‏:‏ أكثرهم ذكرا للموت وأكثرهم لما بعده استعدادا‏,‏ وسئل عن هذه الآية‏(‏ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام‏)‏ قالوا‏:‏ كيف يشرح صدره يارسول الله؟ قال‏:‏ نور يقذف فيه‏,‏ فينشرح له وينفسح‏,‏ قالوا‏:‏ فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال‏:‏ الإنابة إلي دار الخلود‏,‏ والتجافي عن دار الغرور‏,‏ والاستعداد للموت قبل لقاء الموت‏..‏ وقوله تعالي‏(‏ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا‏)‏ حرجا بفتح الحاء والراء‏,‏ وهو الذي لا يتسع لشئ من الهدي‏,‏ ولا يخلص إليه شئ من الإيمان ولا ينفذ فيه‏,‏ وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا من الأعراب من أهل البادية من مدلج عن الحرجة؟ فقال‏:‏ هي الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شئ‏,‏ فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ كذلك قلب المنافقين لا يصل إليه شئ من الخير‏;‏ وقال ابن عباس‏:‏ يجعل الله عليه الإسلام ضيقا والإسلام واسع‏,‏ وذلك حين يقول‏:(‏ وما جعل عليكم في الدين من حرج‏)‏ يقول‏:‏ ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق‏,‏ وقال مجاهد والسدي‏:(‏ ضيقا حرجا‏)‏ شاكا‏,‏ وقال عطاء الخراساني‏:(‏ ضيقا حرجا‏)‏ أي ليس للخير فيه منفذ‏,‏ وقال ابن المبارك‏:(‏ ضيقا حرجا‏)‏ بلا إله إلا الله حتي لا تستطيع أن تدخل قلبه‏,(‏ كأنما يصعد في السماء‏)‏ من شدة ذلك عليه‏,‏ وقال سعيد بن جبير‏:(‏ يجعل صدره ضيقا حرجا‏)‏ لا يجد فيه مسلكا إلا صعد‏,‏ وقال عطاء الخراساني‏:(‏ كأنما يصعد في السماء‏)‏ يقول‏:‏ مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلي السماء‏,‏ وقال ابن عباس‏:‏ فكما لا يستطيع ابن آدم ان يبلغ السماء‏,‏ فكذلك لا يستطيع ان يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتي يدخله الله في قلبه‏,‏ وقال الأوزاعي‏:‏ كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقا ان يكون مسلما‏;‏ وقال ابن جرير‏:‏ وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه يقول‏:‏ فمثله في امتناعه عن قبول الإي مان وضيقه عن وصوله إليه مثل امتناعه عن الصعود إلي السماء وعجزه عنه‏,‏ لأنه ليس في وسعه وطاقته‏....‏ وقال صاحب تفسير الجلالين‏(‏ يرحمهما الله‏)‏ شيئا مختصرا عن ذلك وذكر كل من صاحب‏(‏ صفوة البيان لمعاني القرآن‏)‏ ـ يرحمه الله ـ وصاحب صفوة التفاسير‏(‏ أمد الله في عمره‏)‏ شيئا مشابها أيضا‏.‏

وذكر صاحب الظلال‏(‏ يرحمه الله‏):‏ من يقدر الله له الهداية ــ وفق سنته الجارية من هداية من يرغب في الهدي ويتجه إليه بالقدر المعطي له من الاختيار بقصد الابتلاء ــ‏(‏ يشرح صدره للإسلام‏),‏ فيتسع له‏,‏ ويستقبله في يسر ورغبة‏,‏ ويتفاعل معه‏,‏ ويطمئن إليه‏,‏ ويستريح به ويستريح له‏.‏ ومن يقدر له الضلال ــ وفق سنته الجارية من إضلال من يرغب عن الهدي ويغلق فطرته عنه ــ‏(‏ يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء‏)..‏ فهو مغلق مطموس يجد العسر والمشقة في قبوله‏,(‏ كأنما يصعد في السماء‏)..‏ وهي حالة نفسية تجسم في حالة حسية‏,‏ من ضيق النفس‏,‏ وكربة الصدر‏,‏ والرهق المضني في التصعد الي السماء‏!‏

التصعد في السماء كما تراه العلوم الكونية:

 سبق‏,‏ وأن أشرنا أن لفظة‏(‏ السماء‏)‏ تعني الكون في مقابلة الأرض‏,‏ وأن التعريف اللغوي للسماء يشمل كل ما علاك فأظلك بدءا من نطق الغلاف الغازي للأرض وانتهاء بالحدود المدركة للكون‏.‏

السماء بمعني الغلاف الغازي للأرض:

 تحاط الأرض بغلاف غازي تقدر كتلته بنحو خمسة آلاف مليون مليون طن‏(5,2*1510‏ أطنان‏)‏ ويقدر سمكه بعدة آلاف من الكيلو مترات فوق مستوي سطح البحر‏,‏ ويتناقص ضغطه من نحو الكيلو جرام علي السنتيمتر المربع عند مستوي سطح البحر إلي واحد من المليون من ذلك في الجزء العلوي منه‏.‏

ويقسم الغلاف الغازي للأرض إلي قسمين رئيسيين علي النحو التالي‏:‏

 أ - القسم السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏ (The lower Atmosphere)‏

 ويتكون من خليط من جزيئات النيتروجين‏,‏ والاوكسجين‏,‏ وعدد من الغازات الأخري‏,‏ ويعرف باسم النطاق المتجانس‏ (The Homosphere)‏ ويقسم إلي ثلاثة نطق متميزة من أسفل إلي أعلي علي النحو التالي‏:‏

(1)‏ نطاق التغيرات الجوية‏ نطاق الطقس أو نطاق الرجع‏ (TheTroposphere)‏:

 وهو نطاق قليل السمك‏,‏ يلامس الأرض مباشرة‏,‏ ويمتد من مستوي سطح البحر إلي ارتفاع‏16‏ إلي‏17‏ كيلو مترا فوق خط الاستواء‏,‏ ويتناقص سمكه إلي ما بين‏6‏ و‏8‏ كيلو مترات فوق القطبين‏,‏ ويختلف سمكه فوق خطوط العرض الوسطي باختلاف ظروفها الجوية‏,‏ فينكمش إلي ما دون السبعة كيلو مترات في مناطق الضغط المنخفض‏,‏ ويمتد إلي نحو‏13‏ كيلو مترا في مناطق الضغط المرتفع‏,‏ وعندما تتحرك كتل الهواء الحار من خط الأستواء في اتجاه القطبين فإنها تضطرب فوق هذا المنحني الوسطي‏,‏ فتزداد سرعة الهواء مندفعا تجاه الشرق بتأثير دوران الأرض حول محورها أمام الشمس من الغرب إلي الشرق‏,‏ ويتم ذلك بسرعة فائقة تعطي كتل الهواء المتحركة بها اسم التيار النفاث ‏(The Jet stream).‏ ويضم هذا النطاق ثلثي‏(66%)‏ كتلة الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وتتناقص درجة الحرارة فيه مع الارتفاع باستمرار‏(‏ بمعدل‏6‏ درجات مئوية كل كيلو متر ارتفاع في المتوسط حتي تصل إلي ستين درجة مئوية تحت الصفر في قمته المعروفة باسم مستوي الركود الجوي‏ (The tropopause)‏ وذلك لتناقص الضغط فيه إلي عشر الضغط الجوي عند سطح البحر تقريبا‏,‏ وللبعد عن سطح الأرض وهو مصدر التدفئة الصاعدة إلي هذا النطاق‏.‏

وهذا النطاق هو نطاق تكثف بخار الماء الصاعد من الأرض‏,‏ وتكون السحب‏,‏ وهطول كل من المطر والبرد والثلج‏,‏ وحدوث ظواهر الرعد والبرق‏,‏ وتحرك الرياح‏,‏ وتكون العواصف والدوامات‏,‏ وتيارات الحمل الهوائية‏,‏ وغير ذلك من الظواهر الجوية‏,‏ ويتركب الغلاف الغازي في هذا النطاق أساسا من جزيئات كل من النيتروجين‏(‏ بنسبة‏78,1%‏ بالحجم‏)‏ والاوكسجين‏(‏ بنسبة‏21%‏ بالحجم‏),‏ والأرجون بنسبة‏0,93%‏ بالحجم وثاني اكسيد الكربون‏(‏ بنسبة‏0,03%‏ بالحجم‏),‏ بالإضافة إلي نسب ضئيلة من بخار الماء‏,‏ وآثار طفيفة من كل من الميثان‏,‏ وأكاسيد النيتروجين‏,‏ وأول أكسيد الكربون‏,‏ والإيدروجين‏,‏ والهيليوم‏,‏ والأوزون وبعض الغازات الخاملة مثل الأرجون‏.‏

(2)‏ نطاق التطبق ‏(The Stratosphere):

‏ ويمتد من فوق مستوي الركود الجوي‏ (TheTropopause)‏ أي من ارتفاع‏16‏ ــ‏17‏ كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر إلي قرابة الخمسين كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏,‏ وبذلك يقدر سمكه بنحو‏33‏ ــ‏34‏ كيلو مترا‏,‏ وينتهي بمستوي الركود الطبقي‏ (The Stratopause)‏ وترتفع درجة الحرارة في هذا النطاق من أكثر من ستين درجة مئوية تحت الصفر عند قاعدته إلي نحو الثلاث درجات فوق الصفر المئوي عند قمته‏,‏ ويرجع السبب المباشر في هذا الارتفاع الحراري إلي امتصاص قدر من الأشعة فوق البنفسجية المقبلة مع أشعة الشمس بواسطة جزيئات الأوزون التي تتركز في الجزء السفلي من هذا النطاق‏(‏ بين ارتفاعي‏18‏ و‏30‏ كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏)‏ مكونة جزءا مميزا منه يعرف باسم نطاق الأوزون‏ (The Ozonosphere)‏ يتركز فيه هذا الغاز المهم بنسبة‏0,001%‏ ولكنها نسبة كافية لحماية الأرض‏,‏ وما عليها من صور الحياة من أضرار الأشعة فوق البنفسجية‏,‏ وهي أشعة حارقة ومدمرة لجميع صور الحياة الأرضية‏,‏ ولولا وجود طبقة الأوزون‏,‏ وما أعطاها الله تعالي من قدرة لامتصاص وتحويل الأشعة فوق البنفسجية لكانت الحياة مستحيلة علي الأرض‏.‏ ويستمر الضغط في الانخفاض في نطاق التطبق من قاعدته إلي قمته حيث يصل فيه الي واحد من ألف من الضغط الجوي عند سطح البحر‏.‏

‏(3)‏ النطاق المتوسط ‏(The Mesosphere):

 ‏ ويمتد من مستوي الركود الطبقي‏(‏ أي من ارتفاع نحو خمسين كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر إلي ارتفاع‏80‏ إلي‏90‏ كيلو مترا فوق هذا المستوي‏,‏ ويتراوح سمكه بين‏30‏ و‏40‏ كيلو مترا‏).‏ وتنخفض درجة الحرارة في نطاق التطبق بمعدل ثلاث درجات لكل كيلو متر ارتفاع تقريبا حتي تصل إلي نحو مئة درجة مئوية تحت الصفر عند حده العلوي والمعروف باسم مستوي الركود الأوسط ‏(The Mesopause) وإن كانت درجة الحرارة تلك تتغير باستمرار مع تغير الفصول المناخية‏.‏ كذلك يستمر الضغط في الانخفاض مع الارتفاع حتي يصل في قمة هذا النطاق إلي أربعة من المليون من الضغط الجوي عند سطح البحر‏.‏

ب- القسم العلوي من الغلاف الغازي للأرض ‏(The upper Atmosphere)‏:

 وهذا القسم من الغلاف الغازي للأرض يختلف اختلافا كليا عن القسم السفلي ولذا يعرف باسم نطاق التباين‏ (The Heterosphere)‏ وتبدأ فيه جزيئات مكوناته في التفكك إلي ذراتها وأيوناتها بفعل كل من أشعة الشمس والأشعة الكونية‏,‏ كذلك تسود فيه ذرات الغازات الخفيفة من مثل الإيدروجين والهيليوم علي حساب الذرات الكثيفة نسبيا من مثل الأوكسجين والنيتروجين‏,‏ وتواصل درجات الحرارة الارتفاع فيه حتي تصل إلي أكثر من ألفي درجة مئوية‏,‏ ويواصل الضغط الانخفاض حتى يصل في قمة هذا النطاق إلي أقل من واحد في المليون من الضغط الجوي علي سطح البحر‏.‏ ويحوي هذا القسم نطاقين متميزين هما من أسفل إلي أعلي كما يلي‏:‏

‏(1)‏ النطاق الحراري‏ (TheThermosphere):

 ‏ ويمتد من مستوي الركود المتوسط‏(‏ أي من ارتفاع يتراوح بين‏80‏ و‏90‏ كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر في المتوسط إلي عدة مئات من الكيلومترات فوق مستوي سطح البحر عند مستوي الركود الحراري‏ (Thermopause)‏ وتواصل درجات الحرارة في الارتفاع في هذا النطاق من نحو المائة درحة مئوية في أعلي النطاق الأسفل منه لتصل إلي ما بين‏227‏ و‏500‏ درجة مئوية عند ارتفاع مائة وعشرين كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏,‏ وتبقي درجة الحرارة ثابتة تقريبا عند درجة‏500‏ مئوية إلي ارتفاع يتراوح بين ثلاثمائة وأربعمائة كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏,‏ ثم تقفز بعد ذلك إلي درجات تتراوح بين‏1500‏ و‏2000‏ درجة مئوية إلي نهاية النطاق وتزيد في فترات النشاط الشمسي‏.‏

(2)‏ النطاق الخارجي ‏(The Exosphere):

‏ هو نطاق يعلو النطاق الحراري‏,‏ تثبت فيه درجة الحرارة ثبوتا نسبيا‏,‏ ولذا يطلق عليه أحيانا اسم نطاق التساوي الحراري‏ (The Isothermalsphere)‏ ويتضاءل الضغط فيه‏,‏ وتتمدد الغازات تمددا كبيرا وتتحرك ذراتها بحرية كاملة في مساراتها فتقل فرص التلاقي بينها بعد ارتفاع يطلق عليه اسم الارتفاع الحرج‏ (The Critical Elevation)‏ أو خط ركود الضغط الجوي‏ (The Baropause)‏ أو قاعدة العوالم الخارجية عن الأرض‏ (The Exobase) وعند هذا الحد يبدأ الغلاف الغازي للأرض في الالتصاق بقاعدة السماء الدنيا أو ما يطلق عليه اسم المادة بين الكواكب‏ (The Interplanetary Matter)‏ والتداخل أحيانا فيها لتضاؤل سيطرة الجاذبية الأرضية علي ذرات الغازات في الأجزاء العليا من هذا النطاق مما يزيد من قدرات تلك الذرات علي الانفلات من قيود الجاذبية الأرضية والهروب بعيدا عن الأرض وعن غلافها الجوي‏.‏ وفي المنطقة من قمة النطاق المتوسط‏(‏ أي من ارتفاع مائة كيلو متر تقريبا‏)‏ إلي أقصي الحدود العلوية للغلاف الغازي للأرض تتأين ذرات الغازات‏(‏ أي تشحن بالكهرباء‏)‏ بفعل كل من الأشعة فوق البنفسجية والسينية المقبلة مع أشعة الشمس‏,‏ وبعض جسيمات كل من الاشعة الشمسية الكونية‏,‏ ويطلق علي هذا السمك أسم نطاق التأين ‏(The Ionosphere).‏

والمنطقة التي تفوق فيها طاقة الايونات الطاقة الحرارية فإنها تتحرك بين خطوط قوي مجال الجاذبية الأرضية مكونة منطقة متميزة تعرف باسم النطاق المغناطيسي للأرض‏ (The Magnetosphere)‏ وتمتد إلي نهاية الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وقد تتداخل في نطاق المادة بين الكواكب‏.‏ كذلك تم اكتشاف زوجين من الأحزمة الإشعاعية‏ (The Radiation Belts)‏ يحيطان بالكرة الأرضية علي هيئة هلالية مزدوجة تزيد فيها تلك الأحزمة في السمك زيادة ملحوظة عند خط الاستواء‏,‏ وترق رقة شديدة عند القطبين‏,‏ وفي هذه الأحزمة تحتبس الأيونات واللبنات الأولية للمادة‏(‏ من مثل البروتونات والاليكترونات‏)‏ والتي يقتنصها المجال المغناطيسي للأرض‏,‏ فتتحرك عبر ذلك المجال من أحد قطبي الأرض للآخر وبالعكس في حركة دائبة‏.‏ ويتركز الزوج الداخلي من أحزمة الإشعاع علي ارتفاع‏3200‏ كيلو متر فوق مستوي سطح البحر‏,‏ بينما يتركز الزوج الخارجي علي ارتفاع‏25000‏ كيلو متر فوق هذا المستوي‏.‏

تقسيم الغلاف الغازي للأرض من حيث مواءمته للحياة الأرضية يقسم الغلاف الغازي للأرض من حيث مواءمته للحياة الأرضية إلي النطق التالية‏:‏

‏(1)‏ نطاق المواءمة الكاملة للحياة الأرضية:

 ويمثل الجزء الغازي من نطاق الحياة الذي يمتد من أعماق المحيطات‏(‏ بمتوسط عمق‏3800‏ متر تحت مستوي سطح البحر‏)‏ إلي ارتفاع في الغلاف الغازي للأرض لا يتعدي الثلاثة كيلو مترات فوق مستوي سطح البحر‏.‏وهذا الجزء الهوائي من نطاق الحياة هو نطاق المواءمة البيئية الكاملة لحياة الإنسان‏,‏ أي التي يستطيع الإنسان العيش فيها بدون مخاطر صحية‏,‏ لملاءمة التركيب الكيميائي والصفات الطبيعية للغلاف الغازي للأرض في هذا النطاق لطبيعة جسم الإنسان ولوظائف كل أعضائه وأجهزته من مثل وفرة الأوكسجين‏,‏ وتوسط كل من الضغط ودرجات الحرارة‏.‏ ومتوسط ارتفاع اليابسة لا يكاد يصل إلي هذا الحد من الارتفاع فوق مستوي سطح البحر الذي تكون التغيرات الطبيعية والكيميائية عنده محتملة‏,‏ ولذلك لا تظهر علي البشر الذين يعيشون في مثل هذه الارتفاعات أو يصلون إليها أية أعراض من أعراض نقص الأوكسجين أو تناقص الضغط‏,‏ علي الرغم من الانخفاض في درجة الحرارة‏,‏ وبعض الاختلافات في سلوك سائل مثل الماء في تلك الارتفاعات العالية‏.‏

‏(2)‏ نطاق شبه المواءمة للحياة الأرضية:

 ويمتد هذا النطاق من ارتفاع ثلاثة كيلو مترات فوق مستوي سطح البحر إلي ارتفاع ستة عشر كيلو مترا فوق ذلك المستوي ويقترب في منتصفه من أعلي قمم الأرض ارتفاعا‏(8848‏ مترا‏)‏ ويتميز بنقص تدريجي في نسبة الأوكسجين‏,‏ وتناقص الضغط بمعدلات ملحوظة‏,‏ ويمكن للإنسان العيش في الأجزاء السفلي من هذا النطاق بصعوبة فائقة لصعوبة التنفس‏,‏ والخلل الذي يعتري بعض وظائف أعضاء جسده نتيجة لانخفاض الضغط الجوي فتبدو عليه أعراض نقص الأوكسجين‏(‏ هيبوكسيا‏)‏ وأعراض انخفاض الضغط الجوي‏(‏ ديسباريزم‏).‏

(3)‏ نطاق استحالة وجود الإنسان بغير عوامل وقائية كاملة‏:

ويمتد من ارتفاع ستة عشر كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر إلي نهاية الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وهو نطاق يستحيل بقاء الإنسان فيه بغير عوامل كافية للوقاية من مخاطر هذا النطاق‏,‏ وذلك بتكييف الجو المحيط به من حيث الضغط ودرجتي الحرارة والرطوبة‏,‏ وإمداده بالقدر الكافي من الاوكسيجين وتنقيته من ثاني أكسيد الكربون‏,‏ وغير ذلك من النواتج الضارة‏,‏ مع المراقبة المستمرة للأحوال الصحية ويتم ذلك بتزويده بحلل مشابهة لحلل رواد الفضاء المزودة بأجهزة كاملة لدعم حياة الإنسان في مثل هذه البيئات الخطرة من مثل النقص الحاد في كل من الضغط الجوي‏,‏ ونسبة الاوكسجين‏,‏ والتغيرات الشديدة في درجات الحرارة‏.‏

والحلل التي يرتديها رواد الفضاء في داخل مركباتهم الفضائية المكيفة بظروف موائمة لطبيعة الإنسان هي حلل محكمة غاية الإحكام غير منفذة للهواء ولا للأشعة الكونية ــ ومليئة بالهواء المضغوط بالقدر المطلوب لسلامة جسم الإنسان‏,‏ وتتم مراقبة الضغط داخل تلك الحلل بأجهزة ضغط يمكن التحكم فيها بواسطة صمامات خارجية‏,‏ ومزودة بجيوب لتجميع افرازات الجسم والسوائل الخارجة منه‏,‏ وتسمح في الوقت نفسه بالوصول إلي الجسد لمعالجته بالحقن الطبية اللازمة في حالات الضرورة‏.‏

أما في ريادة الغلاف الغازي للأرض خارج المركبات الفضائية‏,‏ فيحتاج رواد الفضاء إلي حلل مزودة بضوابط بيئية تفوق الحلل المستخدمة داخل المركبات الفضائية في تعقيدها‏,‏ وذلك بتزويدها بضوابط لدعم الحياة محمولة تسمي باسم نظم الدعم الحياتي المحمولة‏ (Portable Life-Support Systems), وتضم بالإضافة إلي حلل داخل المركبات الفضائية مصادر محمولة للتزود بالاوكسيجين لها أنبوبتان إحداهما للشهيق والأخرى للزفير‏,‏ وأجهزة اتصال لاسلكية‏,‏ ووحدة تكييف للهواء‏,‏ ولوحات تحكم في الضغط‏,‏ وخوذة وغطاء عازلان للحرارة ولكل من الأشعة الشمسية والكونية‏,‏ وأحذية طويلة الرقبة‏,‏ وقفازات عازلة لكل من الحرارة والأشعة ورجوم النيازك المتناهية في صغر الحجم‏.‏ الصعوبات التي يواجهها الإنسان حينما يتصعد في السماء بغير وقاية كافية

إذا تجاوز الإنسان ارتفاع الثمانية كيلو مترات فوق مستوي سطح البحر فإنه يتعرض لمشكلات عديدة منها صعوبة التنفس لنقص الاوكسجين وتناقص ضغط الهواء‏,‏ وهو مرض يسميه المتخصصون في طب الطيران باسم مرض عوز الأوكسجين‏ Hypoxia ومنها مشكلات انخفاض الضغط الجوي والذي يسمي باسم خلل الضغط الجوي‏ Dysbarism وتحت هذين العارضين لا يستطيع جسم الإنسان القيام بوظائفه الحيوية‏,‏ فتبدأ في التوقف الوظيفة تلو الاخري‏,‏ وهنا يمكن تفسير ضيق الصدر الذي يمر به الإنسان عند الصعود إلي تلك المرتفعات بغير استعدادات وقائية كافية‏,‏ فيبدأ بالشعور بالإجهاد الشديد‏,‏ والصداع المستمر‏,‏ والشعور بالرغبة في النوم‏,‏ ونتيجة للنقص في الضغط الجوي تبدأ الغازات المحبوسة في داخل أنسجة الجسم وتجاويفه المختلفة في التمدد من مثل الجهاز التنفسي من الرئتين والقصبة الهوائية وتشعباتهما والأنف‏,‏ والجيوب الأنفية‏,‏ والجهاز الدوري من القلب والاوردة والشرايين‏,‏ والجهاز السمعي خاصة الأذن الوسطي‏,‏ والجهاز الهضمي من مثل المعدة والأمعاء الدقيقة والغليظة‏,‏ خاصة القولون‏,‏ والفم والأسنان والأضراس واللثة مما يؤدي إلي آلام شديدة في كل أجزاء الجسم‏,‏ وإلي ضغوط شديدة علي الرئتين والقلب وإلي تمزق خلاياهما وأنسجتهما‏,‏ ويسبب الشعور بضيق الصدر وحشرجة الموت‏.‏ كذلك تبدأ الغازات الذائبة في جميع سوائل الجسم وأنسجته في الانفصال والتصاعد إلي خارج حيز الجسد‏,‏ وأهمها غاز النيتروجين الذي يصل حجمه في جسم الفرد البالغ إلي نحو اللتر موزعة بين الدم وأنسجة الجسم المختلفة‏,‏ وتخرج هذه الغازات علي هيئة فقاعات تندفع الي الخارج بسرعة فائقة مما يزيد من تمزق الخلايا والأنسجة‏,‏ وإلي حدوث آلام مبرحة بكل من الصدر والمفاصل‏,‏ وإلي ضيق شديد في التنفس نتيجة لتصاعد فقاعات النيتروجين من أنسجة الرئتين‏,‏ ومن داخل الشعيرات الدموية‏,‏ ومن الأنسجة المحيطة بها ومن الجلد ومن أنسجة وخلايا الجهاز العصبي‏,‏ فتتأثر رؤية الشخص‏,‏ ويختل توازنه‏,‏ ويصاب بصداع شديد‏,‏ ثم إغماء كامل أو صدمة عصبية أو بشلل جزئي أو كلي وزرقة بالجسم تنتهي بالوفاة بسبب توقف كل من القلب والرئتين‏,‏ وانهيار الجهاز العصبي‏,‏ وفشل كامل في وظائف بقية أعضاء الجسم ولعل ذلك هو المقصود بقول الحق‏(‏تبارك وتعالي‏):‏

فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لا يؤمنون‏*(‏ الأنعام‏:125)‏ وهذه حقائق لم يدركها الإنسان إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين وإن بدأ يتحسسها منذ نهاية القرن الثامن عشر‏,‏ وورودها في كتاب الله الذي أنزل قبل أربعة عشر قرنا علي نبي أمي صلي الله وسلم وبارك عليه في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين مما يؤكد أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ وأن هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم كان موصولا بالوحي ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏.‏

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 4.75)
لمحات إعجازية عن أبواب السماء وظلمة الفضاء
الإعجاز بالقرآن

تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.orgونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة-----------------------

لمحات إعجازية عن أبواب السماء وظلمة الفضاء

أ.د. زغلول محمد النجار

أستاذ علم الأرض

وزميل الأكاديمية الإسلامية للعلوم

يقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ في محكم كتابه:

 ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مّنَ السّمَاءِ فَظَلّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ . لَقَالُواْ إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ ) (سورة الحجر: الآيتان 15,14).

 وهاتان الآيتان وردتا في سياق الحديث عن عناد ومكابرة كفار قريش لخاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم.

 وتكذيبهم ببعثته, وتشكيكهم في الوحي الذي أنزل إليه من ربه, واتهامهم له بالجنون, وهم أعرف الناس بأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أرجح الناس عقلا, وأعظمهم خلقا, وأشرفهم نسبا, ولذلك نزلت الآيات في مطلع سورة الحجر لتشيد بالقرآن الكريم, ولتهدد هؤلاء الجاحدين بمشهد يوم عظيم يعاينون فيه أهوال الآخرة فيتمنون لو كانوا في الدنيا قد أسلموا لرب العالمين, وآمنوا ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين وبآيات هذا الكتاب المبين, وبيوم البعث الذي كانوا به ينذرون, وِلُيـَهـَّون على هذا النبي الخاتم - صلى الله عليه وسلم - صلف هؤلاء المتكبرين فتطلب منه أن يدعهم في غيهم يأكلون ويتمتعون, ويشغلهم الأمل بطول الأجل عن التفكير فيما سوف يلقونه من عذاب مهين في الدنيا قبل الآخرة, وذلك جزاء كفرهم وعنادهم وكبرهم.

 وهذا التهديد والوعيد من الله تعالى لهؤلاء المجرمين, يتبعه تذكير بمصائر غيرهم من الأمم السابقة عليهم, وبأن الله تعالى لم يهلك أيا من تلك القرى الظالمة التي كذبت بآياته ورسله إلا وجعل لهلاكها أجلا محددا.

 وتذكر الآيات تحديات كفار قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستهزائهم به وتنكرهم لشرف بعثته حتى طلبوا منه أن يأتيهم بالملائكة ليشهدوا له بصدق نبوته, فيرد الحق - تبارك وتعالى - عليهم بأن الملائكة لا تنزل إلا بالحق, وأن من هذا الحق أن يُدمَّر المكذبون بآيات الله ورسله بعد أن جاءتهم نذر ربهم.

 ثم تؤكد تلك الآيات الكريمات على أن الله تعالى هو الذي أنزل القرآن العظيم, وأنه تعالى قد تعهد بحفظه فحفظ, فلا يمكن لمحاولة تخويف أن تطوله, ولا لمؤامرة تبديل أن تصيبه, مهما حاول المجرمون, وتضافر المتآمرون.

 وهذا الحفظ الرباني لآخر الكتب السماوية وأتمها وأكملها, في الوقت الذي تعرضت فيه كل صور الوحي السابقة للضياع التام, أو للتحريف والتبديل والتغيير ـ لهو من أعظم المعجزات المبهرة لهذا الكتاب الخالد, وعلى الرغم من ذلك كله فقد كذب به هؤلاء المعاندون. ومن قبيل تهوين الأمر على خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ تذكره الآيات أنه لم يكن منفردًا بجحود قومه, وتكذيبهم, ومكابرتهم, وعنادهم, واستهزائهم, بل سبقه من الأنبياء والمرسلين من تعرضوا لذلك وأشد منه, فاستحقت أقوامهم المكذبة عقاب الله في الدنيا قبل الآخرة.

 ومن الغريب أن الجاحدين من الخلق, الذين كفروا بالله, وبملائكته وبكتبه ورسله, في كل زمان ومكان, لم يكن لينقصهم الدليل المنطقي على صدق وحي السماء, وما فيه من آيات بينات, ولكنه الصلف والعناد والمكابرة في مواجهة كل حجة أتتهم, وكل بينة جاءتهم, تماما بتمام كما كان موقف كفار قريش من خاتم الأنبياء والمرسلين, ومما أنزل إليه من قرآن كريم, فتصور لنا الآيات في مطلع سورة الحجر نموذجا صارخا لمكابرة أهل الباطل وعنادهم في مواجهة الحق وذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالى: ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مّنَ السّمَاءِ فَظَلّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ .  لَقَالُواْ إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ ) (الحجر 15،14).

 بمعنى أنه حتى لو فتح الله – تعالى- على هؤلاء المكابرين بابا من السماء, وأعانهم على الاستمرار بالعروج فيه بأجسادهم وكامل حواسهم حتى يطلعوا على بديع صنع الله في ملكوته, وعلى عظيم قدرته في إبداع خلقه, وعلى اتساع سلطانه وملكه, وعلى حشود الخاضعين له بالعبادة والطاعة والتسبيح في خشية وإشفاق بالغين, لشكوا في تلك الرؤية المباشرة, وكذبوا أبصارهم وعقولهم وكافة حواسهم, ولاتهموا أنفسهم بالعجز التام عن الرؤية تارة, وبالوقوع تحت تأثير السحر تارة أخرى, وذلك في محاولة لإنكار الحق من فرط مكابرتهم وصلفهم وعنادهم.!!

 وعلى الرغم من كون «لو» حرف امتناع لامتناع, وكون هاتين الآيتين الكريمتين قد وردتا في مقام التمثيل والتصوير لحال المكابرين من الكفار وعنادهم وصلفهم, إلا أن صياغتها قد جاءت ـ كما تجيء كل آيات القرآن الكريم ـ على قدر مذهل من الدقة والشمول والكمال, يشهد بأن القرآن كلام الله الخالق الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته, وأن خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمـد بن عبــد الله - صلوات الله وسلامه عليه - كان موصولا بالوحي, مُعَلَّما من قبل خالق السماوات والأرض - سبحانه وتعالى.

 وأحاول في هذا المقال عرض عدد مما استطعت إدراكه من ملامح الإعجاز العلمي في هاتين الآيتين الكريمتين على النحو التالي:

 (1) اللمحة الإعجازية الأولى:

 وقد وردت في قول الحق ـ تبارك وتعالى: { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مّنَ السّمَاءِ  } مما يؤكد على أن السماء ليست فراغا كما كان يعتقد الناس إلى عهد قريب, حتى ثبت لنا أنها بنيان محكم يتعذر دخوله إلا عن طريق أبواب تفتح للداخل فيه.

 والسماء لغة : هي كل ما علاك فأظلك, واصطلاحا هي ذلك العالم العلوي الذي نراه فوق رؤوسنا بكل ما فيه من أجرام, وعلميا : هي كل ما يحيط بالأرض بدءًا من غلافها الغازي, وانتهاءً بحدود الكون المدرك, والذي أدرك العلماء منه مساحة يبلغ قطرها 36 ألف مليون سنة ضوئية (أي حوالي 342×10 21 كيلومتر), وأحصوا فيه أكثر من مائة ألف مليون مجرة من أمثال مجرتنا المعروفة باسم سكة التبانة أو (درب التبانه) والتي أحصى العلماء فيها حوالي 400 ألف مليون نجم كشمسنا, والكون فوق ذلك دائم الاتساع إلى نهاية لا يعلمها إلا الله ـ سبحانه وتعالى.

 وقد علمنا مؤخرا أن السماء مليئة بمختلف صور المادة والطاقة التي انتشرت بعد انفجار الجرم الكوني الأول ـ والذي كان يضم كل مادة الكون, ومختلف صور الطاقة المنبثة في أرجائه اليوم ـ وذلك عند تحوله من مرحلة الرتق إلى مرحلة الفتق ـ كما يصفها القرآن الكريم ـ ويقدر علماء الكون أن ذلك قد حدث منذ حوالي العشرة بلايين من السنين.

تغطي الظلمة كل أجزاء السماء وتكسوها من كل جانب

يخلو القمر من الهواء ولذا تظهر الأرض من سطحه سابحة في الظلام

 وعند انفجار ذلك الجرم الكوني الأول تحولت مادته وطاقاته المخزونة إلى غلالة هائلة من الدخان ملأت فسحة الكون, ثم أخذت في التبرد والتكثف بالتدريج حتى وصلت إلى حالة من التوازن الحراري بين جسيمات المادة وفوتونات الطاقة, وهنا تشكلت بعض نوى الإيدروجين المزدوج (الديوتريوم), وتبع ذلك تخلق النوى الذرية لأخف عنصرين معروفين لنا وهما الإيدروجين والهيليوم, ثم تخلق نسب ضئيلة من العناصر الأثقل وزنا.

 وبواسطة دوامات الطاقة التي انتشرت في غلالة الدخان التي ملأت أرجاء الكون تشكلت السدم (Nebulae) وهي أجسام غازية في غالبيتها, تتناثر بين غازاتها بعض الهباءات الصلبة, وتدور المادة فيها في دوامات شديدة تساعد على المزيد من تكثفها في سلسلة من العمليات المنضبطة حتى تصل إلى مرحلة الاندماج النووي التي تكوِّن النجوم بمختلف أحجامها, وهيئاتها, ودرجات حرارتها, وكثافة المادة فيها, ومنها النجوم المفردة والمزدوجة, والمستعرات الشديدة الحرارة والنجوم البيضاء القزمة, ومنها النجوم النيوثرونية (النابضات Pulsars) (التي تصل كثافة المادة فيها إلى خمسين بليون طن للسنتيمتر المكعب), وأشباه النجوم (التي تقل كثافة المادة فيها عنها في شمسنا), ومنها الثقوب السود (التي تصل كثافة المادة فيها إلى مائتي بليون طن للسنتيمتر المكعب), والثقوب الدافئة, مما يشكل المجرات والتجمعات المجرية, وغيرها من نظم الكون المبهرة.

 ومن أشلاء النجوم تكونت الكواكب والكويكبات, والأقمار والمذنبات, والشهب والنيازك, والإشعاعات الكونية التي تملأ فسحة الكون بأشكالها المتعددة, وغير ذلك مما لا نعلم من أسرار هذا الوجود الذي نحيا في جزء ضئيل منه.

 وقبل سنوات قليلة لم يكن أحد من الناس يعلم أن السماء على اتساعها ليست فراغًا, ولكنها مليئة بالمادة على هيئة رقيقة للغاية, تشكلها غازات مخلخلة يغلب على تركيبها غازي الإيدروجين والهيليوم, مع نسب ضئيلة جدا من الأوكسيجين, والنيتروجين, والنيون, وبخار الماء, وهباءات نادرة من المواد الصلبة مع انتشار هائل للأشعة الكونية بمختلف صورها في مختلف جنبات الكون.

 ولقد كان السبب الرئيسي لتصور أن فضاء الكون فراغ تام هو التناقص التدريجي لضغط الغلاف الغازي للأرض مع الارتفاع عن سطحها حتى لا يكاد يدرك بعد ارتفاع ألف كيلومتر فوق سطح البحر, ومن أسباب زيادة كثافة الغلاف الغازي للأرض بالقرب من سطحها ـ انطلاق كميات هائلة من بخار الماء وغازات عديدة أغلبها أكاسيد الكربون والنيتروجين من جوفها أثناء تبرد قشرتها, وعبر فوهات البراكين التي نشطت ولا تزال تنشط على سطحها, وقد اختلطت تلك الغازات الأرضية بالغلالة الغازية الكونية, وساعدت جاذبية الأرض على الاحتفاظ بالغلاف الغازي للأرض بكثافته التي تتناقص باستمرار بالبعد عنها حتى تتساوى مع كثافة الغلالة الغازية الأولية التي تملأ أرجاء الكون وتندمج فيها.

 وعلى ذلك فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن السماء بناء محكم, تملؤه المادة والطاقة, ولا يمكن اختراقه إلا عن طريق أبواب تفتح فيه, وهو ما أكده القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة سنة في أكثر من آية صريحة, ومنها الآية الكريمة التي نحن بصددها { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مّنَ السّمَاءِ} وهي شهادة صدق على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق, الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته, وأنزل القرآن الكريم بعلمه الحق.

 (2) اللمحة الإعجازية الثانية:

 وتتضح من وصف الحركة في السماء بالعروج: { فَظَلّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ}, والعروج لغة هو سير الجسم في خط منعطف مُنْحَنٍ, فقد ثبت علميا أن حركة الأجسام في الكون لا يمكن أن تكون في خطوط مستقيمة, بل لابد لها من الانحناء نظرا لانتشار المادة والطاقة في كل الكون, وتأثير كل من جاذبية المادة (بأشكالها المختلفة والمجالات المغناطيسية للطاقة بتعدد صورها) على حركة الأجرام في الكون, فأي جسم مادي مهما عظمت كتلته أو تضاءلت لا يمكنه التحرك في الكون إلا في خطوط منحنية وحتى الأشعة الكونية على تناهي دقائقها في الصغر (وهي تتكون من المكونات الأولية للمادة مثل البروتونات والنترونات والإلكترونات فإنها إذا عبرت خطوط أي مجال مغناطيسي فإن انتشار كل من المادة والطاقة في الكون عبر عملية «الفتق» وما صاحبها من انفجار عظيم كانت من أسباب تكوره, وكذلك كان لانتشار قوى الجاذبية في أرجاء الكون من أسباب  تكور كل أجرامه, وكان التوازن الدقيق بين كل من قوى الجاذبية والقوى الدافعة الناتجة عن عملية «الفتق» هو الذي حدد المدارات التي تتحرك فيها كل أجرام السماء, والسرعات التي تجري بها في تلك المدارات والتي يدور بها كل منهما حول محوره.

حلقة النهار الرقيقة وسط الظلام الدامس

 تشبه لرقتها جلد الزبيحة بالنسبة لبدن السماء المظلم

الكون من مرحلة الرتق إلى مرحلة الفتق

  فعند انفجار الجرم الكوني الأول (The Primardial Body) انطلق كل ما كان به من مخزون المادة والطاقة بالقوة الدافعة الناتجة عن ذلك الانفجار العظيم (عملية الفتق) والتي أكسبت كل صور المادة والطاقة المنطلقة إلى فسحة الكون طاقة حركة هائلة, وجعلتها بذلك واقعة تحت تأثير قوتين متعارضتين هما قوة التجاذب الرابطة بينها, والقوة الطاردة الناتجة عن ذلك الانفجار الكوني, والتوازن الدقيق بين هاتين القوتين المتعارضتين هو الذي يحفظ أجرام السماء في مداراتها, ويجعلها تتحرك فيها حركة دائرية بخطوط منحنية باستمرار, كما جعلها تدور حول محاورها بسرعات محددة.

 ودوران الأجرام السماوية حول محاورها وفي مداراتها يخضع لقانون يعرف باسم «قانون بقاء التحرك الزاوي» أو «قانون العروج» «The low of Conservation of angular Momentum» وينص هذا القانون على أن كمية التحرك الزاوي لأي جرم سماوي تقدر على أساس نسبة سرعة دورانه حول محوره إلى نصف قطره على محور الدوران, وتبقى كمية التحرك الزاوي تلك محفوظة في حالة انعدام مؤثرات أخرى, ولكن إذا تعرض الجرم السماوي إلى مؤثرات خارجية أو داخلية فإنه سرعان ما يكيف حركته الزاوية في ضوء التغيرات الطارئة. فعلى سبيل المثال تزداد سرعة التحرك الزاوي للجرم كلما انكمش حجمه, وكما سبق وأن ذكرنا فإن جميع الأجرام الأولية قد تكثفت مادتها على مراحل متتالية من غلالة الدخان الكوني التي نتجت عن انفجار الجرم الابتدائي الذي حوى كل مادة وطاقة الكون, تاركة كميات هائلة من الغازات والغبار والإشعاعات الكونية, وعلى ذلك فقد كانت الكواكب الابتدائية ـ على سبيل المثال ـ أكبر حجما بمئات المرات من الكواكب الحالية, وكانت أرضنا الابتدائية مائتي ضعف حجم الأرض الحالية (على الأقل), وهذه الكواكب الابتدائية أخذت في التكثف على مراحل متتالية حتى وصلت إلى صورتها الحالية.

 وبمثل عملية نشأة الكون تماما وبالقوانين التي تحكم دوران أجرامه حول محاورها, وفي مدارات لكل منها حول جرم أكبر منه تتم عملية إطلاق الأقمار الصناعية ومراكب الفضاء من الأرض إلى مدارات محددة حولها, أو حول أي من أجرام مجموعتنا الشمسية, أو حتى إلى خارج حدود المجموعة الشمسية, وذلك بواسطة قوى دافعة كبيرة تعينها على الإفلات من جاذبية الأرض, من مثل صواريخ دافعة تتزايد سرعتها بالجسم المراد دفعه إلى قدر معين من السرعة, ولما كانت الجاذبية الأرضية تتناقص بزيادة الارتفاع عن سطح الأرض, فإن سرعة الجسم المدفوع إلى الفضاء تتغير بتغير ارتفاعه فوق سطح ذلك الكوكب, وبضبط العلاقة بين قوة جذب الأرض للجسم المنطلق منها إلى الفضاء والقوة الدافعة لذلك الجسم (أي سرعته) يمكن ضبط المستوى الذي يدور فيه الجسم حول الأرض, أو حول غيرها من أجرام المجموعة الشمسية أو حتى حالة إرساله إلى خارج المجموعة الشمسية تمامًا, ليدخل في أسر جرم أكبر يدور في فلكه.  

 وأقل سرعة يمكن التغلب بها على الجاذبية الأرضية في إطلاق جرم من فوق سطحها إلى فسحة الكون تسمى باسم «سرعة الإفلات من الجاذبية الأرضية», وحركة أي جسم مندفع من الأرض إلى السماء لابد وأن تكون في خطوط منحنية وذلك تأثرا بكل من الجاذبية الأرضية, والقوة الدافعة له إلى السماء, وكلاهما يعتمد على كتلة الجسم المتحرك, وعندما تتكافأ هاتان القوتان المتعارضتان يبدأ الجسم في الدوران في مدار حول الأرض مدفوعا بسرعة أفقية تعرف باسم سرعة التحرك الزاوي أو «سرعة العروج» (Angular Momentuim), والقوة الطاردة اللازمة لوضع جرم ما في مدار حول الأرض تساوي كتلة ذلك الجرم مضروبة في مربع سرعته الأفقية (المماسة للمدار) مقسومة على نصف قطر المدار (المساوي للمسافة بين مركزي الأرض والجرم الذي يدور حوله), ولولا المعرفة الحقيقية لعروج الأجسام في السماء لما تمكن الإنسان من إطلاق الأقمار الصناعية, ولما استطاع ريادة الفضاء حيث أصبح من الثابت أن كل جرم متحرك في السماء مهما كانت كتلته ـ محكوم بكل من القوى الدافعة له وبالجاذبية مما يضطره إلى التحرك في خط منحن يمثل محصلة كل من قوى الجذب والطرد المؤثرة فيه, وهذا ما يصفه القرآن الكريم بالعروج, وهو وصف التزم به هذا الكتاب الخالد في وصفه لحركة الأجسام في السماء في خمس آيات متفرقات وذلك قبل ألف وأربعمائة سنة من اكتشاف الإنسان لتلك الحقيقة الكونية المبهرة.

 (3) اللمحة الإعجازية الثالثة:

 وقد وردت في قول الحق ـ تبارك وتعالى ـ: { لَقَالُواْ إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ } ومعنى { سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا} أُغْلِقَتْ عيوننا وسدت, أو غشيت وغُطِّيَتْ لتمنع من الإبصار, وحينئذ لا يرى الإنسان إلا الظلام, ويعجب الإنسان لهذا التشبيه القرآني المعجز الذي يمثل حقيقة كونية لم يعرفها الإنسان إلا بعد نجاحه في ريادة الفضاء منذ مطلع الستينيات من هذا القرن حين فوجئ بحقيقة أن الكون يغشاه الظلام الدامس في غالبية أجزائه, وأن حزام النهار في نصف الكرة الأرضية المواجه للمشمس لا يتعدى سمكه مائتي كيلومتر فوق مستوى سطح البحر, وإذ ارتفع الإنسان فوق ذلك فإنه يرى الشمس قرصا أصفر في صفحة سوداء حالكة السواد, لا يقطع حلوكة سوادها إلا بعض البقع الباهتة الزرقة في مواقع النجوم.

 وإذا كان الجزء الذي يتجلى فيه النهار على الأرض محدودا في طوله وعرضه بنصف مساحة الكرة الأرضية, وفي سمكه بمائتي كيلومتر, وكان في حركة دائمة مرتبطة بدوران الأرض حول محورها أمام الشمس, وكانت المسافة بين الأرض والشمس في حدود المائة وخمسين مليون كيلومتر, وكان نصف قطر الجزء المدرك من الكون يقدر بثمانية عشر بليون سنة ضوئية(أي ما يســاوي 171×10 21 كيلومتر), اتضحت لنا ضآلة سمك الطبقة التي يعمها ضوء النهار, وعدم استقرارها لانتقالها باستمرار من نقطة إلى أخرى على سطح الأرض مع دوران الأرض حول محورها, واتضح لنا أن تلك الطبقة الرقيقة تحجب عنا ظلام الكون, خارج حدود أرضنا ونحن في وضح النهار, فإذا جن الليل انسلخ منه النهار, واتصلت ظلمة الكون, وتحركت تلك الطبقة الرقيقة من الضوء الأبيض لتفصل نصف الأرض المقابل عن تلك الظلمة الشاملة التي تعم الكون كله.

 وتجلى النهار على الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض (بسمك مائتي كيلومتر فوق سطح البحر) بهذا اللون الأبيض المبهج الذي هو نعمة كبرى من نعم الله على العباد, وتفسر بأن الهواء في هذا الجزء من الغلاف الغازي للأرض له كثافة عالية نسبيا, وأن كثافته تتناقص بالارتفاع حتى لا تكاد تدرك, وأنه مشبع ببخار الماء وبهباءات الغبار التي تثيرها الرياح من فوق سطح الأرض فتعلق بالهواء, وتقوم كل من جزيئات الهواء الكثيف نسبيا, وجزيئات بخار الماء, والجسيمات الدقيقة من الغبار بالعديد من عمليات تشتيت ضوء الشمس وعكسه حتى يظهر باللون الأبيض الذي يميز النهار كظاهرة نورانية مقصورة على النطاق الأسفل من الغلاف الغازي للأرض في نصفها المواجه للشمس.

 وبعد تجاوز المائتي كيلومتر فوق سطح البحر يبدأ الهواء في التخلخل لتضاؤل تركيزه, وقلة كثافته باستمرار مع الارتفاع, ولندرة كل من بخار الماء وجسيمات الغبار فيه لأن نسبها تتضاءل بالارتفاع حتى تكاد أن تتلاشى, ولذلك تبدو الشمس وغيرها من نجوم السماء بقعا زرقاء باهتة في بحر غامر من ظلمة الكون لأن أضواءها لا تكاد تجد ما يشتته أو يعكسه في فسحة الكون.

 فسبحان الذي أخبرنا بهذه الحقيقة الكونية قبل اكتشاف الإنسان لها بألف وأربعمائة سنة, فشبه الذي يعرج في السماء بمن سكر بصره فلم يعد يرى غير ظلام الكون الشامل, أو بمن اعتراه شيء من السحر فلم يعد يدرك شيئًا مما حواليه, وكلا التشبيهين تعبير دقيق عما أصاب رواد الفضاء الأوائل حين عبروا نطاق النهار إلى ظلمة الكون فنطقوا بما يكاد أن يكون تعبير الآية القرآنية ـ دون علم بها:

 { إِنّمَا سُكّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مّسْحُورُونَ }.

 (4) اللمحة الإعجازية الرابعة:

 وتتضح في قوله تعالى: { فَظَلّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ }.

 فالتعبير اللغوي {ظلوا} يشير إلى عموم الإظلام وشموله وديمومته بعد تجاوز طبقة النهار لى نهاية الكون, بمعنى أن الإنسان إذا عرج إلى السماء في وضح النهار فإنه يفاجأ بظلمة الكون الشاملة تحيط به من كل جانب مما يفقده النطق أحيانا أو يجعله يهذي بما لا يعلم أحيانا أخرى من هول المفاجأة.

 ومن الأمور التي تؤكد على ظُلْمة الكون الشاملة أن باطن الشمس مظلم تماما على الرغم من أن درجات الحرارة فيه تصل إلى عشرين مليون درجة مئوية وذلك لأنه لا ينتج فيه سوى الإشعاعات غير المرئية من قبل أشعة جاما, والإشعاعات فوق البنفسجية والسينية.

تظهر النسبية العامة بأن الضوء يجب أن ينحى تحت تأثير حقول الجاذبية،  والشكل يوضح كيف أن كتلة الشمس (A) تشوه النسيج الزماني-المكاني "الزمكاني" القريب منها مما يجعل الضوء الصادر من نجم بعيد (B) ينعطف حين مروره بالقرب من الشمس هذا الأمر يؤدي إلى أن المراقب من الأرض (C) يتوهم أن موقع النجم هو (D) بدلا من (B).

 أما ضوء الشمس الذي نراه  من فوق سطح الأرض فلا يصدر إلا عن نطاقها الخارجي فقط والذي يعرف باسم «النطاق المضيء» (Photosphere), ولا يرى بهذا الوهج إلا في الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض, وفي نصف الكرة الأرضية المواجه للشمس.

 (5) اللمحة الإعجازية الخامسة:

 وتتضح في إشارة الآيتين الكريمتين إلى الرقة الشديدة لغلالة النهار وذلك في قول الحق ـ تبارك وتعالى ـ {ولو فتحنا … لقالوا …} بمعنى أن القول بتسليم العيون وظلمة الكون الشاملة تتم بمجرد العروج لفترة قصيرة في السماء, ثم تظل تلك الظلمة إلى نهاية الكون, وقد أثبت العلم الحديث ذلك بدقة شديدة, فإذا نسبنا سمك طبقة النهار إلى مجرد المسافة بين الأرض والشمس لاتضح لنا أنها تساوي

  200 كيلومتر/ 150000000 كيلومتر= 1/75000  تقريباً.

فإذا نسبناها إلى نصف قطر الجزء المدرك من الكون اتضح أنها لا تساوي شيئًا البتة, وهنا تتضح روعة التشبيه القرآني في مقام آخر يقول فيه الحق ـ تباك وتعالي: {وَآيَةٌ لّهُمُ الْلّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النّهَارَ فَإِذَا هُم مّظْلِمُونَ}"يس: 37"

 حيث شبه انحسار طبقة النهار البالغة الرقة من ظلمة كل من ليل الأرض وليل السماء بسلخ جلد الذبيحة الرقيق عن كامل بدنها, مما يؤكد على أن الظلام هو الأصل في الكون. وأن النهار ليس إلا ظاهرة نورانية عارضة رقيقة جدًّا.. لا تظهر إلا في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض, وفي نصفها المواجه للشمس في دورة الأرض حول نفسها أمام ذلك النجم, وبتلك الدورة ينسلخ النهار تدريجيا من ظلمة كل من ليل الأرض وحلكة السماء كما ينسلخ جلد الذبيحة عن جسدها.

 وفي تأكيد ظلمة السماء يقرر القرآن الكريم في مقام آخر قول الحق ـ تبارك وتعالى:

 {أَأَنتُمْ أَشَدّ خَلْقاً أَمِ السّمَآءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} «النازعات: 27 ـ 29». ( والضمير في {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} عائد على السماء, بمعنى أن الله تعالى قد جعل ليل السماء حالك السواد من شدة إظلامه, فهو دائم الإظلام سواء اتصل بظلمة ليل الأرض (في نصف الكرة الأرضية الذي يعمه الليل), أو انفصل عن الأرض بتلك الطبقة الرقيقة التي يعمها نور النهار (في نصف الأرض المواجه للشمس) فيصفه ربنا  ـ تبارك وتعالى ـ بقوله: {وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا} أي أظهر ضوء شمس السماء لأحاسيس المشاهدين لها من سكان الأرض بالنور والدفء معا أثناء نهار الأرض, والضحى هو صدر النهار حين ترتفع الشمس ويظهر ضوءها جليا للناس, بينما يبقى معظم الكون غارقًا في ظلمة السماء.

 ويؤكد هذا المعنى قسم الحق ـ تبارك وتعالى, وهو الغني عن القسم ـ بالنهار إذ يجلي الشمس أي بكشفها وبوضوحها فيقول ـ عز من قائل:

{وَالشّمْسِ وَضُحَاهَا . وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا . وَالنّهَارِ إِذَا جَلاّهَا . وَاللّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} "الشمس: 1 ـ 4"

 أي أن النهار هو الذي يجعل الشمس واضحة جلية لأحاسيس المشاهدين لها من سكان الأرض, وهذه لمحة أخرى من لمحات الإعجاز العلمي في كتاب الله تقرر أن نور الشمس لا يرى إلا في نهار الأرض وأن الكون خارج نطاق نهار الأرض ظلام دامس, وأن هذا النطاق النهاري لابد وأن به من الصفات ما يعينه على إظهار وتجلية ضوء الشمس للذين يشهدونه من أحياء الأرض.

 فسبحان الذي أنزل القرآن بالحق, أنزله بعلمه, وجعله معجزة خاتم أنبيائه ورسله, في كل أمر من أموره, وفي كل آية من آياته, وفي كل إشارة من إشاراته, وفي كل معنى من معانيه, وجعله معجزة أبدية خالدة على مر العصور, لا تنتهي عجائبه, ولا يخلق عن كثرة الرد إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها, وصلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين, الذي شرفه ربه ـ تبارك وتعالى ـ بوصفه أنه لا ينطق عن الهوى فقال ـ عز من قائل: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ. إِنْ هُوَ إِلاّ وحي يوحى. علمه شديد القوى} (النجم:5) 

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 4.75)
اعجاز وصف تحركات الرياح
الإعجاز بالقرآن

تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.orgونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة-----------------------

أوجه من إعجاز القرآن الكريم في وصف تحركات الرياح

د. أحمد عبد الله مكي - جامعة الملك عبد العزيز

     كان في جميع الحضارات والأمم السابقة خرافات ومعتقدات خرافية عن الرياح وكان يسود الظن بأن هناك آلهة مختلفة للرياح والعواصف, وجاء القرآن الكريم ليبين مباشرة بأن الرياح بيد الله الواحد وأنها مسخرة بإذنه متناسقة مع باقي المسخرات وتسير بنظم ثابتة في هذا الكون ليؤازر بعضها بعضًا.

والسؤال الآن: ما هي الرياح؟ أو ما هو الريح؟

والجواب: جاء على لسان من علمهم القرآن من زمن بعيد أن الريح هي: (حركة أجسام لطيفة غير مرئية). أما المصطلح العلمي للرياح الآن فهو: ( حركة جزيئات الهواء والغازات المكونة للغلاف الجوي, والرياح توصف ككمية موجهة لها سرعة واتجاه).

    ومن آيات الله أن جعل في هذه الجزيئات الخفيفة القوة الخارقة التي تقلع الأشجار, وتهدم الديار, والآن تستخدم في رفع الأثقال وتكسير الأحجار, وهي أيضا الرياح اللطيفة التي تنقل الروائح الجميلة وعبير الأزهار وتنقل حبوب اللقاح وتسوق السحاب - بإذن الله.

    وجاء ذكر كلمة (رياح) في القرآن الكريم عشر مرات وذكر لفظة (ريح) أربع عشرة مرة, ولفظ (ريحًا) أربع مرات. وجاء ذكر الرياح مجموعة دائما مع الرحمة (مبشرات, حاملات, مرسلات, ناشرات, ذاريات, لواقح).

    وإن كل مرة ذكر فيها الريح مفردة تكون مقترنة بالعذاب (عاصف, قاصف, عقيم, صرصر). إلا في سورة يونس في قوله تعالى: {جرين بهم بريح طيبة} (الآية 22), وسورة يوسف في قوله تعالى:{ لما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون}(الآية 94).

    فورود كلمة الرياح مع الجمع تعني أن الرياح بهذه الصفة المقرونة بها قد يحدث في نفس الوقت على أماكن أخرى من الكرة الأرضية مثل تصريف الرياح أو يرسل الرياح فهي كمرسلات هنا وهناك ناشرات في نصف الكرة الشمالي والجنوبي في نفس الوقت.

    أما الإفراد فإنها تأتي بمواصفات خاصة كجسد واحد يؤدي غرضا محدودًا, فريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء تؤدي غرضاً بعينه, وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو إن هبت الريح: "اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحا"

علم الأرصاد اليوم مع الرياح

( أ ) الرياح على مدى الكرة الأرضية:

    درس علماء الأرصاد الرياح الآن ومنذ أكثر من قرن واهتموا برصد حركتها ودورانها وتجمعها وتفرقها على سطح الأرض وفي طبقات الجو العليا بواسطة البالونات وأجهزة (الراديوسوند والرادرات) والأقمار الصناعية, فوجدوا أن هناك نظامًا عامًّا للرياح, وهذا ما يسمى بالدورة العامة للرياح ترتبط بحركة الأرض حول الشمس وحركة الأرض حول نفسها, يعني اختلاف الليل والنهار, وهناك علاقة بين الرياح والسحاب كل منهما مرتبط بالآخر حيث إن كل البرامج والنماذج الحسابية لتقدير سرعة الرياح في طبقات الجو العليا بواسطة الأقمار الصناعية تعتمد في حساباتها على حركة السحاب, وهذا ما يعبر عنه في اللفظ القرآني {وتصريف الرياح }(البقرة 164).

ولقد توفرت معلومات عن الرياح على المستوى الشامل للكرة الأرضية, منذ عدة قرون نتيجة لخبرات مختلفة من المشتغلين بالبحر, وسوف يتناول هذا المبحث فحصاً لأنواع الرياح التي تحدث حول الكرة الأرضية وغلافها الجوي, ويتم وصف الأنواع المختلفة للرياح من خلال القوى التي تحدثها, ومن خلال نوعيات خاصة من الرياح.  

     وأن النظر إلى الأرض من الفضاء (شكل 1) يظهر كثيرا من عينات السحب, وترتبط هذه العينات بعناصر جوية منها: الضغط الجوي, الرياح, الحرارة, الرطوبة, وتحدث هذه العناصر على عدة مقاييس, ومن الملائم أن نتعامل مع المقاييس المختلفة, عندما نصف الرياح في الغلاف الجوي, وتتضمن المقاييس المختلفة لرياح الغلاف الجوي: الدورة العامة للرياح حول الأرض, وهذا هو المقياس (المدى) الكلي لكرة الأرض (Globale والرياح على المقياس (المدى) الكتل الهوائية (السينوبتيكي), والرياح على المقياس المحلي, والرياح على المستوى الدقيق.

 (ب) الدورة العامة للرياح في الغلاف الجوي:

    تعد الدورة العامة للرياح مقياساً عاماً لحركة الجو, وتتكون من: الرياح على مستوى الكرة الأرضية التي تنتج من التأثير المشترك للتوازن الإشعاعي, وانتقال الحرارة عبر خطوط العرض, ودوران الأرض, بالإضافة إلى الاختلافات في طبيعة سطح الأرض في الأماكن المختلفة, ويقدم الإشعاع الشمسي الطاقة لدورة الرياح, إذ يسقط الإشعاع الشمسي أكثر مباشرة على منطقة خط الاستواء منه على القطبين فيتزايد الإشعاع الشمسي قرب خط الاستواء, ويتناقص قرب القطبين, وينتج عن ذلك – بوجه عام - حركة صاعدة قرب خط الاستواء, وحركة هابطة قرب القطبين, وقد فكر العلماء في البداية أن دورة بسيطة مثل تلك المبينة في (شكل 2) تعد تمثيلاً صحيحاً للدورة الفعلية, وقد شرح جورج هادلي في عام (1753م) الرياح التجارية, وطبقا لتصوره فإن الهواء الساخن يتصاعد عند خط الاستواء الأرضي, ويندفع الهواء تحت المداري ليملأ الفراغ, ويعمل دوران الأرض إلى دفع الهواء المتحرك باتجاه الغرب, وبهذا توجد الرياح التجارية.  وفي شكل (3) صورة لخطوط سريان الرياح تم حسابها كنموذج عدد من صور الأقمار الصناعية لحركة السحب.  

     ولم يكن ممكناً أن يتوفر فهم عالمي للرياح إلا في الأزمنة القريبة أثناء القرن الحالي, إذ كان من العسير في الماضي أن يتم وضع منطقة بهذا القدر من الاتساع تحت الملاحظة ولم يكن ممكنا لأي راصد في أحد المواقع أن يجمع معلومات عن مناطق أخرى. ويفهم العلماء الآن أن الدورة الفعلية لها ثلاث خلايا بين خط الاستواء وكل قطب كما هو مبين في (شكل 3) وبين الشكل كذلك مناطق الحركة في اتجاه الشرق(ش) واتجاه الغرب (غ). ومناطق الحركة إلى الشرق وإلى الغرب هي نتيجة لحفظ العزم الزاوي فوق أرض تدور, فإذا تحركت كتلة من الهواء ناحية القطب, فإنها لا بد أن تنحرف شرقاً للمحافظة على عزمها الزاوي. وبالمثل فإن الهواء المتحرك في اتجاه خط الاستواء, يجب أن ينحرف في اتجاه الغرب, ذلك في نصف الكرة الشمالي والعكس في نصف الكرة الجنوبي- ويؤدي ذلك إلى إمداد الرياح بقوة حول الأرض تتغير من مكان إلى مكان مع خطوط العرض ودرجة الحرارة والنتيجة هي دورة عامة للرياح حول الأرض (شكل 3) ذات ثلاثة أحزمة أو لفات كبيرة من الهواء, بين خط الاستواء والقطب, والأحزمة الأقرب إلى خط الاستواء لها رياح سطحية شرقية (رياح تجارية) أما الأحزمة الوسطى فلها رياح غربية (غربيات) وخلية القطب لها رياح شرقية.

    ويبين (شكل 4) توزيع الإشعاع الشمسي عند اتصاله مع الغلاف الجوي ونرى هنا أن الإشعاع الشمسي القادم يمتص جزئياً, ويتشتت أو ينعكس عن طريق الغلاف الجوي, كما يمتص أو يعكس بواسطة السحب, وما تبقى يمتصه سطح الأرض, ويطلق سطح الأرض الساخن, والغلاف الجوي المسخن معا, موجات طويلة من الأشعة تحت الحمراء, وبعض هذا الإشعاع يتسرب إلى الفضاء.

    وأخيـرًا فإن بعض الحرارة تخرج من سطح الأرض عن طريق الانتقال المباشر لها بالتوصيل وغير ذلك من الحرارة الكامنة في بخار الماء. وقد تتغير كثيـرًا ظروف التوازن العالمي (Globle) في الطاقة في مكان ما, تبعاً لتربة السطح وحالة الرطوبة, ووعورة السطح والسحب وعوامل أخرى, وهذه التغيرات ذات المدى المتوسط أو المحلي في خواص السطح, يمكن أن يكون لها آثار كبيرة على توزيع الرياح في المدى المتوسط أو المحلي في الطقس, ودرجات الحرارة النمطية على سطح الأرض صيفاً أو شتاء هي نتيجة لمتوسط أحوال الأرض, وكمية السحب فوق الأماكن المختلفة, ففي الصيف تسخن اليابسة بسرعة أكبر من المحيطات, وفي الشتاء تحتفظ المحيطات بالحرارة, فتكون أدفأ من اليابسة.

 وتظهر (شكل 5) الفروق المستديمة بين اليابس والمحيط في شهر يناير، وبسبب هذه الفروق الدائمة في الحرارة بين اليابس والمحيط تكون المحيطات مناطق للضغط المنخفض شتاء, بينما تكون الأرض مناطق للضغط الأقل في الصيف, وتنتج هذه التغيرات في الضغط لأن الهواء الساخن أخف كتلة نسبياً, بالمقارنة بالهواء البارد, وبما أن الهواء الساخن يرتفع فإن ضغطاً أقل يتواجد, وينجذب الهواء البارد إلى مناطق الهواء الساخن وتنشئ هذه الفروق في الضغط القوة المحركة الرئيسية للرياح على وجه الأرض, إذ ينساب الهواء من مناطق الضغط المرتفع إلى مناطق الضغط المنخفض, وتقاوم قوتان إضافيتان ميل الهواء للانسياب مباشرة من مناطق الضغط المرتفع إلى مناطق الضغط المنخفض, وهاتان القوتان هما قوة (كوريوليس) والاحتكاك, وقوة كوريوليس هي ببساطة: الاحتفاظ بالعزم الزاوي الذي ذكرنا من قبل مرتبطا مع (شكل 5) وتتطلب قوة كوريوليس أن تتعجل كتلة الهواء في اتجاه الشرق, إذا تحركت ناحية القطب, وأن تتعجل في اتجاه الغرب إذا تحركت ناحية خط الاستواء, ويلاحظ تأثير الاحتكاك بصفة عامة قرب سطح الأرض فقط, ودائما تتوازن قوى الضغط والكوريوليس والاحتكاك, ويكون الاحتكاك دائما في خط معاكس لاتجاه حركة الرياح الناتجة, ونتيجة توازن هذه القوى فإن حركة دورانية تنتشر (شكل 6) خارجة من مراكز الضغط المرتفع إلى المنخفضات (Divergen) أي انتشار والعكس حركة دورانية داخلة عند مراكز الضغط المنخفض وتسمى (Convergen) أي تجمع.

    ويقول القرآن الكريم في هذا المعنى: {والناشرات نشرا فالفارقات فرقًا} (سورة المرسلات آيتان 3, 4) وتبين هاتان الآيتان أن الرياح ستنتشر أولاً, ثم تتفرق(1) (شكل 6)  

    ومن الممكن أيضًا إذا كانت الرياح تحمل معها أي شيء مثل بخار الماء, أو التراب, فإن ذلك أيضًا سوف ينتشر ثم يتفرق (يتوزع) في نفس الوقت, وقد ذكر القرآن الكريم أن هناك توزيعًا تامًّا ومحكمًا للرياح, وذلك في قوله تعالى: { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون }سورة البقرة الآية 164 فهنا تصريف الرياح معطوف على كل من الآيات الكونية الكبيرة التي تخضع لنظام ثابت وبذلك تكون {تصريف الرياح} تعني المعنى الشامل التام لحركة الرياح وارتباطها بهذه الآيات, الليل والنهار والسحاب.

    وفي سورة الجاثية: { واختلاف الليل والنهار وما أنزل من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون }آية 5.

وتبين هاتان الآيتان ما يلي:

1- أن هناك توزيعًا تامًّا للرياح(2).

2- أن هناك قوانين تحكم حركة الرياح.

    وهذه الرياح لا يدركها الرجل العادي بسهولة, وفي الأزمنة الحديثة يعرفها الذين يتلقون تعليمًا خاصًّا, ولديهم إدراك أو تفكير متعمق.

الرياح على المستوى السينوبتكي (عملية الإرسال).

    تعد الرياح على المستوى السينوبتكي ظاهرة جوية ترتبط بالتفاعل بين الكتل الهوائية الخارجة من مراكز المرتفعات الجوية إلى المنخفضات, ويحصل الهواء في مراكز الضغط المنخفض والمرتفع على خواص تعتمد على خصائص سطح الأرض في هذه المناطق.. فمثلاً يكون الهواء دافئًا ورطبًا فوق المحيطات المدارية, ويكون حارًّا جافًّا فوق الصحارى, باردًا جافًا فوق المناطق القطبية, وتتداخل هذه الكتل الهوائية فيما بينها بسبب الرياح, وكنتيجة لهذه التداخلات والاختلافات في اتجاهات الرياح والحرارة في الكتل الهوائية المختلفة, تنشأ الأعاصير, وتتكون السحب, ويمر الإعصار في مراحل, فيبدأ كاضطراب تموجي, ثم يمر بمرحلة نضج, ثم مرحلة الالتحام.  

 (وشكل رقم 7) تمثيل لإعصار في مرحلة النضج, وتبدو سحب الركام المزن (Cb) التي كثيـرًا ما تتكون قرب الجبهة الباردة (الشكل الأسفل إلى اليسار) وسحب الطبقي المزن (Ns) التي كثيـرًا ما تتكون على الجبهة الساخنة (أسفل إلى اليمين) والجزء الأعلى للشكل يبين منطقة رفع واسع الانتشار, وسحب طبقي مزن من ناحية القطب من الإعصار, وكما يبين (شكل8) فإن تكون الإعصار يصاحبه اضطرابات في الهواء العلوي, وهذه الاضطرابات: عبارة عن ذبذبات تموجية في مجرى الهواء العلوي, عند تقدمه في اتجاه الشرق حول الأرض, ويتعرج التيار النفاث بطريقة تموجية, بحيث يخترق الهواء البارد من الشمال, في اتجاه خطوط العرض الجنوبية, والهواء الساخن من الجنوب, يخترق في اتجاه الشمال, وتحدث هذه الموجات بصفة عامة بالقرب من نشاط السطح الجبهي.  

وشكل حركة الرياح تبينه الآية التالية قال تعالى: {والمرسلات عرفًا} (سورة المرسلات: آية رقم 1), والكلمة: {عرفاً} المستعملة في الآية تعني: أن شكل الرياح تموجي(1), ويمكن أن يرى هذا الأثر الموجي على سطح البحر, وفي تموجات الرمال, أو في حركة موجية لعلم, والمعنى أيضًا يعطي الشكل الدائري, والشبيه بالمنجل في إعصار تام (شكل 7،6).  

    ويقول الله تعالى: { والمرسلات عرفاً . فالعاصفات عصفاً } المرسلات الآيتان 2،1), وروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبي صالح أن المرسلات والعاصفات والناشرات كلها تعني الرياح, وروى ابن مسعود أن المرسلات عرفا تعني أن الرياح تأتي متوالية كعرف الفرس في امتدادها وتتابعها أي أن الرياح تأتي على شكل تموجي, والعرف هو عرف الفرس أو عرف الديك أو عرف الضبع وإلى هنا وصل مفهوم المفسرين, وربط العرف بالرياح ولكن لو دققنا في لفظ العرف يمكن أن يأتي بمعنى (المكان العالي المتميز) وفي سورة الأعراف في قوله تعالى: {وعلى الأعراف رجال} والأعراف جمع عُرف أي على الأماكن المرتفعة المميزة رجال.   

      ولو جمعنا بين ما وصل إلينا اليوم من معلومات عن الرياح وتوزيعها وأن هناك تيارات من الرياح على ارتفاعات عالية جدا في الغلاف الجوي وأنها تلعب دورا هاما في إعادة اتزان الطاقة في الغلاف الجوي وذلك في عملية تكون السحب وحركتها, لظهر الآن معنى القسم الكريم: {والمرسلات عرفاً فالعاصفات عصفاً} أي أن القسم بالرياح العلوية المرسلة لما لها من أهمية يعلمها الله ثم أتبعت بالفاء التي تدل على التعاقب مباشرة أي يتلو هذه الرياح العليا (Jet Steram) الرياح العاصفات وهذه تكون على سطح الأرض (شكل 9) أي عندما تتكون هذه التيارات النفاثة العليا فإنها - إن شاء الله - ستتبع فورا بالعاصفات على سطح الأرض, وهذا يحدث فعلا إذا تكونت التيارات النفاثة وهي تكون مصاحبة عادة لالتقاء الكتل الهوائية الباردة والساخنة, وعندما تتكون السحب الركامية والتي بدورها تحدث خطًّا يسمى بخط العواصف وهذا الخط يعرف بـ (Squall line) ( شكل(12 أ)

 الرياح والسحاب:

    يقول الله تعالى: { وهو الذي يرسل الرياح بشـرًا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون} سورة الأعراف آية 57) تبين أن للرياح مركبة أفقية وهي تقوم بعملية سَوْق السحاب ومركبة رأسية وهي المسؤولة عن عملية الرفع للسحب وحملها والمعنى في قوله تعالى: { أقلت سحاباً } من الآية السابقة, وفي قوله تعالى:{ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون } (سورة الروم - آية 48).

     فالمركبة الرأسية للرياح هي المسؤولة عن إثارة السحاب وإظهاره حيث يبرد الهواء بالارتفاع وبذلك يتكثف بخار الماء غير المرئي فتتكون قطرات الماء فتظهر السحاب, أما المركبة الأفقية فهي المسؤولة عن البسط والانتشار, والمركبة الرأسية للرياح تنشأ عادة بسبب عدم الاستقرار في الكتل الهوائية أو ارتقاء الرياح للجبال الحملية للرياح متوازنة مع قوة وزن السحاب المتجهة إلى أسفل, {أقلت سحابًا ثقالاً} والنتيجة هي أن القوة الأفقية تصبح مؤثرة لتحريك السحاب جانبًا {سقناه لبلد ميت} (شكل 10)

 الرياح على المستوى المحلي:

    الرياح على المستوى المحلي: هي التي تكون على مدى يدخل في نطاق الإدراك البشري عامة, ويرتبط هذا المدى بالتضاريس المحلية, مثل الجبال والتلال, وشاطئ البحر.. إلخ.

    وترتبط هذه الرياح عامة بتأثيرات الحمل والموجات والاضطرابات. وتنتج الرياح الحملية من تسخين الهواء, بحيث يصبح أدفأ من الهواء المحيط به, ثم يصعد الهواء الساخن, ومع الارتفاع يتناقص ضغط الهواء ويبرد, فإذا صعد الهواء بقدر كاف فإن الرطوبة قد تتكثف وتتكون السحب, وإذا كان هناك قدرًا كافيا من الرطوبة وكانت درجات الحرارة في الهواء العلوي المحيط باردة بالقدر اللازم, فقد تتكون سحب حملية, ومثل هذه السحب يمكن أن تنتج رياحًا قوية في تدفقها, مثلما يحدث في هبات الجبهات والنكباء (Turnado), (شكل 9) ومثل هذه الرياح القوية المدمرة, هي تضافر للتيارات القوية, الخارجة من (أو الداخلة في) السحاب, بالإضافة إلى الاضطراب, وقد تكون نفحات(ريح نفوح: هبوب شديدة الدفع (المعجم الوسيط, ج2, ص 938) الجبهات كبيرة جدًّا, وتتوالد في مساحة بعيدة عن العاصفة الأم.

    ورياح نسيم البحر (شكل 10) هي رياح حملية ذات مدى كبير, وتنتج من فروق أفقية كبيرة المدى في درجة الحرارة, مثل تلك التي تحدث على الفواصل بين الأرض والبحر, فيسخن الهواء فوق الأرض ويرتفع, بينما ينساب الهواء الأبرد نسبيا من فوق البحر إلى داخل الأرض, ويحل محل الهواء الساخن المرتفع فوق الأرض فينتج دورة أفقية, ويمكن لهذه الدورة الأفقية أن تنتج خطوطًا من سحب الحمل على طول شاطئ البحر.

    وتعتبر الموسميات أكبر أنواع نسيم البر والبحر مدى, وتحدث عندما توجد دورة حملية كبيرة المدى, بين قارة كاملة ومحيط, وبدرجة كبيرة من التماثل مع نسيم البحر.  

    ودورة رياح الجبل والوادي, مثال آخر على الرياح التي تتولد من اختلافات حرارة سطح الأرض كما هو الحال بالنسبة لنسيم البحر (شكل 11).

    أما أعاصير الهاريكان, فهي عواصف حملية كبيرة جدًا, تحدث حينما يسخن سطح المحيط إلى الحد الذي يبدأ فيه تراكم كمية كبيرة من الهواء الساخن, ويتصاعد فتتكون مجموعة كبيرة من العواصف الحملية؛ على هيئة دورانية دوامية, وتنمو الدورة بسبب قوة كوريوليس (السابق شرحها).

    الشكل الموجي للرياح ينتج من رياح أفقية يعترضها بطريقة ما دفعات رأسية, وتنتج هذه الدفعات عامة من التضاريس أو تيارات الحمل, وأكثر أشكال السحب المتكونة إثارة للنظر ما يحدث قرب الجبال (شكل 11) حينما تدفع سلسلة من الجبال الهواء العابر فوقها بحركة رأسية, وكثيـرًا ما يكون مشهد هذه السحب جذابًا للغاية.

    ومن الممكن أيضًا أن تكون رياح موجة الجبل هذه مدمرة جدًّا, إذا كان ارتفاع قمتها عالية بدرجة كافية لجعل الموجة تصل إلى الأرض, وصادفتها ظروف حرارية مناسبة في الجو, والرياح الناتجة قد تكون قوية جدًّا, بدرجة تدمر المباني والمنشآت, حينما تصل سرعتها إلى أكثر من 100 ميل في الساعة.  

      وفي كل الأحوال التي توجد فيها رياح قوية, فإن هناك تسربا في القوة على هيئة دوامات اضطرابية, وفي بعض الحالات تظهر سحب موجية خاصة, يكون مظهرها شبيها تماما بالأمواج على سطح البحر, وتبدأ مثل هذه السحب بأسطح عليا ملساء, ثم تتحول إلى أشكال موجية مثل تلك المبينة, وتنتهي بأن تتكسر الأمواج وتصبح حركة اضطرابية غير منتظمة, ويمكن وصف الحركة الاضطرابية بأنها تفتت مجرى الرياح الكبيرة والقوية إلى رياح أصغر وأخف, ويميزها أنها رياح أكثر بعدًا عن الانتظام, وهناك ظاهرة جوية أخرى, تنتج رياحًا سطحية أعلى من المعتاد, وتسبب أيضًا عواصف ترابية, وهي أساس لعملية خلط كبرى, بين التروبوسفير والاسترانوسفير, وهذه الظاهرة هي طية التروبوسفير, وتحدث حينما يكون هناك تفاعل بين تيار نفاث مع تشكيل جبهي؛ لينتج هبوط شديد لهواء عالي السرعة من ارتفاعات عليا إلى السطح (شكل 12), وقد يكون الهواء الناتج ساخنًا جدًّا, وجافاً وسريع الحركة, مما قد تنتج عنه رياح سطحية شديدة, تدوم لفترة طويلة ويمكنها أن ترفع وتثير الرمال لمسافات بعيدة.

ويمكن أن ترفع الرياح - عندما تهب - مواد مثل التراب وبخار الماء في الهواء, وهذا هو تأثير القوة الصاعدة, ثم تقوم الرياح بنقل هذه المواد, من خلال قوى أفقية.

ويصف القرآن الكريم هذه الأحداث إذ يقول تعالى: { والذاريات ذروا فالحاملات وقراً} (سورة الذاريات: 1-2)

المراجع:

1- القرآن الكريم.

2- زاد المسير. ط. المكتب الإسلامي, بيروت.

3- جامع البيان. ط. دار الفكر, بيروت.

4- الجامع لأحكام القرآن. ط. دار إحياء التراث العربي, بيروت.

5- الفخر الرازي. ط. دار إحياء التراث العربي, بيروت.

6- فتح القدير للشوكاني. ط. دار المعرفة, بيروت.

7- ابن كثير. ط. دار الكتب العلمية, بيروت.

8- المعجم الوسيط. ط. دار إحياء التراث الإسلامي, قطر.

 BIBLIOGRAPHY

1 - Whipple, A.C and The Editors of Time Books, Storm. 1982, Time life books, Alexandria, VA.

2 - Halinter, G.J. and Aaltin, F.L, Dynmical and Physical Meteorolgy, 1957, Mcgraw-Hill co., New York.

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 3.36)
اعجاز وصف السحاب الطبقى
الإعجاز بالقرآن

إعجاز القرآن الكريم في وصف السحاب الطبقي

 

تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.orgونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة-----------------------

 

د. محمد عمراني حنش جامعة الملك عبد العزيز- جدة

 بيتر هيلد براند وج. برانت فوت المركز القومي

لأبحاث الغلاف الجوي- بولدر- كولورادو

 

 

 

    اعتبر العلماء الأوربيين في العصور الوسطى أن العالم الطبيعي مظهر للكائنات الروحية، وأن السحب كائنات مقدسة أو أرواح، بالرغم من أن الإغريق في أيام أرسطو كان لديهم بعض المعرفة العلمية عن أن المطر ينتج من البخار، ثم يتكثف البخار إلى ماء، ولم تعرف الأرصاد علمياً إلا في القرن السابع عشر تقريباص حينما أتيحت أجهزة تمكن من قياسات علمية لخواص الغلاف الجوي. أما الفهم العلمي للعمليات التي يترتب عيها تكون السحب الممطرة بما فيها السحاب الطبقي (المزن)، فلم تتم حتى القرن التاسع عشر والعشرين.

    والعمليات التي تؤدي إلى تكون السحاب الطبقي المزن تضم دورة الرطوبة وانتقالها، ورفع وتبريد الكتل الهوائية الرطبة ودور (نويّات) تكثف السحب في عمل قطرات السحاب، وتكون السحب الطبقية، وتكون الأمطار من قطرات السحب، واحتمال وجود سحب حمل مطورة.

دورة الماء:

    دورة الماء وصف لدوران الرطوبة بين الأرض والمحيطات والغلاف الجوي، وتمثل المحيطات المصدر الأساسي للرطوبة في الجو، وانتقال الرطوبة على المستوى العالمي والمستوى (السينوبتكي) إن اجتماع الدورة الهوائية العامة للرياح في الغلاف الجوي مع المحيطات مصدر الرطوبة ينتج مناطق من العالم يرجح سقوط المطر.

تكون قطرات السحب والمطر:

    يعد توفر (نويات) التكثف عنصراً إضافياً ضرورياً لتكون السحاب الطبقي المزن و(نويات) التكثيف. هي: جزيئات صغيرة تعد مواقع مفضلة للتكون الأولى لقطيرات السحب، ويكون لنوايات التكثف هذه جاذبية كيميائية للماء. مما يساعد على التكوين المبدئي لقطرات السحاب. وتماماً كما في نقل بخار الماء فإن الرياح تلعب دوراً مهماً في نقل هذه الجزيائات إلى أماكن تكون السحب..

 

    وتتضمن عملية تكون قطرات السحاب ثلاثة عناصر رئيسة:

1- اتحاد الرطوبة (بخار الماء).

2- نويات تكثف السحب.

3- قوى رفع واسعة الانتشار لتبريد الهواء.

    ويؤثر سطح أي جبهة ساخنة، وسلسلة في الرفع الرقيق للهواء لانتاج سحاب طبقي أو طبقي مزن.. ويكون الرفع في حالة السحب الطبقية عامة خفيفاً وواسع الانتشار، وغالباً ما يصاحب الجبهات الساخنة أو الجبال، فيرتفع الهواء ببطء وتتكون السحب مع تراكم الماء حول نويات تكثف السحب لتتشكل قطيرات السحاب، والأرجح أن تكون السحب الأصلية من نوع الطبقي المتوسط.

    وقد يتكون السحاب الطبقي المزن في حالة الرفع الجبهى، ويكون قريباً من الجبهة الساخنة ومن الممكن أن يكون مطموراً في السحاب الطبقي المزن سحاب من الركام المزن، ومع بدء المطر فإن السحب يجب أن تكون من السمك بالقدر الذي تتعذر معه رؤية قرص الشمس.

    وفي حالات وجود سحاب طبقي مزن لا تكون قاعدته بعيدة عن الراصد على سطح الأرض يمكن تسجيل أمطار متفرقة، ونتيجة لهذا تتعرج قاعدة السحابة أو تصبح ليفية المظهر.

    وفي الحالات التي تكون فيها قاعدة السحاب أكثر ارتفاعاً أو يوجد ضباب في قاعدتها فقد يكون لقاعدة السحاب مظهر رمادي منتظم بلا ملامح.

    والإظلام في قاعدة السحاب خلال المطر يعتمد على سمك السحابة وموضع قرص الشمس منها.

    وعند بدء المطر أو نهايته فقد تظهر السحابة على شكل طبقي متوسط وقد يظهر أحياناً بعض الهشيم عند بداية سقوط المطر أو نهايته.

    ويعزى ذلك في بداية المطر إلى السقوط المبدئي للمطر تحت قاعدة السحابة، أما الهشيم في نهاية الهطول:فقد يعزى إلى الهطول الأخير من مناطق منعزلة، وقد يتلو ذلك تفرق السحابة إلى أجزاء، إذ أن السحاب الطبقي المزن يتفرق إلى سحاب طبقي متوسط، أي إلى أجزاء متناثرة من السحاب الطبقي المتوسط.

    وجه الإعجاز:

ومنذ (1400) عام مضت، وصف القرآن الكريم الأنواع المختلفة للسحاب وعمليات تكونه.

    وفيما يختص بسحب الطبقي المزن التي يطلق عليها طبقي أو منبسط، يقول الله تعالى:{اللّهُ الّذِي يُرْسِلُ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} (سورة الروم آية: 48).

    وتشير هذه الآية الكريمة إلى ما يأتي:

1- أن الرياح تبخر الماء وتنشط تكون وظهور السحب (تثير: تعني تظهر وتنشط).

2- ينتشر هذا النوع من السحاب على هيئة طبقة من السماء.

 

المراجع العربية والأجنبية

1- القرآن الكريم.

2- إعجاز القرآن الكريم في وصف أنواع الرياح (من إصدارات الهيئة).

3- Whipple A.C.,and the Eeditors Of Time (1982) –Life Books, Storm, Time-Life Books, Alexandria,VA.

4- Haltiner, G.J.and Martin, F.L.(1975), Dyanmical and Physical Meteorololgy, , Mc Graw-Hill Co,New York, NY.

5- Palman, E.and Newton, C.W.(1969), Atmospheric Circulation System, , Academic Press, NewYork, Ny.

6- Ray, P.S., Ed., Mesoscale Meteorololgy and Forecatisting, American Meteorological Society, Boston, Mass.

7- Mason, B.J.(1971), Physics of Clouds, , Clarendon press, Oxford, U.K.

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 5)
اعجاز وصف السحاب الركامي
الإعجاز بالقرآنبسم الله الرحمن الرحيم

 {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} (43) سورة النــور

تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.orgونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة-----------------------

 الإعجاز القرآني في وصف السحاب الركامي

 الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني د. محمد أيمن عبد الله

 د. مصطفي محمد إبراهيم د. محمود عمراني حنش

د. أحمد عبد الله مكي السحب

    أنواع كثيرة، والقليل منها: هو الممطر، وقد صنف العلماء الأرصاد والسحب إلى أنواع متعددة. تعتمد على ارتفاع قاعدتها وسمكها، وطريقة تكوينها. وأحد أنواع هذه السحب: يسمى بالسحب الركامية, وهي الوحيدة التي قد تتطور بإذن الله لتصبح ما يسمى بالركام المزني (المطر). وهو النوع الوحيد الذي قد يصاحبه برد وبرق ورعد. ويتميز هذا النوع بسمك كبير. وقد يصل إلى أكثر من (15كم) ويشبه الجبال(1) كما في ( الشكل رقم:1). وبتطور علم الأرصاد الجوية.، واستخدام الأجهزة الحديثة، مثل أجهزة الاستشعار عن بعد، والطائرات والرادارات والأقمار الصناعية، وبمساعدة الحاسبات الإلكترونية استطاع علماء الأرصاد دراسة تفاصيل دقيقة عن مكونات السحب وتطورها، ومازال هناك الكثير أمام هذا الفرع من العلوم لاستكمال دراسته وفهمه. والسحاب الركامي الذي تصف الآية الكريمة تكوينه: هو ضمن ما درسه علماء الأرصاد واهتموا به من حيث: كيف يبدأ؟ كيف يتطور.. الظواهر الجوية المصاحبة له؟ وقد أجاب القرآن الكريم على كل هذه التساؤلات قبل 1400 عام بدقة مذهلة.

 نبذة تاريخية عن علم الأرصاد

 السحاب والمطر:

    تطورت الأرصاد الجوية إلى علم في القرن التاسع عشر بينما يرجع تاريخ اعتبارها فرعاً من فروع المعرفة إلى العصور الأولى لحضارات الإنسان ويمكن تقسيم تاريخ الأرصاد الجوية كما ذكر (فريز نجر) إلى ثلاث فترات أساسية على النحو الآتى:

     الفترة الأولى: (من سنة وفيها 600ق.م - 1600م) وهي ما تسمى بفترة التخمين فيها كانت أفكار الفيلسوف الاغريقى أرسطو علم الأرصاد هي السائدة في ذلك الحين.

     الفترة الثانية: (من سنة 1600م - 1800م) وهي الفترة التي يمكن تسميتها " فجر علم الأرصاد الجوية" وأهم ما يميزها: هو بداية اختراع وتطور أجهزة الأرصاد. وقد بدأت قياسات العناصر الجوية في هذه الفترة تأخذ طابع التناسق والاستمرارية، وقد وصفت في هذه الفترة أساسيات الأرصاد الجوية الحديثة التي ظهرت في القرنين السابع عشر،والثامن عشر.

     الفترة الثالثة: بدأت مع بداية القرن التاسع عشر، وفيها أصبحت الأرصاد الجوية علماً من العلوم التطبيقية ومنذ ذلك الحين شاركت العلوم الأخرى كالرياضيات والفيزياء والكيمياء في دراسة وفهم طبيعة الغلاف الجوى.

    وهكذا ظهرت الأرصاد الجوية وتطورت في الحضارات الأولى العظيمة في أفريقيا (قدماء المصريين ) وأسيا (البابليون) وجنوب وسط أسيا (الهندوس والتتار) وشرق أسيا (هوانج هو ويانجتز) ولكن معظم معلوماتنا ترجع إلى قدماء المصريين والبابلين. ففي مصر (3500ق.م ) أخذت الأرصاد الجوية الطابع الدينى فقد اعتقد قدماء المصريين أن الظواهر الجوية المختلفة تخضع للآلهة. بينما ربط البابليون (3000-300 ق. م) بين الظواهر الجوية وعلم الفلك بما عرف في ذلك الحين بالأرصاد الفلكية. وبالرغم من أن أول رصد للظواهر الجوية كان بواسطة اليونان القدماء (600ق.م) إلا انه لا يوجد دليل يدل على أنهم فهموا عملية تكوين السحب حتى بعد أن ظهر مؤلف (أرسطو) (300ق.م) تحت عنوان (الأرصاد الجوية) والذي كان يمثل كل ما عرف في ذلك الحين عن الأرصاد الجوية. وفيه يصف الغلاف الجوى بأنه "المنطقة المشتركة للنار والهواء" وأن الشمس هي العامل الرئيسي والأول لتكون السحب لأن عمليتي التبخر والتكاثف هما نتيجة قرب أو بعد الشمس عن الأرض وهذا يسبب تكون أو تبدد السحب.. وتعتمد نظريته على أنه لا يمكن أن تتكون السحب في علو يزيد عن قمة أكثر الجبال ارتفاعاً، لأن الهواء بعد قمة الجبل تحتوى ناراً نتيجة حركة الشمس الجغرافية. ولا تتكون السحب قريباً من سطح الأرض بسبب الحرارة المنعكسة من الأرض.

 المفاهيم القديمة عن البرد والرعد والبرق:

     شاهد الناس منذ القدم ظواهر البرد والرعد والبرق وبالرغم من اختلاف ردود فعلهم ودوافعهم في التعامل معها، فإنهم أجمعوا على عبادتها وتقديم القرابين بين يديها، إما فرقاً من هالة المشهد الذي تكون هذه الظواهر مسرحاً له، وإما خوفاً مما تحمله أو تنذر به. فحضارة الرافدين وسوريا وحضارة الصين والهند، وكذا حضارة الأغريق، كلها تشهد بذلك.

    ففي حضارة الرافدين والشرق الأوسط على العموم تبين كتب التاريخ وبعض الآثار المنقوشة على الحجر أنهم كانوا يرمزون إلى الرعد بشارات إما على صورة مخاريق برقية أو حزم من الصواعق تقذف بها الآلهة. أما العصر الحثى (الحثيون: شعب فتح آسيا الصغرى وسوريا في الألف الثانية قبل الميلاد) في شمال سوريا فتميز بأن معبود الطقس كان الإله الرئيس ومعبود الكل، رعية وملوكا. أما الحضارة الصينية فتكونت لديها أسطورة أكثر تعقيداً إذ ظهر بها ما يسمى بمجلس وزراء أرباب العواصف الرعدية ومساعديهم من النبلاء فكان يرأس المجلس المكون من خمسة آلهة وإلهة - إلهة الرعد "لى تسو" كما يظنون، أما الربة "تين ميو" إله البرق فكانت تتميز عن الآخرين بحملها مرآتين لتوجيه الشرارات المحرقة، بينما الرعد باعتباره صوتاً فكان من اختصاص النبيل الكونت "لى كونج" قارع الطبول، وهكذا كانوا يتوهمون !!

     واختصت الهند من بين التراث الأسطوري للشعوب بأن ظهر فيها مفهوم ما يسمى "بالضجرا" (الحجر باللغة السانسكريتية) أو الحجر الساقط من السماء. ففي العقد الأخير من الفترة المهيانية أطلق على بوذا اسم "فاجرا ستفا" أي: (الكائن الحامل للصواعق) تجسيداً للحقيقة المطلقة. وهناك صورة أخرى لبوذا تحمل اسم " فاجر ادهارا " أي صاحب الرعد " ويجسدونه بتمثال معبود في جلسة تأملية خاصة، ماسكاً بحجر ( صاعقه ) بيده اليمنى أمام صدره، وبجرس في يده اليسرى على فخذه وهكذا تفشت الأوهام. أما التفكير التأملي في هذه الظواهر باعتبارها ظواهر طبيعيه فكان منشؤه عند الأغريق على الأرجح ما بين القرنين العاشر والتاسع قبل الهجرة حيث لمعت أسماء " أنا جزجوراس " و " امبيدو كليس " و" كليديموس " وغيرهم مناظرين في هذه المسائل. واشتهر من بينهم " أرسطو " بتأليفه لكتاب جامع جمع فيه أقوال علماء زمانه ومن قبلهم، وسماه " علم الأرصاد " وهو المشهور بكتابه الثاني من بين مؤلفاته.

 خلاصة المفاهيم القديمة:   

ويمكن لنا تلخيص المفاهيم والرموز التي كانت سائده في حضارات البشر قبل البعثه المحمدية فيما يلى:-

 1-الرعد:

- سوط ( حضارة الرافدين)

 - احزمه صواعق ( حضارة الرافدين)

- قرع طبول (الصين)

 - حجر ساقط ( الهند ) -ريح ( أرسطو: اليونان)

- أزيز النار المنطفئة (امبيدوكليس واناجزا جوراس: اليونان)

 - ضرب السحاب) ( كليديموس: اليونان) - جرس ( الهند).

 2- البرق:

 - مخاريق (حضارة الرافدين)

  - مرايا محرقه ( الصين)

 - التهاب الريح ( أرسطو: اليونان)

 -وميض نار ( امبيدوكليس وأناجزا جوراس: اليونان )

 - تلآلؤ الماء ( كليديموس اليونان)

  الحقبة الإسلامية:  يقول (ابن خلدون): ( إن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، لغلبة الأمية والبداوة عليهم، وإذا ما استشرفوا إلى معرفة شئ مما تتشوق إليه النفس البشرية، في أسباب المكونات، وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فأنهم يسألون عنه أهل الكتاب، إلى أن جاء الإسلام فبدؤا يحتاطون لما له تعلق بالأحكام الشرعية فيتحرون فيه الصحة ولا يبالون بغيره ). وانطلاقا من هذا الكلام قمنا باستخراج الأحاديث والآثار والأخبار التي لها تعلق بتفسير ظواهر البرق والرعد، والبرد والصواعق، وخرجنا أحاديثها فتوفر لنا منها ما ينوف على 60 وجها وما يربو على 166 طريقا، وتعقبناها بالبحث في أسانيدها، حسب القواعد العلمية، وخرجنا بالنتائج التالية:

 1- لم نحصل على حديث صحيح مرفوع إلى رسول الله صلى الله في هذا الشأن.

 2- أكثر الأخبار الواردة في تفسير هذه الظواهر وردت موقوفة على أصحابها.

 3- استطاع أصحاب الحديث بتتبعهم للرجال جرحاً وتعديلاً، وبدراستهم لعلل الروايات أن يمحصوا كل ما نسب خطأ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقيت الأخبار المستفادة من التوراة والإنجيل أو أقوال الاقدمين موقوفه على أصحابها ممن دخلوا في الإسلام.

 4- وقفنا على حديث واحد (لأبى هريرة) وكعب الأخبار موقوفا عليهما رضي الله عنهما، ولم ينسباه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن البرق هو: اصطفاق البرد " ( تفسير الدر المنثور: الرعد: 13) أي: اضطراب البرد، وقد جاء في لسان العرب ( الريح تصفق الأشجار فتصطفق. أي تضطرب ) وكما في حديث أبى هريرة رضى الله عنه " إذا اصطفق الآفاق بالبياض " أي: اضطرب وانتشر الضوء واصطفاق المزاهر: إذا أجابت بعضها بعضا، واصطفق القوم: تقاربوا ( النهاية في غريب الحديث3/38، ولسان العرب ). وهذا المعنى أقرب ما يكون إلى صريح الآية: ( الم تر أن الله يزجى سحابا ثم يؤلف بينه ). الرابطة بين البرق والبرد وإلى ما يعرفه العلم الحديث.

     وسواء أكان الحديث من كلام (كعب) أخذه عن (أبى هريرة) رضى الله عنه أو العكس، فهذا المعنى غير مسبوق مما يؤكد أصله الإسلامي لوروده في الآية الكريمة.

     السحاب الركامى في علم الأرصاد:

  أ- بداية التكوين:

 (ألم تر أن الله يزجى سحابا) السحاب الركامى يبدأ بأن تسوق الرياح قطعاً من السحب الصغيرة إلى مناطق تجميع يؤدى سوق قطع السحاب لزيادة كمية بخار الماء في مسارها - وخاصة أول منطقة التجمع - وهذا السوق ضروري لتطور السحب الركامية في مناطق التجمع كما في ( شكل 2 ) ففي هذا الشكل نرى أن المناطق B,C,D تمثل مناطق تجمع ويستدل على ذلك من حركة الرياح التي تبين في الشكل بالأسهم، ويظهر منها تجميع للهواء في هذه المناطق، بينما المنطقة (A) تمثل منطقة تفرق، حيث نجد أن الهواء لا يتجه إليها.

   ب- تطور السحب الركامية:

1-التجميع: (ثم يؤلف بينه):  من المعلوم أن سرعة السحب تكون أبطأ من سرعة الرياح المسيرة لها، وكلما كبر حجم السحابة كانت سرعتها أبطأ، وذلك بسبب تأثير قوى الإعاقة (Drag-Force) كذلك تقل سرعة الرياح عامة كلما اتجهنا إلى مناطق التجمع كما في (شكل 2) وعلى ذلك يؤدى العاملان السابق ذكرهما إلى أن قطع السحب تقترب من بعضها، ثم تتلاحم، وبالتالي نلاحظ تكاثف السحب كلما اقتربنا من مناطق التجميع  ( شكل 3) وقد لخص " أنش Anthes" وآخرون  العمليات السابقة في ( شكل 4) حيث يظهر الشكل عمليات السوق والتجمع.

 

 

2-الركم: ( ثم يجعله ركاما): إذا التحمت سحابتان أو أكثر فإن تيار الهواء الصاعد داخل السحابة يزداد بصفة عامة، ويؤدى ذلك إلى جلب مزيد من بخار الماء، من أسفل قاعدة السحابة، والذي بدوره يزيد من الطاقة الكامنة للتكثف والتي تعمل على زيادة سرعة التيار الهوائي الصاعد دافعاً بمكونات السحابة إلى ارتفاعات أعلي، وتكون هذه التيارات أقوى ما يمكن في وسط السحابة، وتقل على الأطراف مما يؤدى إلى ركم هذه المكونات على جانبي السحابة، فتظهر كالنافورة أو البركان الثائر، الذي تتراكم حممه على الجوانب وقد أثبتت الشواهد   أن التحام السحب (Cloud - merger) يؤدى إلى زيادة كبيرة في الركم وبالتالي إلى زيادة سمك السحاب وأن تجمعاً من الدرجة الأولى(First - order merger) يؤدى إلى عشرة أضعاف المطر المنتظر وتجميعاً من الدرجة الثانية(Scond- order merger) يؤدى إلى مائة ضعف من كمية الأمطار المتوقعة بدون أي تجميع للسحب.

     وإجمالاً فإن تجميع قطع السحب يؤدى إلى زيادة ركمه وبالتالي إلى زيادة سمكه التي تدل على قوة هذا السحاب من ناحية أمطاره ورعده وبرقه بل نجد أن السحاب الذي نحن بصدده يسمى سحاباً ركامياً لأن عملية الركم في هذا النوع أساسية وتفرقة عن باقي أنواع السحاب. ومن المعلوم أن عملية سوق السحاب قد تستغرق بضع ساعات، بينما تستغرق عمليتا التجميع والركم أقل من ذلك (حوالي ساعة أو أقل).

     ومن المعلوم أيضاً أن من السحب الركامية ما يسمى بالركامى الساخن (ذو سمك صغير نسبياً) وأقل درجة حرارة داخل هذا السحاب أعلى من درجة التجمد. وهو بذلك السمك الصغير نسبياً أقرب شبهاً بالتلال لا الجبال وحرارته لا تسمح بتكون البرد وهذا النوع تتكون الأمطار فيه من قطرات الماء فقط، وليس به رعد وبرق.

     وهناك سحاب ركامي يصل إلى ارتفاعات شاهقة ويشتمل على قطرات ماء في القاعدة، وخليط من ماء شديد البرودة وحبات برد في الوسط، أما القمة فتسودها بللورات الثلج وهذا السحاب هو الذي تكون زخاته من الماء أو البرد أو كليهما ويحدث به برق ورعد وهو السحاب الركامى المزنى الذي يكون في شكل الجبال.

 الظواهر الجوية المصاحبة: الهطول (زخات من المطر أو البرد أو كليهما):

    تتحرك السحب الركامية إلى ما شاء الله لها وعامل الركم والبناء مستمر طالما كانت تيارات الهواء الصاعدة قادرة على حمل مكونات السحاب من قطرات ماء، أو حبات برد وعندما تصبح الرياح الرأسية غير قادرة على حمل هذه المكونات تتوقف عملية الركم وتبدأ مكونات السحاب في الهبوط مباشرة إلى أسفل كمطر من ماء أو برد أو كليهما، وذلك حسب مكونات السحاب وتوزيع درجات الحرارة والرطوبة أسقل السحاب ويتكون البرد داخل السحاب بين درجتي حرارة: أقل من الصفر وحتى (40ْ-م).

    وفي هذه المنطقة تكون هناك قطرات من ماء شديد البرودة (أقل من الصفر المئوي) وذلك لعدم كفاية نويات التثلج وهذه القطرات غير مستقرة بمعنى أنها تتجمد فور اصطدامها بأي جسم آخر. وفي حالة وجود تيار هوائي شديد صاعد داخل السحاب الركامى المزني ونتيجة اختلاف سرعات القطرات شديدة البردة تحدث تصادمات ينتج عنها تحول قطرات الماء شديدة البرودة إلى ثلج، يغطى حبات البرد، فتكبر وتستمر في الكبر حتى يثقل وزنها ولا يستطيع التيار الرأسي حملها فتهبط برداً وقد شوهدت حبات برد يصل حجمها إلى حجم البرتقالة وهذا يعنى: أنه في مثل هذه الحالات التي تكون فيها حبات البرد كبيرة (شكل 5 ب) فإن هذه السحب تحمل في طياتها دماراً عاما، خاصة الزراعة.

     ومن المعلوم كذلك أن نزول المطر من قاعدة السحاب ( شكل6أ) يكون على شكل زخات خلال جزء من قاعدة السحاب ( شكل 6ب) في بداية الهطول حيث يسود في نـهاية حياة السحاب في نهاية الهطول ثم زخات من معظم قاعدة السحاب تيار هابط.

الرؤية العلمية الحديثة لتكون البرق بواسطة التفريغ الحاصل من اصطفاق البرد:

 أولاً:الظواهر المخبرية:

 أ- ظاهرة (وركمان – رينولدذ):  أكتشف (رينولدذ)و(وركمان) أن الماء أثناء تجمده مع محلول ملحى مائى يولد فرق جهد كهربائى خلال السطح الفاصل بين الثلج والسائل وينعدم بانتهاء التجمد واقترحا أن يكون هذا أساساً لتولد الشحن داخل السحب وبالتالي تولد البرق.

 ب- ظاهرة (دينجر- جون)  لاحظ (دينجر) و(جون) أن الثلج أثناء ذوبانه تتولد عنه شحنات كهربائية ومكن هذا (دريك) من اكتشاف أنه إذا ما علقت بلورة ثلجية في سلك وأرسل عليها تيار غازي معلوم السرعة والحرارة والرطوبة لإذابتها فإن الغاز عند نهاية مروره على البلورة لا يحمل شحناً إلا إذا بدأت البلورة في الذوبان وهناك دليل ميداني قد اكتشفه (تشالمنز)  يؤكد أن التيار الكهربائي الجوى ينساب في اتجاه معاكس بالنسبة للمطر والثلج أثناء سقوطهما.

جـ- الظاهرة الديناميكية الحرارية للثلج إذا تلامست قطعتان من الثلج تختلفان في درجة الحرارة فإن قوة دافعة كهربائية تتولد بالتأثير الحراري وقد اكتشف (لاتهام ستو) بأن الشحن يمكن أن ينتقل من بلورة إلى أخرى بالتصادم وكذا إذا انزلقت قطعة ثلجية على أخرى مختلفة عنها في الحرارة. وأن وجود فقاقيع هوائية منحبسة في الثلج يؤثر في إشارة الشحن سلباً وإيجابا.

د- التكهرب الناشئ عن تصادم أو تكسر بللورات الثلج أو تصادم الماء الشديد البرودة مع البرد اكتشف (بيرس وكنييه) أن تسليط تيار هوائي على قطعة ثلج تتطاير منه - أثناء تآكله - قطع وشظايا تحمل شحنات سالبة، بينما يحمل الهواء شحنات موجبة، لاحظ (لاتهام وماسون) بأن هناك تولداً للشحن أثناء تصادم وتجمد قطرات الماء الشديدة البرودة مع سطح ثلجى وأثناء تكون " الضريب" وهو (البرد - الجليد - الثلج - الصقيع )- كما في معاجم اللغة مما سبق يتبين أن الثلج أو البرد يولد شحنات كهربائية أثناء تحوله من حال إلى حال إما بالتصادم أو الملامسة أو الانكسار أي كلما طرأ عليه طارئ غير من شكله، أو حجمه، أو حرارته أو حالته.

 ثانياُ الشواهد الميدانية:

    وجد (Kiehbid) وآخرون بأن مصدر الشحنات السالبة للتفريغات المتتالية من السحاب إلى الأرض يوجد على ارتفاعات محصورة ما بين سطحين متاخمين درجة حرارتهما (-15ْو25ْ) وتتطابق مع منطقة وجود أمطار أو ثلوج بين هذين المستويين ( أنظر شكل رقم 7) ومن هنا يظهر أنه رغم اختلاف أنواع السحب الركامية جغرافيا أو فصلياً فإن حيز الحرارة الذي توجد بداخله مراكز الشحن السالبة ثابت لا يختلف. ويقرر (لاتهام)  أن هذه المشاهدة متفقة تماماً مع الظواهر المخبرية وبالتالي فإن باستطاعة البرد أن يولد مجالاً كهربائياً انهيارياً في الفترة الزمنية المطلوبة مع أمطار معتدلة إذا وصل تركيز بلورات الثلج في منطقة الشحن إلى 10 بلورات في اللتر الواحد. وبما أن مركز الشحن يقع في الحيز المحصور ما بين (-15ْو 25ْ) فأنه من الواضح إن عدد نويات التجمد الطبيعية غير كاف لتوليد البلورات الثلجية بالتركيز المطلوب، ولا شك أن هناك عاملاً ثانوياً وإن لم نقف عليه بعد لازدياد عدد البلورات.

 

 شكل 7: رسم توضيحي يبين مستويات وتوزيع وتفريغ الشحنات الكهربائية من السحاب الركامي في ظروف مناخية مختلفة.

الخلاصة: وهكذا فإن الظواهر المخبرية والمشاهدات الميدانية قد أقامت الدليل على أن البرد قد يكون سبباً في تولد البرق وهذا ما قرره القرآن الكريم قبل 1400عام.

 الطرح القرآني لعملية تكون السحاب الركامى:

 المعاني اللغوية والتفسيرية: فيما سبق تم إيضاح نشأة وتطور السحاب الركامى وكذا الظواهر الجوية المصاحبة لذلك. والآن نرجع إلى النص القرآني في وصف السحاب الركامى ومن المهم قبل ذلك أن نتعرف على معاني الألفاظ القرآنية لفهم النص كما جاء في معاجم اللغة وكتب التفاسير:

    1-ألم تر أن الله يزجى سحاباً إسلامي: جاء في معجم مقاييس اللغة مادة (زجى) والريح تزجى السحاب: تسوقه سوقاً رفيقاً وبمثله قال ابن منظور في لسان العرب وقال الجوهري (زجيت الشيء تزجية إذا دفعته برفق) وهذا ما فهمه المفسرون من الآية. فقد قال ابن كثير: يذكر تعالى أنه يسوق السحب بقدرته أول ما ينشئها وهي ضعيفة وهو الإزجاء:وقال أبو السعود: ( غلإز جاء: سوق الشيئ برفق وسهولة )، وقال أبو حيان: (ومعنى يزجى يسوق قليلاً ويستعمل في سوق الثقيل برفق ) وقال الشوكانى:(الإزجاء: السوق قليلاً المعنى انه يسوق السحاب سوقاً رفيقاً) وهذا الذي ذكره المفسرون هو نفسه الذي قرره علماء الأرصاد في الخطوة الأولى من تكوين السحاب الركامى كما بينا سابقاً تحت عنوان: كيف يبدأ كون السحاب الركامى.

     2- (ثم يؤلف بينه): يبين علماء اللغة أن التأليف: هو الجمع مع الترتيب والملائمة قال الاصفهانى في غريب القرآن: (والإلف اجتماع مع التئام... والمؤلف ما جمع من أجزاء مختلفة ورتب ترتيباً قدم فيه ما حقه أن يقدم وأخر فيه ما حقه أن يؤخر) وقال ابن فارس في المقاييس:(الهمزة واللام والفاء أصل واحد يدل على انضمام الشيء إلى الشيء والأشياء الكثيرة أيضاً ) ومن المفسرين قال القرطبى:(أى يجمعه عند انتشائه ليقوى ويتصل ويكثف) وقال الزمخشرى:(ومعنى تأليف الواحد أنه يكون قزعاً فيضم بعضه إلى بعض وجاز "بينه" وهو واحد لأن المعنى بين أجزائه ) وقال ابن الجوزى:(أى يضم بعضه إلى بعض فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة والسحاب لفظه لفظ الواحد ومعناه الجمع). وقال الطبرى:(وتأليف الله السحاب: جمعه بين متفرقها) وهذا اللفظ الذي استعمل في كتاب الله للدلالة على المرحلة الثانية في نظام تكوين السحاب الركامى يندرج تحته هذا المعنى العلمي الذي شاهده علماء الأرصاد. ففي هذه المرحلة تتألف السحب المتعددة لتكون سحاباً واحداً وبلغ التأليف بين السحب أن أصبحت كياناً واحداً. ويحدث كذلك تأليف بين أجزاء السحاب الواحد. كما أشار إلى ذلك الزمخشرى أخذاً من معنى اللفظ القرآني. ولكي تتم هذه الخطوة: وهي الانتقال من مرحلة الإزجاء لقطع السحب إلى مرحلة التأليف يحتاج الأمر إلى وقت ولذلك نرى أن الحرف الذي استعمل في القرآن للدلالة على هذه العملية هو حرف العطف "ثم" الذي يدل على الترتيب مع التراخى في الزمن (ثم يؤلف بينه).

    3- ثم يجعله ركاماً) الركم في اللغة: (يأتى بمعنى إلقاء الشيء بعضه فوق بعض كما قال ابن فارس وقال ابن منظور الركم: جمعك شيئا فوق شئ حتى تجعله ركاماً مركوماً كركام الرمل والسحاب ونحو ذلك من الشيء المرتكم بعضه على بعض) وقال الأصفهاني: (والركام ما يلقى بعضه على بعض ) وقال الجوهرى: ( ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعض) ومن المفسرين قال الطبرى: ( يعنى متراكماً بعضه على بعض) وقال بن كثير: (أي يركب بعضه بعضاً) وبمثلهما قال القرطبى، والزمخشرى وأبو السعود وابن الجوزى والشوكانى والبيضاوى والخازن والنسفي. وهذه المرحلة الثالثة من مراحل تكوين السحاب الركامى المذكور في الآية الكريمة تقابل ما ذكرناه آنفاً تحت عنوان: ركم السحاب. وبيناً فيه أن عامل ركم السحاب الذي يكون بالنمو الرأسي لنفس السحابة، هو العامل الرئيسي في هذه المرحلة، وأن الانتقال إليه من المرحلة السابقة يحتاج كذلك إلى زمن لذلك كان استعمال حرف العطف الدال على الترتيب مع التراخي في الزمن. وهو حرف العطف (ثم).

  4- (فترى الودق يخرج من خلاله) الودق: هو المطر عند جمهور المفسرين كما قال الشوكانى والقرطبى. خلاله: في هذا اللفظ قراءة أخرى، قال ابن جوزى:(وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد والضحاك من خلله). وبين المفسرون معنى "من خلاله" فقالوا: من فتوقه ومخارجه وقال بهذا التفسير الزمخشرى وأبو حيان والشوكانى والبيضاوى وأبو السعود والنسفي. وقال القرطبى:(وخلال جمع خلل مثل: جبال وجبل وهي فرجه ومخارج القطر منه) وقال ابن كثير:( يخرج من خلاله: أي من خلله كما هي القراءة الثانية. وهذا الذي أشارت إليه الآية الكريمة هو ما قرره علماء الأرصاد من مراحل لنزول المطر في السحاب الركامى. فهذه المرحلة تعقب المرحلة السابقة وهي مرحلة الركم وبعد أن يضعف الرفع في السحاب أو ينعدم وهو الذي كان يسبب الركم ينزل على الفور المطر وبضعف عملية الرفع إلى اعلى أو انعدامها تتكون مناطق ضعيفة في السحاب لا تقوى على حمل قطرات المطر إلى اعلى بسبب ثقلها فتخرج من مناطق الخلل أو الضعف في جسم السحابة.

 5- (وينزل من السماء من جبال فيها من برد): قال أبو السعود: (وينزل من السماء) من الغمام فإن كل ما علاك سماء (من جبال فيها) أي: من قطع عظام تشبه الجبال في العظم، كائنة فيها (من برد) مفعول ينزل على أن (من) تبعيضية والأوليان لابتداء الغاية على أن الثانية بدل اشتمال من الأولى بإعادة الجار أي ينزل مبتدئاً من السماء من جبال فيها بعض برد وقال من السماء من جبال فيها بعض برد، وقال الشوكانى بمثل ما قال أبو السعود وقال البيضاوى بمثل ما قال أبو السعود أيضاً، إلا انه اعتبر (من) الثالثة بيانية فقال: (من برد بيان للجبال والمفعول محذوف أي ينزل مبتدئاً من السماء من جبال فيها من برد برداً ) وقال ابن الجوزى:(وينزل من السماء) مفعول الإنزال محذوف تقديره: وينزل من السماء من جبال فيها من برد برداً، فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه و"من" الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الانزال من السماء والثانية للتبعيض لأن الذي ينزله الله بعض تلك الجبال والثالثة لتبيين الجنس لأن جنس تلك الجبال جنس البرد). وهذا الذي فهمه هؤلاء المفسرون الذين نقلنا أقوالهم في بيان تفسير الآية هو ما كشف عنه العلم فلابد أن يكون السحاب في شكل جبلى يسمح بتكوين الثلج في المناطق العليا منه ويسمح بتكوين الماء الشديد البرودة الذي سيتحول إلى مزرعة للبرد عندما يشاء الله في المنطقة الوسطى من السحابة وإن البرد يتكون عندما تمكث نواة ثلجية لفترة زمنية كافية وتحتوى على ماء شديد البرودة (ماء درجة حرارته تحت الصفر حتى درجة -40ْم) وتحت هذه الظروف المواتية فإن البرد ينمو بتعدد اصطدامه مع قطرات الماء الشديد البرودة والتي تتجمد بمجرد ملامسته فلابد ان يكون في تلك السحابة شئ من برد (فيها من برد) ويكون المعنى والله اعلم وينزل من السماء برداً من جبال فيها شئ من برد والجبال هي: السحب الركامية التي تشبه الجبال وفيها شئ من برد وهي: تلك البذور الأولى للبرد.

  6- (فيصيب به من يشاء ويصرفه عن ما يشاء): هذه الفقرة من الآية الكريمة تقرر أن نزول البرد مكاناً وزماناً مرهون بمشيئة الله سبحانه وتعالى ومع معرفتنا بأن الأمر متعلق بمشيئة الله التي لا نعلمها إلا إن الله قد جعل لكل شئ قدراً، فوقت نزول المطر بيده ونزول البرد بيده سبحانه ولكن ذلك كله يجرى وفق سنن محكمة.

7- (يكاد سناً برقه يذهب بالأبصار): يبين الله تعالى أن للبرد برقاً شديد اللمعان فالضمير في برقه يرجع إلى أقرب مذكور وهو البرد وسنا البرق: شدة بريقه وضوئه يذهب بالأبصار أي خطفه إياها من شدة الإضاءة فنسب البرق إلى البرد في كتاب الله. وقد بينا فيما سبق أن البرد يقوم بتوزيع الشحنات الكهربائية في جسم السحابة أثناء صعوده وهبوطه ثم يقوم بالتوصيل بين الشحنات الكهربائية المختلفة فيحدث تفريغاً هائلاً.

     وهكذا فإنك إذا تأملت في الآية ستراها ترتب مراحل تكوين السحاب الركامي خطوة خطوة مشيرة إلى التدرج الزمني. وتتجلى أوجه الإعجاز المتعددة في هذه الآية الكريمة إذا طرحنا بين أيدينا هذه التساؤلات: - من أخبر محمداً بأن أول خطوة في تكوين السحاب الركامي تكون بدفع الهواء للسحاب قليلا قليلاً؟ {يزجى سحابا}!! وهذا أمر لم يعرفه العلماء إلا بعد دراسة حركة الهواء عند كل طور من أطوار نمو السحاب - ومن بين له أن الخطوة الثانية هي التأليف بين قطع السحب {ثم يؤلف بينه} ومن أخبره بهذا الترتيب؟ - ومن بين له أن ذلك يستغرق فترة زمنية حتى يعبر عنه بلفظ {ثم}. - ومن أخبره محمداً أن عامل الركم للسحاب الواحد هو العامل المؤثر بعد عملية التأليف؟ - ومن أخبره أن هذا الركم يكون لنفس السحاب، وأن ذلك الانتقال من حالة التأليف يستغرق بعض الوقت {ثم يجعله ركاماً}؟ هذه المسائل لا يعرفها إلا من درس أجزاء السحاب ورصد حركة تيارات الهواء بداخله فهل كان يملك الرسول الأجهزة والبالونات والطائرات!

    وكذلك من الذي أخبر محمدا بأن عملية الركم (الناتجة عن عملية الرفع) إذا توقفت أعقبها نزول المطر مباشرة ؟ وهو أمر لا يعرف إلا بدراسة ما يجرى داخل السحاب من تيارات وقطرات مائية وهذا لا يقدر عليه إلا من امتلك الأجهزة والقياسات التي يحقق بها ذلك، فهل كان لمحمد مثل هذه القدرة وتلك الأجهزة؟ – ومن الذي أخبر محمداً أن في السحاب مناطق خلل وهي التي ينزل منها المطر؟ وهذا أمر لا يعرفه إلا من أحاط علما بدقائق تركيب السحاب المسخر بين السماء والأرض، ويحركه الهواء داخل السحاب. - ومن أخبر محمداً بأن الشكل الجبلي وصف للسحاب الذي ينزل منه البرد؟ فهل أحصى الرسول كل أنواع السحاب حتى تبين له هذا الوصف الذي لابد منه لتكوين البرد؟ - ومن أنباه عن نويات البرد التي لابد منها في السحاب الركامى لكي يتكون البرد {وينزل من السماء من جبال فيها من برد}إن هذا السر لا يعرفه إلا من تمكن من مراقبة مراحل تكوين البرد داخل السحاب - ومن الذي أنباه بأن للبرد برقاً وأن البرد هو السبب في حصوله ؟ وأنه يكون أشد أنواع البرق ضوءا ؟ إن ذلك لا يعرفه إلا من درس الشحنات الكهربائية داخل السحاب واختلاف توزيعها ودور البرد في ذلك. ولشدة خفاء هذا الأمر فقد نسب المفسرون البرق إلى السحاب - وإن كان السحاب يشتمل على البرد في كلام المفسرين - ولم نجد من نسب هذا البرق إلى البرد، مع أنه المعنى الظاهر لقوله تعالى {وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار}. من أخبر محمداً بكل هذه الأسرار منذ أربعة عشر قرنا ؟ وهو النبي الأمي في الأمة الأمية التي لم يكن يتوفر لديها شئ من الوسائل العلمية الحديثة. لا أحد إلا الله الذي نزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً.

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 4.62)
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ
الإعجاز بالقرآن

تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.orgونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة-----------------------

الدكتور‏:زغـلول النجـار

المدلول اللغوي لهاتين الآيتين الكريمتين‏:‏ أقسم قسما مؤكدا بالخنس الجوار الكنس‏,‏ والسؤال الذي يتبادر إلي الذهن هو‏:‏ ما هي هذه الخنس الجوار الكنس التي أقسم بها ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ هذا القسم المؤكد‏,‏ وهو‏(‏ تعالي‏)‏ غني عن القسم؟ وقبل الإجابة علي هذا التساؤل لابد لنا‏:‏

أولا‏:‏ من التأكيد علي حقيقة قرآنية مهمة مؤداها أن الآية أو الآيات القرآنية التي تتنزل بصيغة القسم تأتي بمثل هذه الصياغة المؤكدة من قبيل تنبيهنا إلي عظمة الأمر المقسوم به‏,‏ وإلي أهميته في انتظام حركة الكون‏,‏ أو في استقامة حركة الحياة أو فيهما معا‏,‏ وذلك لأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ غني عن القسم لعباده‏.

ثانيا‏:‏ أن القسم في القرآن الكريم بعدد من الأمور المتتابعة لا يستلزم بالضرورة ترابطها‏,‏ كما هو وارد في سورة التكوير‏,‏ وفي العديد غيرها من سور القرآن الكريم من مثل سور الذاريات‏,‏ الطور‏,‏ القيامة‏,‏ الانشقاق‏,‏ البروج‏,‏ الفجر‏,‏ البلد‏,‏ الشمس‏,‏ والعاديات‏,‏ ومن هنا كانت ضرورة التنبيه علي عدم لزوم الربط بين القسم الأول في سورة التكوير‏:‏ فلا أقسم بالخنس‏*‏ الجوار الكنس والقسم الذي يليه في الآيتين التاليتين مباشرة حيث يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ والليل إذا عسعس‏*‏ والصبح إذا تنفس‏*‏ ‏(‏ التكوير‏:18,17)‏

وهو ما فعله غالبية المفسرين للأسف الشديد‏,‏ فانصرفوا عن الفهم الصحيح لمدلول هاتين الآيتين الكريمتين‏.

ثالثا‏:‏ تشهد الأمور الكونية المقسوم بها في القرآن الكريم للخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بطلاقة القدرة‏,‏ وكمال الصنعة‏,‏ وتمام الحكمة‏,‏ وشمول العلم‏,‏ ومن هنا فلابد لنا من إعادة النظر في مدلولاتها كلما اتسعت دائرة المعرفة الانسانية بالكون ومكوناته‏,‏ وبالسنن الإلهية الحاكمة له حتي يتحقق وصف المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ للقرآن الكريم بأنه‏:‏ لا تنتهي عجائبه‏,‏ ولا يخلق علي كثرة الرد‏,‏ وحتي يتحقق لنا جانب من أبرز جوانب الإعجاز في كتاب الله وهو ورود الآية أو الآيات في كلمات محدودة يري فيها أهل كل عصر معني معينا‏,‏ وتظل هذه المعاني تتسع باتساع دائرة المعرفة الإنسانية في تكامل لا يعرف التضاد‏,‏ وليس هذا لغير كلام الله‏.‏

رابعا‏:‏ بعد القسم بكل من الخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس يأتي جواب القسم‏:‏ إنه لقول رسول كريم‏(‏ التكوير‏:19)‏

ومعني جواب القسم أن هذا القرآن الكريم ـ ومنه الآيات الواردة في مطلع سورة التكوير واصفة لأهوال القيامة‏,‏ وما سوف يصاحبها من الأحداث والانقلابات الكونية التي تفضي إلي إفناء الخلق‏,‏ وتدمير الكون‏,‏ ثم إعادة الخلق من جديد ـ هو كلام الله الخالق الموحي به إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بواسطة ملك من ملائكة السماء المقربين‏,‏ عزيز علي الله‏(‏ تعالي‏),‏ وهذا الملك المبلغ عن الله الخالق هو جبريل الأمين‏(‏ عليه السلام‏),‏ ونسبة القول إليه هو باعتبار قيامه بالتبليغ إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏).‏ خامسا‏:‏ إن هذا القسم القرآني العظيم جاء في سياق التأكيد علي حقيقة الوحي الإلهي الخاتم الذي نزل إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه أجمعين وعلي من تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏),‏ والذي جاء للناس كافة لينقلهم من ظلمات الكفر والشرك والضلال إلي نور التوحيد الخالص لله الخالق بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏,‏ ومن فوضي وحشية الإنسان إلي ضوابط الايمان وارتقائها بكل ملكات الإنسان إلي مقام التكريم الذي كرمه به الله‏,‏ ومن جور الأديان إلي عدل الرحمن‏,‏ كما جاء هذا القسم المؤكد بشيء من صفات الملك الذي حمل هذا الوحي إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وعلي شيء من صفات هذا النبي الخاتم الذي تلقي الوحي من ربه‏,‏ وحمله بأمانة إلي قومه‏,‏ رغم معاندتهم له‏,‏ وتشككهم فيه‏,‏ وادعائهم الكاذب عليه‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ تارة بالجنون‏(‏ وهو المشهود له منهم برجاحة العقل وعظيم الخلق‏),‏ وأخري بأن شيطانا يتنزل عليه بما يقول‏(‏ وهو المعروف بينهم بالصادق الأمين‏),‏ وذلك انطلاقا من خيالهم المريض الذي صور لهم أن لكل شاعر شيطانا يأتيه بالنظم الفريد‏,‏ وأن لكل كاهن شيطانا يأتيه بالغيب البعيد‏.‏ وقد تلقي رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ كل ذلك الكفر والجحود والاضطهاد بصبر وجلد واحتساب حتي كتب الله تعالي له الغلبة والنصر فأدي الأمانة‏,‏ وبلغ الرسالة‏,‏ ونصح البشرية‏,‏ وجاهد في سبيل الله حتي أتاه اليقين‏.‏

وتختتم سورة التكوير بالتأكيد علي أن القرآن الكريم هو ذكر للعالمين وأن جحود بعض الناس له‏,‏ وصدهم عنه‏,‏ وإيمان البعض الآخر به وتمسكهم بهديه هي قضية شاء الله تعالي أن يتركها لاختيار الناس وفقا لارادة كل منهم‏,‏ مع الايمان بأن هذه الإرادة الانسانية لا تخرج عن مشيئة الله الخالق الذي فطر الناس علي حب الايمان به‏,‏ ومن عليهم بتنزل هدايته علي فترة من الرسل الذين تكاملت رسالاتهم في هذا الوحي الخاتم الذي نزل به جبريل الأمين علي قلب النبي والرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ وأنه علي الرغم من كل ذلك فإن أحدا من الناس ـ مهما أوتي من أسباب الذكاء والفطنة ـ لا يقدر علي تحقيق الاستقامة علي منهج الله تعالي إلا بتوفيق من الله‏.‏ وهذه دعوة صريحة إلي الناس كافة ليطلبوا الهداية من رب العالمين في كل وقت وفي كل حين‏.‏ والقسم بالأشياء الواردة بالسورة هو للتأكيد علي أهميتها لاستقامة أمور الكون وانتظام الحياة فيه‏,‏ وعلي عظيم دلالاتها علي طلاقة القدرة الإلهية التي أبدعتها وصرفت أحوالها وحركاتها بهذه الدقة المبهرة والاحكام العظيم‏.‏

الخنس الجوار الكنس في اللغة العربية:

 جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس‏(‏ المتوفي سنة‏395‏ هـ‏),‏ تحقيق عبدالسلام هارون‏(‏ الجزء الخامس‏,‏ الطبعة الثانية‏1972‏ م‏,‏ ص‏141,‏ ص‏223)‏ وفي غيره من معاجم اللغة تعريف لغوي للفظي الخنس والكنس يحسن الاستهداء به في فهم مدلول الخنس الجوار الكنس كما جاءا في آيتي سورة التكوير علي النحو التالي‏:‏

أولا‏:‏ الخنس‏:‏

خنس‏:‏ الخاء والنون والسين أصل واحد يدل علي استخفاء وتستر‏,‏ قالوا‏:‏ الخنس الذهاب في خفيه‏,‏ يقال خنست عنه‏,‏ وأخنست عنه حقه‏.‏ والخنس‏:‏ النجوم تخنس في المغيب‏,‏ وقال قوم‏:‏ سميت بذلك لأنها تخفي نهارا وتطلع ليلا‏,‏ والخناس في صفة الشيطان‏,‏ لأنه يخنس إذا ذكر الله تعالي‏,‏ ومن هذا الباب الخنس في الأنف انحطاط القصبة‏,‏ والبقر كلها خنس‏.‏

ومعني ذلك أن الخنس جمع خانس أي مختف عن البصر‏,‏ والفعل خنس بمعني استخفي وتستر‏,‏ يقال خنس الظبي إذا اختفي وتستر عن أعين المراقبين‏.‏ والخنوس يأتي أيضا بمعني التأخر‏,‏ كما يأتي بمعني الانقباض والاستخفاء‏.‏ وخنس بفلان وتخنس به أي غاب به‏,‏ وأخنسه أي خلفه ومضي عنه‏.‏

ثانيا‏:‏ الجوار‏:‏ أي الجارية‏.(‏ في أفلاكها‏)‏ وهي جمع جارية‏,‏ من الجري وهو المر السريع‏.‏

ثالثا‏:‏ الكنس‏:‏ ‏(‏ كنس‏)‏ الكاف والنون والسين تشكل أصلين صحيحين‏,‏ أحدهما يدل علي سفر شئ عن وجه شئ وهو كشفه والأصل الآخر يدل علي استخفاء‏,‏ فالأول كنس البيت‏,‏ وهو سفر التراب عن وجه أرضه‏,‏ والمكنسه آلة الكنس‏,‏ والكناسة مايكنس‏.‏ والأصل الآخر‏:‏ الكناس‏:‏ بيت الظبي‏,‏ والكانس‏:‏ الظبي يدخل كناسه‏,‏ والكنس‏:‏ الكواكب تكنس في بروجها كما تدخل الظباء في كناسها‏,‏ قال أبو عبيدة‏:‏ تكنس في المغيب‏.‏

وقيل الكنس جمع كانس‏(‏ أي قائم بالكنس‏)‏ أو مختف من كنس الظبي أي دخل كناسه وهو بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر‏,‏ وسمي كذلك لأنه يكنس الرمل حتي يصل إليه‏.‏ وعندي أن الكنس هي صيغة منتهي الجموع للفظة كانس أي قائم بعملية الكنس‏,‏ وجمعها كانسون‏,‏ أو للفظة كناس وجمعها كناسون‏,‏ والكانس والكناس هو الذي يقوم بعملية الكنس‏(‏ أي سفر شيء عن وجه شيء آخر‏,‏ وإزالته‏),‏ لأنه لا يعقل أن يكون المعني المقصود في الآية الكريمة للفظة الكنس هي المنزوية المختفية وقد استوفي هذا المعني باللفظ الخنس‏,‏ ولكن أخذ اللفظتين بنفس المعني دفع بجمهور المفسرين إلي القول بأن من معاني فلا أقسم بالخنس‏*‏ الجوار الكنس‏*:‏ أقسم قسما مؤكدا بالنجوم المضيئة التي تختفي بالنهار وتظهر بالليل وهو معني الخنس‏,‏ والتي تجري في أفلاكها لتختفي وتستتر وقت غروبها كما تستتر الظباء في كناسها‏(‏ أي مغاراتها‏)‏ وهو معني الجوار الكنس‏,‏ قال القرطبي‏:‏ هي النجوم تخنس بالنهار‏,‏ وتظهر بالليل‏,‏ وتكنس وقت غروبها أي تستتر كما تكنس الظباء في المغار وهو الكناس‏,‏ وقال مخلوف‏:‏ أقسم الله تعالي بالنجوم التي تخنس بالنهار أي يغيب ضوؤها فيه عن الأبصار مع كونها فوق الأفق‏,‏ وتظهر بالليل‏,‏ وتكنس أي تستتر وقت غروبها أي نزولها تحت الأفق كما تكنس الظباء في كنسها‏..‏ وقال بعض المتأخرين من المفسرين‏:‏ هي الكواكب التي تخنس أي ترجع في دورتها الفلكية‏,‏ وتجري في أفلاكها وتختفي‏.‏

ومع جواز هذه المعاني كلها إلا أني أري الوصف في هاتين الآيتين الكريمتين‏:‏ فلا أقسم بالخنس‏*‏ الجوار الكنس‏*.‏ ينطبق انطباقا كاملا مع حقيقة كونية مبهرة تمثل مرحلة خطيرة من مراحل حياة النجوم يسميها علماء الفلك اليوم باسم الثقوب السود ‏(Black Holes).‏ وهذه الحقيقة لم تكتشف إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وورودها في القرآن الكريم الذي أنزل قبل ألف وأربعمائة سنة بهذه التعبيرات العلمية الدقيقة علي نبي أمي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏,‏ هي شهادة صدق علي أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته‏,‏ وعلي أن سيدنا محمدا بن عبدالله كان موصولا بالوحي‏,‏ معلما من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ وأنه‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ما كان ينطق عن الهوي‏,‏ إن هو إلا وحي يوحي‏.‏

الخنس الجوار الكنس في نظر بعض الفلكيين المسلمين المعاصرين:

 يري بعض الفلكيين المسلمين المعاصرين في الوصف القرآني‏:‏ الخنس الجواري الكنس أنه وصف للمذنبات ‏(Comets),‏ وهي أجرام سماوية ضئيلة الكتلة‏(‏ لا تكاد تصل كتلتها إلي واحد من المليون من كتلة الأرض‏)‏ ولكنها مستطيلة بذنبها إلي ما قد يصل إلي‏150‏ مليون كيلو متر مما يجعلها أكبر أجرام المجموعة الشمسية‏,‏ حيث تتحرك في مدارات حول الشمس‏,‏ بيضاوية تقع الشمس في أحد طرفيها ونحن نراها كلما اقتربت من الشمس‏,‏ وهذه المدارات لا تتبع قوانين الجاذبية بدقة‏,‏ وتتميز بشئ من اللامركزية‏,‏ وبميل أكبر علي مستوي مدار الأرض‏,‏ مما يجعل المذنبات تظهر وتختفي بصورة دورية علي فترات تطول وتقصر‏.‏ والمذنبات تتكون أساسا من خليط من الثلج والغبار‏,‏ وللمذنب رأس وذنب‏,‏ وللرأس نواة يبلغ قطرها عدة كيلو مترات قليلة عبارة عن كرة من الثلج والغبار تحيط بها هالة من الغازات والغبار‏,‏ وتحيط بالهالة سحابة من غاز الإيدروجين قد يصل قطرها إلي مليون كيلو متر‏.‏ والغبار المكون للمذنبات شبيه في تركيبه الكيميائي والمعدني بتركيب بعض النيازك‏,‏ وأما الثلج فهو خليط من ثلج كل من الماء‏,‏ وثاني أكسيد الكربون‏,‏ والأمونيا‏,‏ والميثين‏.‏

وبالتفاعل مع كل من أشعة الشمس والرياح الشمسية يندفع من رأس المذنب ذيل من الغازات والأبخرة والغبار قد يصل طوله إلي‏150‏ مليون كيلو متر‏,‏ ومن هنا كانت التسمية بالمذنبات‏,‏ وللكثير من المذنبات ذيلان أحدهما ترابي ويبدو أصفر اللون في أشعة الشمس‏,‏ والآخر مكون من غازات متأينة في حالة البلازما‏(‏ أليكترونات وأيونات‏)‏ ويبدو أزرق اللون في أشعة الشمس‏,‏ والذنب الغازي يندفع بفعل الرياح الشمسية في خط مستقيم خلف رأس المذنب بينما ينعقف منثني الذنب الترابي بلطف خلف رأس المذنب إلي أعلي‏,‏ وهذان الذنبان قد يتواجدان معا أو يتواجد أحدهما في المذنب الواحد‏,‏ في عكس اتجاه أشعة الشمس بانحراف قليل نظرا لدوران نواة رأس المذنب‏(‏ التي تتراوح كتلتها بين مائة مليون‏,‏ وعشرة مليون مليون طن‏)‏ وللمذنب مجال مغناطيسي ثابت علي طوله‏.‏ ووجه الشبه الذي استند إليه هذا النفر من الفلكيين المسلمين المعاصرين بين المذنبات والوصف القرآني الخنس الجواري الكنس هو أن المذنب يقضي فترة تتراوح بين عدة أيام وعدة شهور مجاورا للشمس في زيارة خاطفة‏,‏ فيظهر لنا بوضوح وجلاء ولكنه يقضي معظم فترة دورانه بعيدا عن الشمس فيختفي عنا تماما ويستتر‏,‏ فإذا ما اقترب من الشمس ظهر لنا وبان‏,‏ ولكن سرعان ما يقفل راجعا حتي يختفي تماما عن الأنظار‏,‏ واعتبروا ذلك هو الخنوس‏,‏ ولكن الوصف القرآني بالخنس يعني الاختفاء الكامل‏,‏ ولا يعني الظهور ثم الاختفاء‏.‏ ‏(The Missing Mass in the universe)‏

ما هي الثقوب السود ؟‏:‏

 يعرف الثقب الاسود بأنه أحد أجرام السماء التي تتميز بكثافتها الفائقة وجاذبيتها الشديدة بحيث لا يمكن للمادة ولا لمختلف صور الطاقة ومنها الضوء أن تفلت من اسرها‏,‏ ويحد الثقب الاسود سطحا يعرف باسم أفق الحدث ‏(The Event Horizon),‏ وكل ما يسقط داخل هذا الأفق لا يمكنه الخروج منه‏,‏ أو إرسال أية إشارة عبر حدوده‏.‏ وقد أفادت الحسابات النظرية في الثلث الاول من القرن العشرين إلي إمكانية وجود مثل هذه الأجرام السماوية ذات الكثافات الفائقة والجاذبية الشديدة‏[‏ كارل شفارز تشايلد‏1916‏ م‏,‏ روبرت أوبنهاير ‏1934(Karl schwars child,1916 Robert oppenheimer,1934)‏ إلا أنها لم تكتشف إلا في سنة‏1971,‏ بعد اكتشاف النجوم النيوترونية بأربع سنوات ففي خريف سنة‏1967‏ م أعلن الفلكيان البريطانيان توني هيويش ‏(Tony Hewish)‏ وجوسلين بل ‏(Jocelyn Bell)‏ عن اكتشافهما لأجرام سماوية صغيرة الحجم‏(‏ بأقطار في حدود‏16‏ كيلو متر‏)‏ تدور حول محورها بسرعات مذهلة بحيث تتم دورتها في فترة زمنية تتراوح بين عدد قليل من الثواني إلي اجزاء لاتكاد تدرك من الثانية الواحدة وتصدر موجات راديوية منتظمة أكدت أن تلك الأجرام هي نجوم نيوترونية ‏(Neutron Stars)‏ ذات كثافة فائقة تبلغ بليون طن للسنتيمتر المكعب‏.‏

وفي سنة‏1971‏ م اكتشف علماء الفلك أن بعض النجوم العادية تصدر وابلا من الاشعة السينية‏,‏ ولم يجدوا تفسيرا علميا لذلك إلا وقوعها تحت تأثير أجرام سماوية غير مرئية ذات كثافات خارقة للعادة‏,‏ ومجالات جاذبية عالية الشدة‏,‏ وذلك لأن النجوم العادية ليس في مقدورها إصدار الأشعة السينية من ذاتها‏,‏ وقد سميت تلك النجوم الخفية باسم الثقوب السود ‏(Black Holes),‏ وقد سميت بالثقوب لقدرتها الفائقة علي ابتلاع كل ما تمر به أو يدخل في نطاق جاذبيتها من مختلف صور المادة والطاقة من مثل الغبار الكوني والغازات والاجرام السماوية المختلفة‏,‏ ووصفت بالسواد لأنها معتمة تماما لعدم قدرة الضوء علي الإفلات من مجال جاذبيتها علي الرغم من سرعته الفائقة المقدرة بحوالي الثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية‏(299792,458‏ كم‏/‏ ث‏)‏ وقد اعتبرت الثقوب السود مرحلة الشيخوخة في حياة النجوم وهي المرحلة التي قد تسبق انفجارها وعودة مادتها الي دخان السدم دون ان يستطيع العلماء حتي هذه اللحظة معرفة كيفية حدوث ذلك‏.‏

كيف تتكون الثقوب السود؟

 تعتبر الثقوب السود كما ذكرنا من قبل مرحلة الشيخوخة في حياة النجوم‏,‏ ولكي نفهم كيفية تكونها لابد لنا من معرفة المراحل السابقة في حياة تلك النجوم‏.‏ والنجوم هي أجرام سماوية غازية التركيب في غالبيتها‏,‏ شديدة الحرارة‏,‏ ملتهبة‏,‏ مضيئة بذاتها‏,‏ يغلب علي تركيبها غاز الايدروجين الذي يكون أكثر من‏74%‏ من مادة الكون المنظور‏,‏ والذي تتحد ذراته مع بعضها البعض في داخل النجوم بعملية تعرف باسم الاندماج النووي ‏(Nuclear Fusion)‏ مطلقة الطاقة الهائلة ومكونة عناصر أعلي في وزنها الذري من الأيدورجين‏(‏ أخف العناصر المعروفة لنا علي الإطلاق وأبسطها من ناحية البناء الذري ولذلك يوضع في الخانة رقم واحد في الجدول الدوري للعناصر التي يعرف منها اليوم‏105‏ عنصرا‏)‏و والنجوم تتخلق ابتداء من الغبار‏(‏ الدخان‏)‏ الكوني الذي يكون السدم‏,‏ وينتشر في فسحة السماء ليملأها وتتكون النجوم في داخل السدم بفعل دوامات عاتية تؤدي الي تجاذب المادة تثاقليا وتكثفها علي ذاتها حتي تتجمع الكتلة اللازمة لتخليق النجم‏,‏ وتبدأ عملية الاندماج النووي فيه‏,‏ وتنطلق منه الطاقة وينبعث الضوء‏,‏ وبعد الميلاد تمر النجوم بمراحل متتابعة من الطفولة فالشباب فالشيخوخة والهرم علي هيئة ثقب أسود يعتقد ان مصيره النهائي هو الانفجار والتحول الي الدخان مرة أخري‏,‏ وإن كنا لا ندري حتي هذه اللحظة كيفية حدوث ذلك‏,‏ ومن المراحل المعروفة لنا في دورة حياة النجوم ما يعرف باسم نجوم النسق العادي ‏(Main Sequence Stars)‏ والعمالقة الحمر ‏(Red Giants),‏ والأقزام البيض‏ (White Dwarfs),‏ والأقزام السود ‏(Black Dwarfs)‏ والنجوم النيوترونية ‏(Neutron Stars),‏ والثقوب السود ‏(Black Holes)‏

فعندما تبدأ كمية الإيدروجين بداخل النجم في التناقص نتيجة لعملية الاندماج النووي‏,‏ وتبدأ كمية الهيليوم الناتجة عن تلك العملية في التزايد تبدأ طاقة النجم في الاضمحلال تدريجيا وترتفع درجة حرارة قلب النجم إلي عشرة ملايين درجة كلفن‏(‏ الصفر المئوي يساوي‏273‏ درجة كلفن‏)‏ مؤديا بذلك إلي بدء دورة جديدة من عملية الاندماج النووي وإلي انبعاث المزيد من الطاقة التي تؤدي الي مضاعفة حجم النجم الي مئات الأضعاف فيطلق عليه اسم العملاق الاحمر ‏(Red Giant),‏ وبتوالي عملية الاندماج النووي يأخذ النجم في استهلاك طاقته دون إمكانية انتاج المزيد منها مما يؤدي الي تقلصه في الحجم وانهياره اما الي قزم أبيض ‏(White Dwarf)‏ أو إلي نجم نيوتروني ‏(Neutron Star)‏ أو الي ثقب أسود ‏(Black Hole)‏ حسب كتلته الأصلية التي بدأ تواجده بها‏.‏ فإذا كانت الكتلة الابتدائية للنجم أقل من كتلة الشمس فإن الإليكترونات في مادة النجم تقاوم عملية تقلصه ابتداء ثم تنهار هذه المقاومة ويبدأ النجم في التقلص حتي يصل الي حجم أقل قليلا من حجم الارض‏,‏ متحولا إلي قزم أبيض‏,‏ وهذه المرحلة من مراحل حياة النجوم قد تتعرض لعدد من الانفجارات النووية الهائلة والتي تنتج عن تزايد الضغط في داخل النجم‏,‏ وتسمي هذه المرحلة باسم النجوم الجديدة أو النجوم المستجدة ‏(Novae)‏ فإذا زاد تراكم الضغط في داخل القزم الابيض فإنه ينفجر انفجارا كاملا محدثا نورا في السماء يقارب نور بليون شمس كشمسنا‏,‏ وتسمي هذه المرحلة باسم النجم المستعر الأعظم ‏(Supernova)‏ يفني علي إثرها القزم الابيض وتتحول مادته الي دخان‏,‏ وتحدث هذه الظاهرة مرة واحدة في كل قرن من الزمان لكل مجرة تقريبا‏,‏ ولكن مع الأعداد الهائلة للمجرات في الجزء المدرك لنا من الكون فإن هذه الظاهرة تحدث في الكون المدرك مرة كل ثانية تقريبا‏.‏

أما إذا كانت الكتلة الابتدائية للنجم أكبر من كتلة الشمس فإنه ينهار عند استهلاك طاقته متحولا الي نجم نيوتروني وفيه تتحد البروتونات والأليكترونات منتجة النيوترونات‏,‏ وهذا النجم النيوتروني ينبض في حدود ثلاثين نبضة في الثانية الواحدة ومن هنا يعرف باسم النجم النابض ‏(Pulsating Star‏ أو النابض ‏(Pulsar).‏

وهناك من النجوم النيوترونية ما هو غير نابض ‏(Non-Pulsating Neutron Star)‏ وقد يستمر هذا النجم النيوتروني في الانهيار حتي يصل الي مرحلة الثقب الأسود إذا كانت كتلته الابتدائية تسمح بذلك فإذا كانت الكتلة الابتدائية للنجم تزيد علي كتلة الشمس بمرة ونصف المرة تقريبا‏(1,4‏ قدر كتلة الشمس‏)‏ ولكنها تقل عن خمسة أضعاف كتلة الشمس فإن عملية التقلص تنتهي به إلي نجم نيوتروني لا يزيد قطره علي عشرة كيلو مترات تقريبا‏,‏ ويسمي بهذا الاسم لأن الذي يقوم بعملية مقاومة التقلص التثاقلي ‏(Gravitational Contraction)‏ فيه هي النيوترونات لأن الإليكترونات في داخل كتلة النجم تعجز عن ذلك‏.‏

أما إذا زادت الكتلة الابتدائية للنجم علي خمسة أضعاف كتلة الشمس فلا يتمكن أي من الإليكترونات أو النيوترونات من مقاومة عملية التقلص التثاقلي للنجم فتستمرحتي يصل النجم إلي مرحلة الثقب الأسود‏,‏ وهذه المرحلة لا يمكن إدراكها بصورة مباشرة‏,‏ ولكن يمكن تحديد مواقعها بعدد من الملاحظات غير المباشرة من مثل صدور موجات شديدة من الأشعة السينية من الأجرام الواقعة تحت تأثيرها‏,‏ واختفاء كل الأجرام السماوية بمجرد الاقتراب من مجال جاذبيتها‏.‏ ومع إدراكنا لانتهاء حياة النجوم بالانفجار علي هيئة نجم مستعر أو نجم مستعر أعظم‏,‏ أو بفقدانه للطبقات الخارجية منه وتحوله إلي مادة عظيمة الكثافة شديدة الجاذبية مثل النجوم النيوترونية أو الثقوب السود‏,‏ إلا أن طبيعة تلك الثقوب السود وطريقة فنائها تبقي معضلة كبري أمام كل من علماء الفلك والطبيعة الفلكية‏,‏ فحسب قوانين الفيزياء التقليدية لا يستطيع الثقب الأسود فقد أي قدر من كتلته مهما تضاءل‏,‏ ولكن حسب قوانين فيزياء الكم فإنه يتمكن من الإشعاع وفقدان كل من الطاقة والكتلة وهي سنة الله الحاكمة في جميع خلقه‏,‏ ولكن تبقي كيفية تبخر مادة الثقب الأسود بغير جواب‏,‏ وتبقي كتلته‏,‏ وحجمه‏,‏ وكثافته‏,‏ وطبيعة كل من المادة والطاقة فيه‏,‏ وشدة حركته الزاوية‏,‏ وشحناته الكهربية والمغناطيسية من الأسرار التي يكافح العلماء إلي يومنا هذا من أجل استجلائها‏.‏

فسبحان الذي خلق النجوم وقدر لها مراحل حياتها‏...‏ وسبحان الذي أوصلها إلي مرحلة الثقب الأسود‏,‏ وجعله من أسرارالكون المبهرة‏...‏ وسبحان الذي أقسم بتلك النجوم المستترة‏,‏ الحالكة السواد‏,‏ الغارقة بالظلمة‏...‏ وجعل لها من الظواهر مايعين الإنسان علي إدراك وجودها علي الرغم من تسترها واختفائها‏,‏ وسبحان الذي مكنها من كنس مادة السماء وابتلاعها وتكديسها‏,‏ ثم وصفها لنا من قبل أن نكتشفها بقرون متطاولة بهذا الوصف القرآني المعجز فقال‏(‏ عز من قائل‏)‏ فلا أقسم بالخنس‏*‏ الجوار الكنس‏.‏

ولا أجد وصفا لتلك المرحلة من حياة النجوم المعروفة باسم الثقوب السود أبلغ من وصف الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ لها بالخنس الكنس فهي خانسة أي دائمة الاختفاء والاستتار بذاتها‏,‏ وهي كانسة لصفحة السماء‏,‏ تبتلع كل ما تمربه من المادة المنتشرة بين النجوم‏,‏ وكل ما يدخل في نطاق جاذبيتها من أجرام السماء‏,‏ وهي جارية في أفلاكها المحددة لها‏,‏ فهي خنس جوار كنس وهو تعبير أبلغ بكثيرمن تعبير الثقوب السود الذي اشتهر وذاع بين المشتغلين بعلم الفلك‏..‏ ومن أصدق من الله قيلا ‏(‏النساء‏:122)‏

ومن العجيب أن العلماء الغربيين يسمون هذه الثقوب السود تسمية مجازية عجيبة حين يسمونها بالمكانس العملاقة التي تبتلع‏(‏ أو تشفط‏)‏ كل شيء يقترب منها إلي داخلها‏: (Giant Vac***** Cleanersthat Suckineverythinginsight)‏ وتبقي الثقوب السود صورة مصغرة للجرم الأول الذي تجمعت فيه مادة الكون ثم انفجر ليتحول إلي سحابة من الدخان‏,‏ وأن من هذا الدخان خلقت السموات والأرض‏,‏ وتتكرر العملية اليوم أمام أنظار المراقبين من الفلكيين حيث تتخلق النجوم الابتدائية من تركز المادة في داخــل السـدم عبر دوامات تركيز المادة ‏(Accretionwhirls)‏ أو ‏(Accretion Vertigos)‏ ومنها تتكون النجوم الرئيسية ‏(Main Sequeence Stars)‏ والتي قد تنفجر حسب كتلتها إلي عمالقة حمر ‏(Red Giants)‏ أو نجوم مستعرة ‏(Novae)‏ أو فوق مستعرة ‏(Supernovae),‏ وقد يؤدي انفجار العمالقة الحمر إلي تكون سدم كوكبية ‏(Planetary Nebulae)‏ والتي تنتهي إلي تكون الأقزام البيض ‏(White Dwarfs)‏ والتي تستمر في التبرد حتي تنتهي إلي مايعرف باسم الأقزام السود ‏Black Dwarfs)‏ وهي من النجوم المنكدرة‏,‏ كما قد يؤدي انفجار فوق المستعرات الي تكون نجوم نيوترونية نابضة أو غير نابضة ‏(Non-Pulsating or Pulsating Neutron Stars or Pulsars)‏ أو ثقوب سود ‏(Black Holes)‏ حسب كتلتها الابتدائية‏,‏ وقد تفقد الثقوب السود كتلتها إلي دخان السماء عن طريق تبخر تلك المادة علي هيئة أشباه النجوم المرسلة لموجات راديوية عبر مراحل متوسطة عديدة

ثم تتفكك هذه لتعود مرة أخري إلي دخان السماء مباشرة أو عبر هيئة كهيئة السدم حتي تشهد لله الخالق بالقدرة الفائقة علي أنه وحده الذي يبدأ الخلق ثم يعيده‏,‏ وأنه وحده علي كل شيء قدير‏.‏ ومن المبهر حقا أن يشهد علماء الفلك بأن‏90%‏ من مادة الكون المنظور‏(‏ ممثلة بمادة المجرات العادية‏)‏ هي مواد خفية لا يمكن للإنسان رؤيتها بطريقة مباشرة‏,‏ وأن من هذه المواد الخفية‏:‏ الثقوب السود‏,‏ والأقزام البنية غير المدركة ‏(Undetected Brown Dwarfs),‏ والمادة الداكنة ‏(Dark Matter)‏ واللبنات الأولية للمادة ‏(Subatomic Particles)‏ وغيرها‏,‏ وأن كتلة الجزء المدرك من الكون تقدر بأكثر من مائة ضعف الكتلة الظاهرة‏.‏ أما عن القسم التالي في السورة والذي يقول فيه الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس فهما قضيتان مستقلتان عن الخنس الجوار الكنس سنعرض لهما إن شاء الله تعالي في مقام آخر وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏.‏

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 4.37)
وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ
الإعجاز بالقرآن

تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.org

ونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة-----------------------د. زغلول النجار

هذه الآية الكريمة التي جاءت في منتصف سورة الطارق هي من آيات القَسَم في القرآن الكريم‏,‏ والقَسَم في كتاب الله يأتي من قبيل تنبيهنا إلى أهمية الأمر الذي جاء به القَسَم‏,‏ لأن الله‏ ـ تعالى ـ غني عن القَسَم لعباده‏.‏ والقَسَم هنا بالسماء، وبصفة خاصة من صفاتها، وهي أنها (ذات الرجع)‏,‏ وفي ذلك قال قدامى المفسرين: إن (رجع) السماء هو المطر‏,‏ وإنه سمي (رجعًا)؛ لأن بخار الماء يرتفع أصلاً من الأرض إلي السماء حيث يتكثف ويعود إلى الأرض مطرًا ـ بإذن الله‏ ـ في عملية دائمة التكرار والإعادة‏,‏ ولفظة (الرجع) هنا مستمدة من الفعل رجع بمعنى: عاد وآب، ولذا سمي المطر (رجعا) كما سمي أوبًا لأن (الرجوع) هو العود إلى ما كان منه البدء‏.‏

ومع تسليمنا بصحة هذا الاستنتاج يبقى السؤال المنطقي‏: إذا كان المقصود بالتعبير (رجع السماء) هو المطر فقط، فلماذا فضل القرآن الكريم لفظة الرجع على لفظة المطر؟ ولماذا لم يأت القسم القرآني بالتعبير (والسماء ذات المطر) بدلاً من (وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ)؟.

 

واضح الأمر أن لفظة (الرجع) في هذه الآية الكريمة لها من الدلالات ما يفوق مجرد نزول المطر ـ على أهميته القصوى لاستمرارية الحياة على الأرض ـ مما جعل هذه الصفة من صفات السماء محلاًّ لِقَسَم الخالق‏ ـ ‏سبحانه وتعالى‏‏ ـ وهو الغنيّ عن القسم ـ تعظيمًا لشأنها وتفخيمًا.‏ فما هو المقصود (بالرجع) في هذه الآية الكريمة؟.

يبدو ـ والله تعالى أعلم ـ أن من معاني (الرجع) هنا: الارتداد أي أن من الصفات البارزة في سمائنا أنها ذات رجع أي ذات ارتداد‏,‏ بمعنىي أن كثيرًا مما يرتفع إليها من الأرض ترده إلى الأرض ثانية‏,‏ وأن كثيرًا مما يهبط عليها من أجزائها العليا يرتد ثانية منها إلى المصدر الذي هبط عليها منه‏,‏ فالرجع صفة أساس من صفات السماء‏,‏ أودعها فيها خالق الكون ومبدعه‏,‏ فلولاها ما استقامت على الأرض حياة‏,‏ ومن هنا كان القسم القرآني بها تعظيمًا لشأنها‏,‏ وتنبيهًا لنا للحكمة من إيجادها وتحقيقها‏...!!! 

الرجع في اللغة العربية:

يقال‏ في اللغة العربية: (رجع يرجع رجوعًا)‏ بمعنى: عاد يعود عودًا‏,‏ و‏غيره (‏رجعه‏)‏ غيره أو‏ (‏أرجعه‏)‏ بمعنى أعاده ورده‏,‏ و(‏الرجوع‏)‏ العودة إلى ما كان منه البدء‏,‏ ويقال: (رجعه‏,‏ يرجعه رجعًا).‏ كما يقال:‏ (رجع يرجع رجعًا وترجيعًا)‏ بمعنى ردّ يردّ ردًّا‏,‏ (فالرجع) لغة هو العود‏,‏ والارتداد‏,‏ والرد‏,‏ والانصراف والإفادة‏,‏ والإعادة‏,‏ ولذلك يقال للمطر (رجعًا) لردّ الهواء ما تناوله من ماء الأرض بطريقة مستمرة‏,‏ كما يقال للغدير (رجعًا) بنسبته إلى المطر الذي ملأه‏,‏ أو لتراجع أمواجه وترددها في مكانه، ويستند في ذلك إلى قول الحق ـ سبحانه وتعالى‏: (وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) أي ذات المطر، وقيل فيها أيضًا: أي ذات النفع‏.‏

ويقال‏ (‏رجع يرجع ترجيعًا‏)‏ أي ردد يردد ترديدًا‏, (‏فالترجيع‏‏ ترديد الصوت في الحلق بالقراءة وفي الغناء‏,‏ وتكرير القول مرتين فصاعدًا,‏ ومنه‏ (الترجيع‏)‏ في الأذان‏,‏ وكل تكرار في الكلام فهو (‏رجع‏)‏ و(‏رجيع‏)‏ ومعناه (‏مرجوع‏)‏ أي: مردود‏,‏ و(‏الرجع‏)‏ أيضًا صدى الصوت‏,‏ ويقال‏ (‏راجع‏)‏ أي: عاود‏,‏ و(‏المراجعة‏)‏ المعاودة‏,‏ ويقال‏ (‏راجعه‏)‏ الكلام أي ردَّ عليه‏.

و‏(‏الرجعة‏)‏ العودة من الطلاق‏,‏ والعودة إلى الدنيا بعد الممات‏.‏ يقال‏: (‏رجعت‏)‏ عن كذا‏ (رجعًا)‏ و(‏رجوعًا‏)‏ أي رفضته بعد قبوله‏,‏ و(‏رجعت‏)‏ الجواب أي رددت عليه‏,‏ و(‏المرجع‏)‏ و(‏الرجعي‏)‏ هو (الرجوع) والعود أو مكان العود، وذلك من مثل قوله‏ تعالى‏: (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا)‏ (المائدة: 48). وقوله‏ ـ ‏سبحانه وتعالى‏: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأعراف: 174) أي يرجعون عن الذنب أو يعودون إلى الله‏ تعالى‏ وهدايته الربانية‏ وقوله‏ ـ ‏عز وجل: (فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) (النمل: 35) من الرجوع أو من رجع الجواب‏,‏ وقوله‏ ـ سبحانه وتعالى: (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ) (سبأ:31) أي يتلاومون، وقوله تعالى: (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) (النمل: 28)، ويقال ليس لكلامه‏ (‏مرجوع‏)‏ أي مردود أو جواب‏,‏ ودابة لها‏ (‏مرجوع‏)‏ أي لها مردود بمعنى أنه يمكن بيعها بعد استخدامها‏.‏ و(‏الراجع‏)‏ المرأة يموت عنها زوجها فترجع إلى أهلها‏ (‏أما المطلقة فيقال لها مردودة‏).‏

صورة للغلاف الغازي للأرض بسحبة ورياحه

و‏(‏الاسترجاع‏)‏ الاسترداد‏,‏ و(‏التراجع‏)‏ الارتداد إلى الخلف أو (الرجوع) عن الأمر‏. يقال‏ (‏استرجع‏)‏ فلان منه الشيء أي أخذ منه ما كان قد دفعه إليه‏,‏ و(‏استرجع‏)‏ عند المصيبة أي قال‏: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ‏)، و(‏الرجيع‏)‏ الاستفراغ أو الرفث ويستخدم كناية عن أذى البطن عند كل من الإنسان والحيوان‏,‏ وهو من‏ (‏الرجوع‏)‏ ويكون بمعنى الفاعل‏,‏ أو من‏ (‏الرجع‏)‏ ويكون بمعنى المفعول‏؛‏ و(‏الرجيع‏)‏ من الكلام المردود إلى صاحبه أو المكرر‏. 

المفسرون ورجع السماء:

في تفسير قوله تعالى: (وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) (الطارق:11) ذكر ابن كثير‏ ـ رحمه الله‏ ـ‏ أن رجع السماء هو المطر‏,‏ ذكره ابن عباس‏ ـ رضي الله عنهما‏ ـ‏ وعنه أيضًا أن‏ (‏الرجع‏)‏ هو السحاب فيه المطر‏,‏ وأشار ابن كثير أيضًا إلى رأي قتادة‏ ـ يرحمه الله‏ ـ‏ في‏ (‏السماء ذات الرجع‏)‏ أنها ترجع رزق العباد كل عام‏,‏ ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم‏,‏ وذكر الصابوني‏ ـ ‏أمد الله في عمره‏ ـ‏ نفس المعاني‏.‏ ويؤكد صاحب الظلال‏ ـ يرحمه الله‏ ـ‏ على هذا المعنى بقوله: الرجع: المطر ترجع به السماء المرة بعد المرة‏.‏ وذكر مخلوف ـ ‏يرحمه الله: (‏والسماء‏)‏ أي المظلة‏, (‏ذات الرجع‏)‏ أي المطر‏,‏ وسمي رجعًا لأن السحاب يحمل الماء من بخار البحار والأنهار‏,‏ ثم يرجعه إلى الأرض مطرًا‏,‏ أو لأنه يعود ويتكرر‏,‏ من (رجع‏): إذا عاد‏,‏ ولذا يسمى أوبًا‏,‏ وتكررًا‏,‏ وكذلك ذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم أن القسم هنا بالسماء ذات المطر الذي يعود ويتكرر‏.‏

الفعل رجع في القرآن الكريم:

ورد الفعل‏ (‏رجع‏)‏ بمشتقاته في القرآن الكريم مئة وأربع مرات‏ (104)‏ في الصيغ التالية‏:‏

(رجع,‏ رجعتم‏,‏ رجعك‏,‏ رجعنا‏,‏ رجعناك‏,‏ رجعوا‏,‏ أرجع‏,‏ ترجعونها‏,‏ ترجعوهن‏,‏ يرجع‏,‏ يرجعون‏,‏ ارجع‏,‏ أرجعنا‏,‏ ارجعوا‏,‏ أرجعون‏,‏ ارجعي‏,‏ رجعت‏,‏ ترجع‏,‏ ترجعون‏,‏ يرجع‏,‏ يرجعون‏,‏ يتراجعا‏,‏ رجع‏,‏ الرجع‏,‏ رجعه‏,‏ الرجعى‏,‏ راجعون‏,‏ مرجعكم‏,‏ مرجعهم‏).‏

وجاءت لفظة رجْع فيها ثلاث مرات على النحو التالي‏:‏

(أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ‏) (ق‏:3).‏    (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) (الطارق‏:8)‏.   (وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) (الطارق‏:11).‏

وكلها بمعنى الرجوع‏,‏ والعودة‏,‏ والارتداد‏,‏ والرد‏,‏ والإعادة‏,‏ وهو ما يمكن أن يعيننا في فهم دلالة الرجع في قوله‏ ‏تعالى‏: (وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ)‏ (الطارق: 11)، وهو معنى أوسع وأشمل من مجرد رجوع ماء الأرض المتبخر من سطحها ومن تنفس إنسها وحيواناتها، ونتح نباتاتها‏,‏ وإلا لكان القَسَم بالسماء ذات المطر‏.‏

السماء في اللغة العربية:

‏(‏السماء‏)‏ لغة: اسم مشتق من‏ (‏السمو‏)‏ بمعنى الارتفاع والعلو‏,‏ تقول‏: (‏سما‏,‏ يسمو‏,‏ سموًّا‏),‏ فهو (سامٍ) بمعنى علا‏,‏ يعلو‏,‏ علوًّا‏,‏ فهو عالٍ أو مرتفع‏,‏ لأن السين والميم والواو أصل يدل على الارتفاع والعلو‏,‏ يقال‏: (‏سَمَوْت وَسَمَيْت‏)‏ بمعنى: علوت وعليت للتنويه بالرفعة والعلو‏,‏ وعلى ذلك فإن سماء كل شيء أعلاه، ومن هنا قيل‏: كل ما علاك فأظلك فهو سماء‏.‏ ولفظة‏ (‏السماء‏)‏ في العربية تذكّر وتؤنث‏ (‏وإن كان تذكيرها يعتبر شاذًّا‏),‏ وجمعها‏ (‏سماوات‏)‏ كما جاء في القرآن الكريم، وهناك صيغ أخرى لجمعها ولكنها غريبة‏.

وانطلاقًا من هذا التعريف اللغوي قيل لسقف البيت‏: (‏سماء‏)‏ لارتفاعه‏,‏ وقيل للسحاب‏ (‏سماء‏)‏ لعلوه‏,‏ واستعير اللفظ للمطر بسبب نزوله من السحاب‏,‏ وللعشب لارتباط نبته بنزول ماء السماء‏.‏

و(السماء) لدينا: هي كل ما يقابل الأرض من الكون‏,‏ والمراد بها ذلك العالم العلوي من حولنا، والذي يضم الأجرام المختلفة من الكواكب والكويكبات‏,‏ والأقمار والمذنبات‏,‏ والنجوم والبروج‏,‏ وغيرها من مختلف صور المادة والطاقة التي تملأ الكون بصورة واضحة جلية أو مستترة خفية‏.‏

وقد خلق الله‏ تعالى‏ السماء ـ وهو سبحانه خالق كل شيء ـ ورفعها بغير عمد نراها‏,‏ وجعل لها عُمّارًا من الملائكة ومما لا نعلم من الخلق‏,‏ وحرسها من كل شيطان مارد من الجن والإنس‏,‏ فهي محفوظة بحفظه‏ تعالى‏ إلى أن يرث الكون بما فيه ومن فيه‏.‏ 

السماء في القرآن الكريم

تكرر ورود لفظة (‏السماء‏)‏ في القرآن الكريم ثلاثمائة وعشر مرات‏,‏ منها مئة وعشرون بالإفراد‏ (‏السماء‏),‏ ومئة وتسعون بالجمع‏ (السماوات‏),‏ والجمع في غالبيته إشارة إلى كل ما حول الأرض من خلق أي: إلى الكون في جملته‏,‏ والإشارات المفردة منها ثمان وثلاثون يفهم من مدلولها الغلاف الغازي للأرض بسحبه ورياحه وكسفه‏,‏ واثنتان وثمانون يفهم منها السماء الدنيا غالبًا والكون أحيانًا‏.

وقد جاءت الإشارة القرآنية إلى السماوات والأرض وما بينهما في عشرين موضعًا من كتاب الله‏,‏ وأغلب الرأي أن المقصود بما بين السماوات والأرض هو الغلاف الغازي للأرض بصفة عامة‏,‏ والجزء الأسفل منه‏ (نطاق المناخ‏)‏ بصفة خاصة‏,‏ وذلك لقول الحق ـ سبحانه وتعالى): (وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ‏..) (‏البقرة‏: 164)‏.

 والسحاب يتحرك في نطاق المناخ الذي لا يتعدى سُمكُه ‏16‏ كيلو مترًا فوق مستوى سطح البحر عند خط الاستواء‏,‏ والذي يحوي أغلب مادة الغلاف الغازي للأرض‏ (75%‏ بالكتلة‏)،‏ والقرآن الكريم يشير إلى إنزال الماء من السماء في أكثر من آية‏,‏ وواضح الأمر أن المقصود بالسماء هنا هو السحاب، أو النطاق المحتوي على السحاب والمعروف علميًّا بنطاق المناخ‏.‏ 

العلوم الكونية ورجع السماء:

إذا كان المقصود بـ(السماء ذات الرجع) في سورة الطارق هو الغلاف الغازي للأرض بنطاق من نطاقاته‏ (مثل ‏نطاق الطقس‏)‏ أو بكل نطقه‏ ـ‏ فإن دراسة ذلك الغلاف الغازي قد أكدت لنا أن كثيرًا مما يرتفع من الأرض إليه من مختلف صور المادة والطاقة (‏من مثل: هباءات الغبار المتناهية الدقة في الصغر‏,‏ بخار الماء‏,‏ كثير من غازات أول وثاني أكسيد الكربون‏,‏ أكاسيد النيتروجين‏,‏ النوشادر‏,‏ الميثان وغيرها‏,‏ الموجات الحرارية كالأشعة تحت الحمراء‏,‏ والراديوية كموجات البث الإذاعي‏,‏ والصوتية‏,‏ والضوئية والمغناطيسية وغيرها‏)‏ كل ذلك يرتد ثانية إلى الأرض راجعًا إليها‏.‏

كذلك فإن كثيرًا مما يسقط على الغلاف الغازي للأرض من مختلف صور المادة والطاقة يرتد راجعًا عنها بواسطة عدد من نطق الحماية المختلفة التي أعدها ربنا‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ لحمايتنا وحماية مختلف صور الحياة الأرضية من حولنا‏.

وإذا كان المقصود بـ(السماء ذات الرجع) في هذه السورة المباركة هو كل السماء الدنيا التي زينها ‏ربنا ـ سبحانه وتعالى‏‏ ـ‏ بالنجوم والكواكب ـ فإن علوم الفلك قد أكدت لنا أن كل أجرام السماء قد خلقها الله تعالى‏ من الدخان الكوني (‏دخان السماء‏)‏ الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم التي يسميها القرآن الكريم: عملية الفتق (أو فتق الرتق)‏,‏ وأن كل أجرام السماء الدنيا تمر في دورة حياة تنتهي بالعودة إلى دخان السماء عن طريق الانفجار أو الانتثار‏,‏ لتتخلق من هذا الدخان السماوي أجرام جديدة تعيد الكرة في دورات مستمرة من تبادل المادة والطاقة بين أجرام السماء ودخانها (‏المادة المنتشرة بين النجوم في المجرة الواحدة‏,‏ المجرات وتجمعاتها المختلفة‏,‏ وفي السدم وفي فسحة السماء الدنيا‏,‏ وربما في كل الكون الذي لا نعلم منه إلا جزءًا يسيرًا من السماء الدنيا‏).‏ وهذه صورة مبهرة من صور الرجع التي لم يدركها العلماء إلا بعد اكتشاف دورة حياة النجوم في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏.‏ وسواء كان المقصود بـ(السماء ذات الرجع) إحدى الصورتين السابقتين أو كليهما معًا ـ فهو سبق قرآني مبهر بحقيقة كونية لم يدركها العلماء إلا منذ عشرات قليلة من السنين، وذلك مما يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏,‏ ويشهد لخاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأنه كان موصولاً بالوحي ومعلّمًا من قبل خالق السماوات والأرض‏.

نطق الغلاف الغازي للأرض:

تحاط الأرض بغلاف غازي يقدر سُمكُه بعدة آلاف من الكيلومترات‏,‏ ويتناقص فيه الضغط مع الارتفاع من واحد كيلوجرام على السنتيمتر المكعب تقريبا‏ (1.0336‏ كج‏/سم‏3)‏ عند مستوى سطح البحر إلى قرابة الصفر عند ارتفاع ستين كيلومترًا تقريبًا فوق مستوى سطح البحر‏.

ويقسم هذا الغلاف الغازي للأرض على أساس من درجة حرارته إلى عدة نطق من أسفل إلى أعلى على النحو التالي‏:‏

(1)‏ نطاق التغيرات الجوية‏ (نطاق الطقس أو نطاق الرجع‏) (TheTroposphere):

ويمتد من سطح البحر إلى ارتفاع ‏16‏ كيلومترًا فوق خط الاستواء‏,‏ ويتناقص سُمكُه إلى نحو عشرة كيلومترات فوق القطبين وإلى أقل من ذلك فوق خطوط العرض الوسطى (7‏ـ‏8‏ كيلومترات‏)،‏ وعندما يتحرك الهواء من خط الاستواء في اتجاه القطبين يهبط فوق هذا المنحنى الوسطي فتزداد سرعته‏,‏ وتجبر حركة الأرض في دورانها حول محورها من الغرب إلى الشرق كتل الهواء على التحرك تجاه الشرق بصفة عامة بسرعة فائقة، تجعل من هذا التيار ما يعرف باسم التيار النفاث (The Jet Stream). وتنخفض درجة الحرارة في هذا النطاق باستمرار مع الارتفاع حتى تصل إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر في قمته‏, ‏فوق خط الاستواء، وذلك نظرًا للابتعاد عن سطح الأرض الذي يعمل على تدفئة هذا النطاق بعد غياب الشمس، فسطح الأرض يمتص حوالي ‏47%‏ من أشعة الشمس فترتفع درجة حرارته أثناء النهار، وعند غياب الشمس يبدأ في إعادة إشعاع الحرارة التي امتصها على هيئة أشعة تحت حمراء إلى الغلاف الغازي للأرض‏,‏ خاصة إلى بخار الماء وجزيئات ثاني أكسيد الكربون الجويين‏‏ في السحب فتردد هذه السحب 98% من تلك الأشعة على هيئة رجع حراري لولاه لتجمدت الأرض بما عليها من مختلف صور الحياة بمجرد غياب الشمس.

وهذا الرجع الحراري لم يدرك إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين؛ ومن هنا تنخفض درجة حرارة نطاق التغيرات الجوية مع الارتفاع ـ للبُعد عن مصدر الدفء وهو سطح الأرض، كما ينخفض الضغط إلى عُشر الضغط الجوي في قمة نطاق الرجع.

صورة للسحب وهي مصدر من مصادر رجع السماء

نطاق الغلاف الغازي للأرض والتغير في درجة الحرارة فيها مع الإرتفاع

بعض نطق الغلاف الغازي للأرض

نطاق الإشعاع من الغلاف الغازي للأرض

وعندما تهب كتلة من هواء بارد فوق كتلة أخرى من هواء ساخن فإن الهواء البارد يهبط إلى أسفل، بينما يصعد الهواء الساخن إلى أعلى محدثًا تيارات حمل مستمرة في هذا النطاق أعطته اسم (The Troposphere) كما يعبر عن ذلك الأصل اليوناني للكلمة. ولولا الانخفاض المطّرد لدرجات الحرارة في هذا النطاق السفلي من نطق الغلاف الغازي للأرض ـ لفقدت الأرض مياهها بمجرد اندفاع أبخرة تلك المياه من فوهات البراكين ولاستحالت الحياة على الأرض‏.‏

(2)‏ نطاق التطبق (The Stratosphere):

ويمتد من فوق نطاق التغيرات الجوية إلى ارتفاع حوالي خمسين كيلومترًا فوق مستوى سطح البحر‏,‏ وترتفع فيه درجة الحرارة من ستين درجة مئوية تحت الصفر في قاعدته إلى الصفر المئوي في قمته‏,‏ ويعود السبب في ارتفاع درجة الحرارة إلى امتصاص وتحويل الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس بواسطة جزيئات الأوزون التي تتركز في قاعدة هذا النطاق‏ (‏حول ارتفاع يتراوح بين‏18‏ و‏30‏كم‏)‏ مكونة طبقة خاصة تعرف باسم طبقة‏,‏ أو نطاق الأوزون (The Ozonosphere).

 (3)‏ النطاق المتوسط‏ (The Mesosphere):

ويمتد من فوق نطاق التطبق إلى ارتفاع ‏80‏ـ‏90‏ كيلومترًا فوق مستوى سطح البحر‏,‏ وتنخفض فيه درجة الحرارة لتصل إلى مئة وعشرين درجة مئوية تحت الصفر‏.‏

(4)‏ النطاق الحراري (The Thermosphere):

ويمتد من فوق النطاق المتوسط إلى عدة مئات من الكيلومترات فوق مستوى سطح البحر‏,‏ وترتفع فيه درجة الحرارة باستمرار إلى خمسمائة درجة مئوية عند ارتفاع مئة وعشرين كيلومترًا فوق مستوى سطح البحر‏,‏ وتبقى درجة الحرارة ثابتة عند هذا الحد إلى أكثر من ألف كيلومتر فوق مستوى سطح البحر‏,‏ ولكنها تقفز إلى ‏1.500‏ درجة مئوية في فترات نشاط البقع الشمسية‏.

وفي جزء من هذا النطاق (‏من ارتفاع مئة كيلومتر إلى أربعمائة كيلومتر فوق مستوى سطح البحر‏)‏ تتأين جزيئات الغلاف الغازي بفعل كل من الأشعة فوق البنفسجية والسينية القادمتين من الشمس‏,‏ ولذا يسمى باسم النطاق المتأين (The Ionosphere).

وفوق نطاق التأين يعرف الجزء الخارجي من النطاق الحراري باسم النطاق الخارجي (The Exosphere) ويقل فيه الضغط ويزداد في التداخل مع دخان السماء أو ما يعرف تجاوزًا باسم الفضاء الخارجي‏.

(5)‏ أحزمة الإشعاع (The Radiation Belts):

وهي عبارة عن زوجين من الأحزمة الهلالية الشكل التي تحيط بالأرض إحاطة كاملة وتزداد في السُّمك حول خط الاستواء‏,‏ وترق رقة شديدة عند القطبين‏,‏ وتحتوي على أعداد كبيرة من البروتونات والإليكترونات التي اصطادها المجال المغناطيسي للأرض‏.‏ ويتركز الزوج الداخلي من هذه الأحزمة حول ارتفاع ‏3.200‏ كيلومتر فوق مستوى سطح البحر‏,‏ بينما يتركز الزوج الخارجي من هذه الأحزمة حول ارتفاع ‏25.000‏ كيلومتر فوق مستوى سطح البحر‏.‏

 من صور رجع السماء:

باعتبار المقصود من السماء في الآية الكريمة (وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الرَّجْعِ) أنه الغلاف الغازي للأرض نجد الصور التالية من رجع السماء‏:

(1)‏ الرجع الاهتزازي للهواء (‏الأصوات وصداها‏):

تحتوي الطبقة الدنيا من الغلاف الغازي للأرض‏ (‏نطاق التغيرات الجوية‏)‏ على ‏75%‏ من كتلة ذلك الغلاف ويتكون أساسًا من غاز النيتروجين (78%‏ حجمًا‏),‏ والأوكسجين‏ (21.95%‏ حجمًا)‏، وآثار خفيفة من بخار الماء‏,‏ وثاني أكسيد الكربون‏,‏ والأوزون‏,‏ وبعض هباءات الغبار‏,‏ وآثار أقل تركيزًا من الإيدروجين‏,‏ الأرجون‏,‏ الهيليوم‏,‏ وبعض مركبات الكبريت‏.‏

وكل من التركيب الكيميائي والصفات الفيزيائية لهذا النطاق يعتبر من الضرورات الأساس للحياة الأرضية‏,‏ ومنها القدرة على السمع، فلو لم يكن لنطاق الرجع هذه الكثافة الغازية المحددة ما أمكن للاهتزازات المحدثة للأصوات وصداها‏ أن تُسمع,‏ فعندما تهتز أحبالنا الصوتية تحدث اهتزازاتها ضغوطًا في الهواء تنتشر على هيئة أمواج تتحرك في الهواء في كل الاتجاهات من حولنا‏, فتصطدم بالجوامد وترتد على هيئة صدى الصوت أو تتلقاها‏ طبلة الأذن لأفراد آخرين فتحدث بها من الاهتزازات والارتدادات ما يمكنهم من سماعها بوضوح، ولولا التركيب الكيميائي والصفات الفيزيائية المحددة لذلك النطاق ما سمع بعضنا بعضًا، ولاستحالت الحياة. وذلك لأن الصوت لا ينتقل في الفراغ لعدم وجود جزيئات الهواء القادرة على نقل الموجات الصوتية.

وتتحرك الموجات الصوتية في الهواء بسرعة ‏1.200‏ كيلومتر في الساعة عند مستوى سطح البحر‏,‏ وتزداد سرعة الصوت كلما زادت كثافة الوسط الذي يتحرك فيه‏,‏ وتقل بقلة كثافته‏,‏ ففي الماء تتضاعف سرعة الصوت أربع مرات تقريبًا عنها في الهواء‏,‏ وفي النطق العليا من الغلاف الغازي للأرض تتناقص حتى لا تكاد تسمع‏,‏ ولذلك يتخاطب رواد الفضاء مع بعضهم بعضًا بواسطة الموجات الراديوية التي يمكنها التحرك في الفراغ.

 وعندما تصطدم الموجات الصوتية بأجسام أعلى كثافة من الهواء‏,‏ فإنها ترتد على هيئة صدى للصوت الذي له العديد من التطبيقات العملية‏.‏ والرجع الاهتزازي للهواء على هيئة الأصوات وصداها هو أول صورة من صور رجع السماء‏,‏ ولولاه ما سمع بعضنا بعضًا وما استقامت الحياة على الأرض‏.

(2)‏ الرجع المائي‏:

يغطي الماء أكثر قليلاً من ‏71%‏ من المساحة الكلية للكرة الأرضية‏، وتبلغ كميته 1.4 (‏1.36‏) مليار كيلومتر مكعب (منها‏97.2%‏ في المحيطات والبحار‏, 2.15%‏ على هيئة جليد حول القطبين وفي قمم الجبال‏, 0.65%‏ في المجاري المائية المختلفة من الأنهار والجداول وغيرها‏,‏ وفي كل من البحيرات العذبة وخزانات المياه تحت سطح الأرض‏.‏

وهذا الماء اندفع كله أصلاً من داخل الأرض عبر ثورات البراكين‏,‏ وتكثف في الأجزاء العليا من نطاق التغيرات الجوية والتي تتميز ببرودتها الشديدة‏,‏ فعاد إلى الأرض ليجري أنهارًا على سطحها‏,‏ ويفيض إلى منخفضاتها‏ مكونًا البحار والمحيطات؛ ثم بدأ هذا الماء في حركة دائبة بين الأرض والطبقات الدنيا من الغلاف الغازي حفظته من التعفن ومن الضياع إلى طبقات الجو العليا؛ وتعرف هذه الدورة باسم (دورة الماء حول الأرض).

وماء الأرض يتبخر منه سنويًا (‏380.000‏) كيلومتر مكعب أغلبها (320.000‏كم‏3)‏ يتبخر من أسطح المحيطات والبحار والباقي (60.000‏كم‏3)‏ يتبخر من سطح اليابسة‏,‏ وهذا البخار تدفعه الرياح إلى الطبقة الدنيا من الغلاف الغازي للأرض، وتحمله السحب حيث يتكثف ويعود إلى الأرض مطرًا أو ثلجًا أو بَرَدًا، وبدرجة أقل على هيئة ندى أو ضباب. وحينما ترجع أبخرة الماء من الجو إلى الأرض بعد تكثفها يجري قسم منها في مختلف أنواع المجاري المائية على اليابسة‏,‏ وتصب هذه بدورها في البحار والمحيطات‏,‏ كما يترشح جزء منها خلال طبقات الأرض ذات المسامية النفاذية ليكون مخزون الماء تحت سطح الأرض‏,‏ وهناك جزء يعاود تبخره إلى الجو مرة أخرى‏.‏

والماء المخزون تحت سطح الأرض هو أيضًا في حركة دائبة حيث يشارك في تغذية بعض الأنهار والبحيرات والمستنقعات‏,‏ وقد يخرج إلى سطح الأرض على هيئة ينابيع‏ تحفر عليه الآبار,‏ أو ينتهي بها المطاف إلى البحار والمحيطات‏.

وماء المطر يسقط على المحيطات والبحار بمعدل‏ 284.000 كيلومتر مكعب في السنة‏,‏ وعلى اليابسة بمعدل ‏96.000‏ كيلومتر مكعب في السنة، وذلك في دورة معجزة في كمالها ودقتها‏,‏ ومن صور ذلك أن ما يتبخر من أسطح المحيطات والبحار في السنة يفوق ما يسقط فوقها بمعدل 36.000 كيلومتر مكعب وأن ما يسقط من مطر على اليابسة سنويًّا يفوق ما يتبخر منها بنفس المعدل (36.000كم3)، ولما كان الفارق في الحالتين متساويًا تمامًا فإنه يفيض من اليابسة إلى البحار والمحيطات ليحفظ منسوب الماء فيها عند مستوى ثابت في الفترة الزمنية الواحدة.

هذه الدورة المعجزة للماء حول الأرض هي الصورة الثانية من صور رجع السماء‏,‏ ولولاها لفسد كل ماء الأرض‏ الذي يحيا ويموت فيه بلايين الكائنات في كل لحظة، ولتعرض كوكبنا لحرارة قاتلة بالنهار‏,‏ ولبرودة شديدة بالليل.

شكل يوضح نطق الغلاف الغازي للأرض

شكل يوضح نطق الغلاف الغازي للأرض

(3)‏ الرجع الحراري إلى الأرض وعنها إلى الفضاء بواسطة السحب‏:‏

يصل إلى الأرض من الشمس في كل لحظة شروق كميات هائلة من طاقة الشمس‏,‏ ويعمل الغلاف الغازي للأرض كدرع واقية لنا من حرارة الشمس أثناء النهار‏,‏ لأن ذراته وجزيئاته تمتص وتشتت وتعيد إشعاع أطوال موجات محددة من الأشعة الشمسية في كل الاتجاهات بعيدًا عن الأرض. كما يعمل النطاق الأسفل منه (نطاق الرجع) كغطاء بالليل يمسك بحرارة الأرض من التشتت ويردها إلى الأرض.

وتعرف كمية الطاقة الشمسية التي تقع على السنتيمتر المربع من سطح الأرض في كل ثانية من فترات إشراقها وهي على متوسط المسافة بينها وبين الأرض باسم الثابت الشمسي (The Solar Constant)، ويقدر ذلك بحوالي 0.033 كالوري/ سم2/ ثانية (أي حوالي 2 كالوري/ سم2/ دقيقة) بافتراض عدم وجود غلاف غازي للأرض، علمًا بأن غالبية هذه الطاقة تفقد بمرورها في هذا الغلاف الغازي.

ومن الأشعة الشمسية القادمة إلى الأرض يمتص ويشتت ويعاد إشعاع حوالي ‏53%‏ منها بواسطة الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وتمتص صخور وتربة الأرض حوالي ‏47%‏ منها‏,‏ ولولا هذا الرجع الحراري إلى الخارج لأحرقت أشعة الشمس كل صور الحياة على الأرض‏,‏ ولبخرت الماء وخلخلت الهواء‏.‏

وعلى النقيض من ذلك فإن السحب التي تردّ عنّا ويلات حرارة الشمس في نهار الصيف هي التي ترد إلينا (98%) من أشعة الدفء بمجرد غروب الشمس‏، فصخور الأرض تدفأ أثناء النهار بحرارة الشمس بامتصاص حوالي ‏47%‏ من أشعتها فتصل درجة حرارتها إلى ‏15‏ درجة مئوية في المتوسط، وبمجرد غياب الشمس تبدأ صخور الأرض في إعادة إشعاع حرارتها على هيئة موجات من الأشعة تحت الحمراء تمتصها جزيئات كل من بخار الماء وثاني أكسيد الكربون فتدفئ الغلاف الغازي للأرض‏,‏ كما تعمل السحب على إرجاع غالبية الموجات الطويلة التي ترتفع إليها من الأرض (98%)‏ مرة أخرى إلى سطح الأرض وبذلك تحفظ الحياة الأرضية من التجمد بعد غياب الشمس‏.‏

ولو لم يكن للأرض غلاف غازي لأحرقتها حرارة الشمس بالنهار، ولولا السحب المتكونة في الجزء السفلي من غلاف الأرض الغازي ما رجع إلينا الدفء المنبعث من صخور الأرض بعد تعرضها لحرارة الشمس، ولتشتتت هذه الحرارة إلى فسحة الكون، وتجمدت الأرض وما عليها من صور الحياة في نصف الكرة المظلم بمجرد غياب الشمس‏.‏ وهذا الرجع الحراري بصورتيه إلى الخارج وإلى الداخل مما يحقق صفة الرجع لسماء الأرض‏. 

(4)‏ رجع الغازات والأبخرة والغبار المرتفع من سطح الأرض‏:‏

عندما تثور البراكين تدفع بملايين الأطنان من الغازات والأبخرة والأتربة إلى جو الأرض الذي سرعان ما يرجع غالبية ذلك إلى الأرض‏,‏ كذلك يؤدي تكون المنخفضات والمرتفعات الجوية إلى دفع الهواء في حركة أفقية ينشأ عنها الرياح التي يتحكم في هبوبها‏  ـبعد إرادة الله تعالى‏ ـ عدة عوامل منها: مقدار الفرق بين الضغط الجوي في منطقتين متجاورتين‏,‏ ومنها دوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق‏,‏ ومنها تنوع تضاريس الأرض والموقع الجغرافي للمنطقة‏.‏

والغالبية العظمى من المنخفضات الجوية تتحرك مع حركة الأرض (‏أي من الغرب إلى الشرق‏)‏ بسرعات تتراوح بين‏20‏ و‏30‏ كيلومترًا في الساعة، وعندما تمر المنخفضات الجوية فوق اليابسة تحتكّ بها فتبطؤ حركتها قليلاً وتحمل بشيء من الغبار الذي تأخذه من سطح الأرض‏,‏ وإذا صادف المنخفض الجوي في طريقه سلاسل جبلية معترضة فإنه يصطدم بها مما يعين على إبطاء سرعتها وعلى عود الهواء إلى أعلى,‏ ولما كان ضغط الهواء يتناقص بالارتفاع إلى واحد من ألف من الضغط الجوي العادي ـ أي عند سطح البحر ـ إذا وصلنا إلى ارتفاع ‏48‏ كيلومترًا فوق ذلك المستوى، وإلى واحد من مئة ألف من الضغط الجوي إذا وصلنا إلى ارتفاع ألف كيلومتر، فإن قدرة الهواء على الاحتفاظ بالغبار المحمول من سطح الأرض تضعف باستمرار مما يؤدي إلى رجوعه إلى الأرض وإعادة توزيعه على سطحها بحكمة بالغة‏,‏ وتعين على ذلك الجاذبية الأرضية‏.‏

(5)‏ الرجع الخارجي للأشعة فوق البنفسجية بواسطة طبقة الأوزون‏:‏

تقوم طبقة الأوزون في قاعدة نطاق التطبق بامتصاص وتحويل الأشعة فوق البنفسجية القادمة مع أشعة الشمس بواسطة جزيئات الأوزون‏ (‏O3)‏ وترد نسبًا كبيرة منها إلى خارج ذلك النطاق‏، وبذلك تحمي الحياة على الأرض من أخطار تلك الأشعة المهلكة التي تحرق كلاًّ من النبات والحيوان والإنسان، وتتسبب في العديد من الأمراض من مثل سرطانات الجلد وإصابات العيون وغيرها، ويمكن أن تؤدي إلى تبخير ماء الأرض بالكامل.

أحزمة الإشعاع التي ترجع عنا الإشعة الكونية

(6)‏ رجع الموجات الراديوية بواسطة النطاق المتأين‏:‏

في النطاق المتأين (بين‏100‏ و‏400‏ كم فوق مستوى سطح البحر‏)‏ ـ تمتص الفوتونات النشيطة القادمة مع أشعة الشمس من مثل الأشعة السينية فتؤدي إلى رفع درجة الحرارة وزيادة التأين‏,‏ ونظرًا لانتشار الإليكترونات الطليقة في هذا النطاق فإنها تعكس الإشارات الراديوية‏ القادمة مع أشعة الشمس إلى خارج نطاق الأرض، كما تعكس موجات الراديو المبثوثة من فوق سطح الأرض وتردها إليها فتيسر عمليات البث الإذاعي والاتصالات الراديوية، وكلها تمثل صورًا مختلفة من الرجع. 

‏(7)‏ رجع الأشعة الكونية بواسطة كل من أحزمة الإشعاع والنطاق المغناطيسي للأرض‏:

يمطر الغلاف الغازي للأرض بوابل من الأشعة الكونية الأولية التي تملأ فسحة الكون فتردها‏,‏ إلى الخارج كل من أحزمة الإشعاع والنطاق المغناطيسي للأرض فلا يصل إلى سطح الأرض منها شيء، ولكنها تؤدي إلى تكون أشعة ثانوية قد يصل بعضها إلى سطح الأرض فتؤدي إلى عدد من ظواهر التوهج والإضاءة في ظلمة الليل من مثل ظاهرة الفجر القطبي‏.

والأشعة الكونية بأنواعها المختلفة تتحرك بمحاذاة خطوط المجال المغناطيسي للأرض، والتي تنحني لتصب في قطبي الأرض المغناطيسيين‏,‏ وذلك لعجزها عن عبور مجال الأرض المغناطيسي‏,‏ ويؤدي ذلك إلى رد غالبية الأشعة الكونية القادمة إلى خارج نطاق الغلاف الغازي للأرض، وما يمكن أن يفلت منها ترده أحزمة الإشعاع، وهذه صورة من صور الرجع لم تعرف إلا بعد ريادة الفضاء في منتصف الستينيات من القرن العشرين.

كذلك فإن بقية هذه الصور المتعددة لرجع السماء لم تعرف إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين، وعلى ذلك فإن وصف السماء بأنها (ذات رجع) في القرآن الكريم من قبل ألف وأربعمائة من السنين ـ يجمع كل هذه الصور التي نعرفها اليوم، وربما العديد من الصور التي لم نعرفها بعد في كلمة واحدة وهي (الرجع)، وهذه الكلمة الجامعة هي شهادة صدق بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وأن سيدنا محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي تلقى هذا الوحي الحق هو خاتم أنبياء الله ورسله ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ وأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان موصولاً بالوحي ومعلّمًا من قبل خالق السماوات والأرض؛ وصدق الله العظيم الذي وصف خاتم أنبيائه ورسله بقوله الحق: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى).

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 4.33)
الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغــــزى دلالتهــا العلميـة
الإعجاز بالقرآن

تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.orgونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة-----------------------

الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغــــزى دلالتهــا العلميـة

د. زغلول النجار

     في الثلث الأول من القرن العشرين لاحظ الفلكيون عملية توسع الكون التي دار من حولها جدل طويل حتى سلّم العلماء بحقيقتها، وقد سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى تلك الحقيقة قبل ألف وأربعمائة سنة؛ يقول الحق تبارك وتعالى: (وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) الذاريات: 47. وكانت هذه الآية الكريمة قد نزلت والعالم كله ينادي بثبات الكون، وعدم تغيره، وظل هذا الاعتقاد سائدًا حتى منتصف القرن العشرين حين أثبتت الأرصاد الفلكية حقيقة توسع الكون، وتباعد مجراته عنَّا، وعن بعضها بعضًا بمعدلات تقترب أحيانًا من سرعة الضوء (المقدرة بنحو ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية)، وقد أبدت كل من المعادلات الرياضية وقوانين الفيزياء النظرية استنتاجات الفلكيين في ذلك، وانطلاقًا من هذه الملاحظة الصحيحة نادى كل من علماء الفلك، والفيزياء الفلكية والنظرية بأننا إذا عدنا بهذا الاتساع الكوني إلى الوراء مع الزمن فلابد أن تلتقي كل صور المادة والطاقة الموجودة في الكون (المدرك منها وغير المدرك) وتتكدس على بعضها في جرم ابتدائي يتناهى في الصغر إلى ما يقرب الصفر أو العدم، وتنكمش في هذه النقطة أبعاد كل من المكان والزمان حتى تتلاشى (مرحلة الرتق).وهذا الجرم الابتدائي كان في حالة من الكثافة والحرارة تتوقف عندهما كل القوانين الفيزيائية المعروفة، ومن ثم فإن العقل البشري لا يكاد يتصورهما، فانفجر هذا الجرم الأولي بأمر الله تعالى في ظاهرة يسميها العلماء عملية الانفجار الكوني العظيم.

ويسميها القرآن الكريم باسم الفتق، فقد سبق القرآن الكريم كل المعارف الإنسانية بالإشارة إلى ذلك الحدث الكوني العظيم من قبل ألف وأربعمائة من السنين بقول الحق ـ تبارك وتعالى:

(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوآ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) الأنبياء: 30.

وتشير دراسات الفيزياء النظرية في أواخر القرن العشرين إلى أن جرمًا بمواصفات الجرم الابتدائي للكون عندما ينفجر يتحول إلى غلالة من الدخان الذي تخلّقت منه الأرض وكل أجرام السماء، وقد سبق القرآن الكريم بألف وأربعمائة سنة كل المعارف الإنسانية وذلك بإشارته إلى مرحلة الدخان في قول الحق ـ تبارك وتعالى:

(قـُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَـالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهـَا وَقَـدَّرَ فِيهـَآ أَقْـوَاتَهـَا فِى أَرْبَعـَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ وَهِىَ دُخــَانٌ فَقـَالَ لَهَـا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طـَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّــــمَآءَ الــدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) فصلت: 9 ـ 12.

وفي 8 نوفمبر سنة 1989م أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية مركبة فضائية باسم مكتشف الخلفية الإشعاعية للكون وذلك في مدار على ارتفاع ستمائة كيلومتر حول الأرض بعيدًا عن تأثير كل من السحب والملوثات في النطق الدنيا من الغلاف الغازي للأرض، وقد قام هذا القمر الصناعي بإرسال ملايين الصور والمعلومات إلى الأرض عن آثار الدخان الأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم للكون من على بعد عشرة مليارات من السنين الضوئية، وهي حالة دخانية معتمة سادت الكون قبل خلق الأرض والسماوات، فسبحان الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة قولَه الحق:

(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وِلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ) (فصلت: 11).

دخانية السماء بعد الانفجار الكوني العظيم أي بعد فتق الرتق. بعد التسليم بحقيقة توسع الكون، وبرد ذلك التوسع إلى الوراء مع الزمن حتى الوصول إلى جرم ابتدائي واحد مُتَنَاهٍ في الضآلة حجمًا إلى الصفر أو ما يقرب من العدم، ومتناه في الكثافة والحرارة إلى حد لا يكاد العقل الإنساني أن يتخيله، لتوقف كل قوانين الفيزياء المعروفة عنده (مرحلة الرتق)، وبعد التسليم بانفجار هذا الجرم الابتدائي (مرحلة الفتق) في ظاهرة كونية يسميها العلماء الانفجار الكوني الكبير ـ بدأ كل من علماء الفلك والفيزياء الفلكية والنظرية في تحليل مسار الأحداث الكونية بعد هذا الحدث الكوني الرهيب، ومع إيماننا بأن تلك الأحداث الموغلة في تاريخ الكون تقع في صميم الغيب الذي أخبرنا به ـ تبارك وتعالى ـ عند قوله ـ عز من قائل:

(مَآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) الكهف: 51

إلا أن السنن التي فطر الله ـ تعالى ـ الكون عليها لها من الاطّراد، والاستمرار، والثبات، ما يمكن أن يعين الإنسان على الوصول إلى شيء من التصور الصحيح لتلك الأحداث الغيبية الموغلة في أبعاد التاريخ الكوني على الرغم من حس الإنسان المحدود، وقدرات عقله المحدودة، ومحدودية كل من زمانه ومكانه.

كذلك فإن التقنيات المتطورة من مثل الصواريخ العابرة لمسافات كبيرة في السماء، والأقمار الصناعية التي تطلقها تلك الصواريخ، والأجهزة القياسية والتسجيلية الدقيقة التي تحملها قد ساعدت على الوصول إلى تصوير الدخان الكوني الأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم، والذي وجدت بقايا أثرية له على أطراف الجزء المدرك من الكون، وعلى أبعاد تصل إلى عشرة مليارات من السنين الضوئية لتثبت دقة التعبير القرآني بلفظة دخان التي وصف بها حالة الكون قبل خلق السماوات والأرض.

الفيزياء الفلكية ودخانية الكون

بعد الانفجار العظيم تحول الكون إلى غلالة من الدخان الذي خلقت منه الأرض والسماوات تشير الحسابات الفيزيائية إلى أن حجم الكون قبل الانفجار العظيم كاد يقترب من الصفر، وكان في حالة غريبة من تكدس كل من المادة والطاقة، وتلاشي كل من المكان والزمان، تتوقف عندها كل قوانين الفيزياء المعروفة (مرحلة الرتق) ثم انفجر هذا الجرم الابتدائي الأولي في ظاهرة كبرى تعرف بظاهرة الانفجار الكوني العظيم (مرحلة الفتق) وانفجاره تحول إلى كرة من الإشعاع والجسيمات الأولية أخذت في التمدد والتبرّد بسرعات فائقة حتى تحولت إلى غلالة من الدخان. فبعد ثانية واحدة من واقعة الانفجار العظيم تقدر الحسابات الفيزيائية انخفاض درجة حرارة الكون من تريليونات الدرجات المطلقة إلى عشرة بلايين من الدرجات المطلقة (ستيفن و. هوكنج 1988م).

وعندها تحول الكون إلى غلالة من الدخان المكون من الفوتونات والإلكترونات والنيوترينوات وأضداد هذه الجسيمات مع قليل من البروتونات والنيوترونات، ولولا استمرار الكون في التوسع والتبرد بمعدلات منضبطة بدقة فائقة لأفنت الجسيمات الأولية للمادة وأضدادها بعضها بعضًا وانتهى الكون، ولكنه حفظ بحفظ الله الذي أتقن كل شيء خلقه.

والنيوترونات يمكن أن توجد في الكون على هيئة ما يسمى باسم المادة الداكنة وينادي (آلان جوث) بأن التمدد عند بدء الانفجار العظيم كان بمعدلات فائقة التصور أدت إلى زيادة قطر الكون بمعدل 2910 مرة في جزء من الثانية.

وتشير حسابات الفيزياء النظرية إلى الاستمرار في انخفاض درجة حرارة الكون إلى بليون (ألف مليون) درجة مطلقة بعد ذلك بقليل، وعند تلك الدرجة اتحدت البروتونات والنيوترونات لتكون نوى ذرات الإيدروجين الثقيل أو الديوتريوم التي تحللت إلى الإيدروجين أو اتحدت مع مزيد من البروتونات والنيوترونات لتكون نوى ذرات والقليل من نوى ذرات عناصر أعلى مثل نوى ذرات الليثيوم ونوى (HeliumNuclei) الهيليوم ذرات البريليوم، ولكن بقيت النسبة الغالبة لنوى ذرات غازي الأيدروجين والهيليوم، وتشير الحسابات النظرية إلى أنه بعد ذلك بقليل توقف إنتاج كل من الهيليوم والعناصر التالية له، واستمر الكون في الاتساع والتمدد والتبرد لفترة زمنية طويلة، ومع التبرد انخفضت درجة حرارة الكون إلى آلاف قليلة من الدرجات المطلقة حين بدأت ذرات العناصر في التكون والتجمع وبدأ الدخان الكوني في التكدس على هيئة أعداد من السُّدُم الكونية الهائلة.

ومع استمرار عملية الاتساع والتبرد في الكون بدأت أجزاء من تلك السدم في التكثف على ذاتها بفعل الجاذبية وبالدوران حول نفسها بسرعات متزايدة بالتدريج حتى تخلقت بداخلها كتل من الغازات المتكثفة، ومع استمرار دوران تلك الكتل الكثيفة في داخل السدم بدأت كميات من غازي الإيدروجين والهيليوم الموجودة بداخلها في التكدس على ذاتها بمعدلات أكبر، مما أدى إلى مزيد من الارتفاع في درجات حرارتها حتى وصلت إلى الدرجات اللازمة لبدء عملية الاندماج النووي فتكونت النجوم المنتجة للضوء والحرارة.

وفي النجوم الكبيرة الكتلة استمرت عملية الاندماج النووي لتخليق العناصر الأعلى في وزنها الذري بالتدريج مثل الكربون والأوكسيجين وما يليهما حتى يتحول لب النجم بالكامل إلى الحديد فينفجر هذا على هيئة فوق المستعر وتتناثر أشلاء فوق المستعرات وما بها من عناصر ثقيلة في (Nova) النجم المستعر داخل المجرة لتتكون منها الكواكب والكويكبات، بينما يبقى منها في غازات المجرة ما يمكن أن يدخل في بناء نجم آخر ـ بإذن الله ـ وتحتوي شمسنا على نحو 2% من كتلتها من العناصر الأثقل في أوزانها الذرية من غازي الإيدروجين والهيليوم، وهما المكونان الأساسيان لها، وهذه العناصر الثقيلة لم تتكون كلها بالقطع. في داخل الشمس بل جاءت إليها من بقايا انفجار بعض من فوق المستعرات.

وعلى الرغم من تكدس كل من المادة والطاقة في أجرام السماء (مثل النجوم وتوابعها) فإن الكون المدرك يبدو لنا متجانسًا على نطاق واسع، في كل الاتجاهات، وتحده خلفية إشعاعية متساوية حيثما نظر الراصد. كذلك فإن توسع الكون لم يتجاوز بعد الحد الحرج الذي يمكن أن يؤدي إلى انهياره على ذاته، وتكدسه من جديد، مما يؤكد أنه محكوم بضوابط بالغة الدقة والأحكام، ولا يزال الكون المدرك مستمرٌّا في توسعه بعد أكثر من عشرة مليارات من السنين (هي العمر الأدنى المقدر للكون) وذلك بنفس معدل التوسع الحرج، ولو تجاوزه بجزء من مئات البلايين من المعدل الحالي للتوسع لانهار الكون على الفور.

فسبحان الذي حفظه من الانهيار!! والنظرية النسبية لا يمكنها تفسير ذلك لأن كل القوانين الفيزيائية، وكل الأبعاد المكانية والزمانية تنهار عند الجرم الابتدائي للكون قبل انفجاره (مرحلة الرتق) بكتلته، وكثافته وحرارته الفائقة، وانعدام حجمه إلى ما يقرب من الصفر.

ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرًا لخلق هذا الكون بهذا القدر من الإحكام غير كونه أمرًا من الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ الذي (إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) يس: 82.

فعلى سبيل المثال لا الحصر يذكر علماء الفيزياء أنه إذا تغيرت الشحنة الكهربائية للإلكترون قليلاً، ما استطاعت النجوم القيام بعملية الاندماج النووي، ولعجزت عن الانفجار على هيئة ما يسمى بفوق المستعر إذا تمكنت فرضًا من القيام بعملية الاندماج النووي. والمعدل المتوسط لعملية اتساع الكون لابد وأنه قد اختير بحكمة بالغة لأن معدله الحالي لا يزال قريبًا من الحد الحرج اللازم لمنع الكون من الانهيار على ذاته.

ويقرر علماء الفيزياء النظرية والفلكية أن الدخان الكوني كان خليطًا من الغازات الحارة المعتمة التي تتخللها بعض الجسيمات الأولية للمادة وأضداد المادة حتى تشهد هذه الصورة من صور الزوجية السائدة في الكون لله وحده بالتفرد بالوحدانية فوق كافة خلقه، ولا توجد كلمة تُوفي هذه الحالة حقَّها من الوصف مثل كلمة دخان، فسبحان الذي أنزلها في كتابه من قبل ألف وأربعمائة من السنين.

وقد تكونت من تلك الجسيمات الأولية للمادة في الدخان الكوني الأولي نوى ذرات غازي الإيدروجين والهيليوم، وبعد ذلك وصلت إلى الحد الذي يسمح بتكوين ذرات ثابتة لعناصر أكبر وزنًا وذلك باتحاد نوى ذرات الإيدروجين والهيليوم. وظل هذا الدخان المعتم محتويًا على ذرات العناصر التي خلق منها بعد ذلك كُلاٌّ من الأرض والسماء.

وتفيد الدراسات النظرية أن الكون في حالته الدخانية كان يتميز بقدر من التجانس مع تفاوت بسيط في كل من الكثافة ودرجات الحرارة بين منطقة وأخرى، وذلك نظرًا لبدء تحول أجزاء من ذلك الدخان بتقدير من الله تعالى إلى مناطق تتركز فيها كميات كبيرة من كل من المادة والطاقة على هيئة السدم.

ولما كانت الجاذبية في تلك المناطق تتناسب تناسبًا طرديٌّا مع كَمّ المادة والطاقة المتمركزة فيها، فقد أدى ذلك إلى مزيد من تكدس المادة والطاقة والذي بواسطته بدا تخلُّق النجوم وبقية أجرام السماء في داخل تلك السدم، وتكونت النجوم في مراحلها الأولى من العناصر الحقيقية مثل الإيدروجين والهيليوم، والتي أخذت في التحول إلى العناصر الأعلى وزنًا بالتدرج مع بدء عملية الاندماج النووي في داخل تلك النجوم حسب كتلة كل منها.

تصوير الدخان الكوني

في الثامن من نوفمبر سنة 1989م أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية مركبة باسم مكتشف الخلفية الإشعاعية للكون ارتفعت إلى مدار حول الأرض يبلغ ارتفاعه ستمائة كيلومتر فوق مستوى سطح البحر، وذلك لقياس درجة حرارة الخلفية الإشعاعية للكون، وقياس كل من الكثافة المادية والضوئية والموجات الدقيقة في الكون المدرك، بعيدًا عن تأثير كل من السحب والملوثات في النطق الدنيا من الغلاف الغازي للأرض، وقام هذا القمر الصناعي المستكشف بإرسال قدر هائل من المعلومات وملايين الصور لآثار الدخان الكوني الأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم للكون، من على بعد عشرة مليارات من السنين الضوئية، وأثبتت تلك الصور أن هذا الدخان الكوني في حالة معتمة تمامًا تمثل حالة الإظلام التي سادت الكون في مراحله الأولى. ويقدر العلماء كتلة هذا الدخان المعتم بحوالي 90% من كتلة المادة في الكون المنظور، وكتب جورج سموت ـ أحد المسؤولين عن رحلة المستكشف ـ تقريرًا نشره سنة 1992م بالنتائج المستقاة من هذا العدد الهائل من الصور الكونية كان من أهمها الحالة الدخانية المتجانسة التي سادت الوجود عقب الانفجار الكوني العظيم، وكذلك درجة الحرارة المتبقية على هيئة خلفية إشعاعية أكدت حدوث ذلك الانفجار الكبير، وكان في تلك الكشوف أبلغ الرد على النظريات الخاطئة التي حاولت ـ من منطلقات الكفر والإلحاد ـ تجاوز الخلق، والجحود بالخالق ـ سبحانه وتعالى ـ فنادت كذبًا بديمومة الكون بلا بداية ولا نهاية من مثل نظرية الكون المستمر التي سبق أن أعلنها ودافع عنها كل من هيرمان بوندي وفريد هويل في سنة 1949م، ونظرية الكون المتذبذب التي نادى بها ريتشارد تولمان من قبل، فقد كان في إثبات وجود الدخان الكوني والخلفية الإشعاعية للكون بعد إثبات توسع الكون ما يجزم بأن كوننا مخلوق له بداية، ولابد أن ستكون له في يوم من الأيام نهاية، وقد أكدت الصور التي بثتها مركبة المستكشف للخلفية الإشعاعية والتي نشرت في أبريل 1992م كل تلك الحقائق ـ انتشار مختلف صور الطاقة بالكون.

تكوين نوى المجرات من الدخان الكوني كان الجرم الابتدائي للكون مفعمًا بالمادة والطاقة المكدسة تكديسًا رهيبًا يكاد ينعدم فيه الحجم إلى الصفر، وتتلاشى فيه كل أبعاد المكان والزمان، وتتوقف كل قوانين الفيزياء المعروفة لنا كما سبق وأن أشرنا (مرحلة الرتق)، وبعد انفجار هذا الجرم الأولي وبدء الكون في التوسع، تمدد الإشعاع وظل الكون مليئًا دومًا بالطاقة الكهرومغناطيسية، على أنه كلما تمدد الكون قل تركيز الطاقة فيه، ونقصت كثافته، وانخفضت درجة حرارته. وأول صورة من صور الطاقة في الكون هي قوة الجاذبية وهي قوى كونية بمعنى أن كل جسم في الكون يخضع لقوى الجاذبية حسب كتلته أو كمية الطاقة فيه، وهي قوى جاذبة تعمل عبر مسافات طويلة، وتحفظ للجزء المدرك من الكون بناءه وأبعاده ولعلها هي المقصودة بقول الحق ـ تبارك وتعالى:

(اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا..) الرعد: 2.

وقوله ـ عز من قائل: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) الحج: 65.

وقوله ـ سبحانه وتعالى: (وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تُخْرَجُونَ) الروم: 25.

وقوله ـ تبارك اسمه: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا...) لقمان: 10.

وقوله ـ تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) فاطر: 41. ويقسم ربنا ـ تبارك وتعالى ـ وهو الغني عن القسم في مطلع سورة الطور بـ (السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) وهذا القسم القرآني جاء بالسماء المرفوعة بغير عمد مرئية.

والصورة الثانية من صور الطاقة المنتشرة في الكون هي القوى الكهربائية/المغناطيسية أو الكهرومغناطيسية وهي قوى تعمل بين الجسيمات المشحونة بالكهرباء، وهي أقوى من الجاذبية بملايين المرات بحوالي (4110 مرات)، وتتمثل في قوى التجاذب بين الجسيمات التي تحمل شحنات كهربية مختلفة (موجبة وسالبة)، كما تتمثل في قوى التنافر بين الجسيمات الحاملة لشحنات كهربية متشابهة، وتكاد هذه القوى من التجاذب والتنافر يلغي بعضها بعضًا، وعلى ذلك فإن حاصل القوى الكهرومغناطيسية في الكون يكاد يكون صِفرًا، ولكن على مستوى الجزيئات والذرات المكونة للمادة تبقى هي القوى السائدة.

والقوى الكهرومغناطيسية هي التي تضطر الإليكترونات في ذرات العناصر إلى الدوران حول النواة بنفس الصورة التي تجبر فيها قوى الجاذبية الأرض (وغيرها من كواكب المجموعة الشمسية) إلى الدوران حول الشمس، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على وحدة البناء في الكون من أدق دقائقه إلى أكبر وحداته، وهو ما يشهد للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بالوحدانية المطلقة بغير شريك ولا شبيه ولا منازع.

ويصور الفيزيائيون القوى الكهرومغناطيسية على أنها تنتج من تبادل أعداد كبيرة من جسيمات تكاد تكون معدومة الوزن تسمى بالفوتونات والقوى الثالثة في الكون هي القوى النووية القوية وهي القوى التي تمسك باللبنات الأولية للمادة في داخل كل من البروتونات والنيوترونات في نواة الذرة، وهذه القوى تصل إلى أقصى قدرتها في المستويات العادية من الطاقة، ولكنها تضعف مع ارتفاع مستويات الطاقة باستمرار. والقوة الرابعة في الكون هي القوى النووية الضعيفة

وهي القوى المسؤولة عن عملية النشاط الإشعاعي وفي الوقت الذي تضعف فيه القوى النووية القوية في المستويات العليا للطاقة، فإن كُلاٌّ من القوى النووية الضعيفة والقوى الكهرومغناطيسية تقوى في تلك المستويات العليا للطاقة. وحدة القوى في الكون تخلق إحدى النجوم من الدخان الكوني يوحد علماء الفيزياء النظرية بين كل من القوى الكهرومغناطيسية، والقوى النووية القوية والضعيفة فيما يسمى بنظرية التوحد الكبرى والتي تعتبر تمهيدًا لنظرية أكبر توحد بين كافة القوى الكونية في قوة عظمى، واحدة تشهد لله الخالق بالوحدانية المطلقة، وعن هذه القوة العظمى انبثقت القوى الأربع المعروفة في الكون: قوة الجاذبية، القوة الكهرومغناطيسية وكل من القوتين النوويتين الشديدة والضعيفة مع عملية الانفجار الكوني الكبير مباشرة (الفتق بعد الرتق). وباستثناء الجاذبية فإن القوى الكونية الأخرى تصل إلى نفس المعدل عند مستويات عالية جدٌّا من الطاقة تسمى باسم الطاقة العظمى للتوحد.

ومن هنا فإن هذه الصور الثلاث للطاقة تُعَدّ ثلاثة أوجه لقوة واحدة، لا يستبعد انضمام الجاذبية إليها، باعتبارها قوة ذات مدى طويل جدٌّا، تتحكم في أجرام الكون وفي التجمعات الكبيرة للمادة ومن ثم يمكن نظريٌّا غض الطرف عنها من قبيل التبسيط عندما يقصر التعامل على الجسيمات الأولية للمادة، أو حتى مع ذرات العناصر.

وهذه الصورة من وحدة البناء في الكون، ووحدة صور الطاقة فيه، مع شيوع الزوجية في الخلق ـ كل الخلق ـ هي شهادة الكون لخالقه ـ سبحانه وتعالى ـ بالتفرد بالوحدانية المطلقة فوق كافة خلقه بغير شبيه ولا شريك ولا منازع، وصدق الله العظيم إذ يقول: (وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) الذاريات: 49. ويقول: (لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون) الأنبياء: 22. وسبحانه وتعالى إذ أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴿11﴾ فصلت.

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 4.66)
فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
الإعجاز بالقرآن

فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (الواقعة:75،76)

تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.orgونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة-----------------------

د. زغلول النجار

في هاتين الآيتين الكريمتين يقسم ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ وهو الغني عن القسم ـ بمواقع النجوم‏,‏ ثم يأتي جواب القسم‏:‏ (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الواقعة: 77 ـ 80) 

والمعني المستفاد من هذه الآيات الكريمة أن الله تعالى يخبرنا بقوله ‏ـ‏ عز وجل‏ ـ:‏ أقسم قسماً مغلظاً بمواقع النجوم ـ وأن هذا القسم جليل عظيم ـ لو كنتم تعرفون قدره ـ أن هذا القرآن كتاب كريم‏,‏ جمع الفوائد والمنافع‏,‏ لاشتماله على أصول الدين من العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات‏,‏ وغير ذلك من أمور الغيب وضوابط السلوك وقصص الأنبياء وأخبار الأمم السابقة والعبر المستفادة منها‏,‏ وعدد من حقائق ومظاهر الكون الدالة على وجود الله وعلى عظيم قدرته‏,‏ وكمال حكمته وإحاطة علمه‏.‏

ويأتي جواب القسم‏:‏ أن الله تعالى قد تعهد بحفظ هذا الوحي الخاتم في كتاب واحد مصون بقدرة الله ‏‏تعالى‏,‏ محفوظ بحفظه من الضياع أو التبديل والتحريف‏,‏ وهو المصحف الشريف‏,‏ الذي لا يجوز أن يمسه إلا المطهرون من جميع صور الدنس المادي‏ (أي المتوضئون الطاهرون‏),‏ ولا يستشعر عظمته وبركته إلا المؤمنون بالله‏,‏ الموحدون لذاته العليا‏,‏ المطهرون من دنس الشرك‏,‏ والكفر‏,‏ والنفاق‏,‏ ورذائل الأخلاق‏,‏ لأن هذا القرآن الكريم هو وحي الله الخاتم‏,‏ المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين ـ  صلي الله عليه وسلم‏ ـ،‏ وهو معجزته الخالدة إلى يوم الدين‏,‏ أنزله الله تعالى بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وربنا ـ سبحانه وتعالى ـ وهو الإله الخالق‏,‏ رب السماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ وقيوم الكون ومليكه ـ سبحانه وتعالى‏ ـ، يقول‏ عز وجل: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الواقعة: 75 ـ 80)

لماذا القسم بمواقع النجوم وليس بالنجوم ذاتها؟

هذا القسم القرآني المغلظ جاء بمواقع النجوم وليس بالنجوم ذاتها، علما بأن النجوم من أعظم صور إبداع الله في الكون، وفي هذا القسم نلاحظ أن (الفاء) حرف عطف‏,‏ يُعطف بها فتدل على الترتيب والتعقيب مع الاشتراك‏,‏ أو يكون ما قبلها علة لما بعدها‏,‏ وتجري على العطف والتعقيب دون الاشتراك‏,‏ وقد تكون للابتداء‏,‏ ويكون ما بعدها حينئذ كلاماً مستأنفا‏ً,‏ وأغلب الظن أنها هنا للابتداء‏.‏

و (لا) أحد حروف الهجاء، اعتبرها نحاة البصريين حرفاً زائداً في اللفظ لا في المعني‏,‏ بينما اعتبرها نحاة الكوفيين اسماً لوقوعها موقع الاسم‏,‏ خاصة إذا سُبقت بحرف من حروف الجر‏,‏ وهي تأتي نافية للجنس‏,‏ أو ناهية عن أمر‏,‏ أو جوابية لسؤال‏,‏ أو بمعني: غير، أو زائدة‏,‏ وتارة تعمل عمل إن‏,‏ أو عمل ليس‏,‏ أو غير ذلك من المعاني‏.‏

ومن أساليب اللغة العربية إدخال لا النافية للجنس على فعل القسم‏:‏ لا أقسم من أجل المبالغة في توكيد القسم‏,‏ بمعني أنه لا يقسم بالشيء إلا تعظيماً له‏,‏ كأنهم ينفون ما سوى المقسم عليه فيفيد تأكيد القسم به‏,‏ وقيل‏:‏ هي للنفي‏,‏ بمعني لا أقسم به إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أصلاً فضلا عن هذا القسم العظيم‏.‏

ومواقع النجوم هي الأماكن التي تمر بها في جريها عبر السماء وهي محتفظة بعلاقاتها المحددة بغيرها من الأجرام في المجرة الواحدة‏,‏ وبسرعات جريها ودورانها‏,‏ وبالأبعاد الفاصلة بينها‏,‏ وبقوى الجاذبية الرابطة بينها‏,‏ واللفظة: مواقع جمع موقع يقال‏:‏ وقع الشيء موقعه‏,‏ من الوقوع بمعنى السقوط‏.‏

والمسافات بين النجوم مذهلة للغاية لضخامة أبعادها‏,‏ وحركات النجوم عديدة وخاطفة‏,‏ وكل ذلك منوط بالجاذبية‏,‏ وهي قوة لا تُري‏,‏ تحكم الكتل الهائلة للنجوم‏,‏ والمسافات الشاسعة التي تفصل بينها‏,‏ والحركات المتعددة التي تتحركها من دوران حول محاورها وجري في مداراتها المتعددة‏,‏ وغير ذلك من العوامل التي نعلم منها ولا نعلم...!!! 

وهذا القَسم القرآني العظيم بمواقع النجوم يشير إلى سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى إحدى حقائق الكون المبهرة‏,‏ والتي مؤداها أنه نظراً للأبعاد الشاسعة التي تفصل نجوم السماء عن أرضنا‏,‏ فإن الإنسان على هذه الأرض لا يري النجوم أبدا‏ً,‏ ولكنه يري مواقع مرت بها النجوم ثم غادرتها‏,‏ وفوق ذلك أن هذه المواقع كلها نسبية‏,‏ وليست مطلقة‏,‏لأن الضوء كأي صورة من صور المادة والطاقة لا يستطيع أن يتحرك في صفحة السماء إلا في خطوط منحنية، وعين الإنسان لا ترى إلا في خطوط مستقيمة وعلى ذلك فإن الناظر إلى النجم من فوق سطح الأرض يراه على استقامة آخر نقطة انحنى ضوؤه إليها، فيرى موقعا وهميا للنجم غير الموقع الذي انبثق منه ضوءه، فنظرا لانحناء الضوء في صفحة  السماء فإن النجوم تبدو لنا في مواقع ظاهرية غير مواقعها الحقيقية، ليس هذا فقط بل إن الدراسات الفلكية الحديثة قد أثبتت أن نجوماً قديمة قد خبت أو تلاشت منذ أزمنة بعيدة‏,‏ والضوء الذي انبثق منها في عدد من المواقع التي مرت بها لا يزال يتلألأ في ظلمة السماء في كل ليلة من ليالي الأرض إلى اليوم الراهن‏,‏ ومن هنا كان هذا القسم القرآني بمواقع النجوم‏,‏ وليس بالنجوم ذاتها ـ على عظم قدر النجوم ـ التي كشف العلم عنها أنها أفران كونية عجيبة يخلق الله‏‏ تعالى‏ لنا فيها كل صور المادة والطاقة التي ينبني منها هذا الكون المدرك‏، ثم إن عدد ما أحصاه علماء الفلك من النجوم في الجزء المدرك من السماء الدنيا إلى يومنا هذا تعدى سبعين مليار تريليون نجم.‏  

ماهية النجوم 

النجوم هي أجرام سماوية منتشرة بالسماء الدنيا‏,‏ كروية أو شبه كروية‏,‏ غازية‏,‏ ملتهبة‏,‏ مضيئة بذاتها‏,‏ متماسكة بقوة الجاذبية على الرغم من بنائها الغازي‏,‏ هائلة الكتلة‏,‏ عظيمة الحجم‏,‏ عالية الحرارة بدرجة مذهلة‏,‏ وتشع موجات كهرومغناطيسية على هيئة كل من الضوء المرئي وغير المرئي بجميع موجاته‏.‏ ويمكن بدراسة ضوء النجم الواصل إلينا التعرف على العديد من صفاته الطبيعية والكيميائية من مثل درجة لمعانه‏,‏ شدة إضاءته‏,‏ درجة حرارته‏,‏ حجمه‏,‏ متوسط كثافته، كتلته‏,‏تركيبه الكيميائي، ومستوى التفاعلات النووية فيه، موقعه منا‏,‏ سرعة دورانه حول محوره‏,‏ وسرعة جريه في مداره‏,‏ وسرعة تباعده عنا أو اقترابه منا، إلى غير ذلك من صفات‏.‏

وقد أمكن تصنيف النجوم العادية على أساس من درجة حرارة سطحها إلى نجوم حمراء ‏(3200‏ درجة مطلقة‏)‏ وهي أقلها حرارة‏,‏ إلى برتقالية‏,‏ وصفراء‏,‏ وبيضاء مائلة إلى الصفرة‏,‏ وبيضاء‏,‏ وبيضاء مائلة إلى الزرقة‏,‏ وزرقاء ‏(30,000‏ درجة مطلقة‏)‏ وهي أشدها حرارة‏,‏ وشمسنا من النجوم الصفراء متوسطة الحرارة إذ تبلغ درجة حرارة سطحها حوالي ستة آلاف درجة مطلقة‏، وتعرف باسم النجوم العادية.‏

والغالبية الساحقة من النجوم ‏(90%)‏ تتبع هذه الأنواع من النجوم العادية التي تعرف باسم نجـوم النسـق الأسـاسي(The Main Sequence Stars) ، ‏والباقي هي نجوم في مراحل الانكدار أو الطمس أو في مراحل الانفجار,‏ من مثل الأقزام البيضاء‏,‏ النجوم النيوترونية (‏النابضة وغير النابضة‏)‏ والثقوب السود من مجموعة النجوم المنكدرة والمطموسة، والعمالقة الحمر‏,‏ والعمالقة العظام‏,‏ والنجوم المستعرة‏ (المستعمرات), والنجوم المستعرة العظمى من مجموعة النجوم المتفجرة. وأكثر النجوم العادية لمعاناً هي أعلاها كثافة‏,‏ وبعضها يصل في كتلته إلى مائة مرة قدر كتلة الشمس‏,‏ وتشع قدر إشعاع الشمس ملايين المرات‏.

وأقل نجوم السماء لمعاناً هي الأقزام الحمر(The Red Dwarfs) ‏ وتبلغ درجة لمعانها أقل من واحد من الألف من درجة لمعان الشمس (وعلى ذلك فهي تدخل في نطاق النجوم المنكدرة)‏.‏ وأقل كتلة لجرم سماوي يمكن أن تتم بداخله عملية الاندماج النووي فيسلك مسلك النجوم هو ‏8%‏ من كتلة الشمس ‏(المقدرة بحوالي ألفي مليون مليون مليون مليون طن‏),‏ والنجوم بمثل هذه الكتل الصغيرة‏ نسبيًا هي من النجوم المنكدرة من أمثال النجوم البنية القزمة أو ما يعرف باسم الأقزام البنية (The Brown Dwarfs) ‏. 

والنجوم تمر بمراحل من الميلاد والشباب والشيخوخة قبل أن تنفجر أو تتكدس على ذاتها فتنكدر أو تطمس طمسًا  جزئيًا أو كاملاً ,‏ فهي تولد من الدخان الكوني بتكدس هذا الدخان على ذاته ‏(‏بإرادة الخالق سبحانه وتعالى‏)‏ وبفعل الجاذبية، فتتكون نجوم ابتدائية (Prostars)،‏ ثم تتحول هذه النجوم الابتدائية إلى النجوم العادية (The Main Sequence Stars)،‏ ثم تنتفخ متحولة إلى العماليق الحمر (The Red Giants)، فإذا فقدت العماليق الحمر هالاتها الغازية تحولت إلى ما يعرف باسم السدم الكوكبية(The Planetary Nebulae)، ثم تنكمش على هيئة ما يعرف باسم الأقزام البيض  (The White Dwarfs)، وقد تتكرر عملية انتفاخ القزم الأبيض إلى عملاق أحمر ثم العودة إلى القزم الأبيض عدة مرات‏,‏ وتنتهي هذه الدورة بالانفجار على هيئة مستعر أعظم من الطراز الأول (Type I Supernova Explosion)‏، أما إذا كانت الكتلة الابتدائية للنجم العادي كبيرة‏ (عدة مرات قدر كتلة الشمس‏)‏ فإنه ينتفخ في آخر عمره على هيئة العمالقة الكبار (The Supergiants), ثم ينفجر على هيئة مستعمر أعظم من الطراز الثاني  (Type II Super nova Explosion), ‏ فينتج عن هذا الانفجار النجوم النيوترونية النابضة(The Pulsating Neutron Stars or The Pulsars)، وغير النابضة (The Non- Pulsating Neutron Stars) أو الثقوب السود (The Black Holes) ‏ أو ما نسميه باسم النجوم الخانسة الكانسة (كما سماها خالقها في القرآن الكريم) وذلك حسب الكتلة الابتدائية للنجم‏.‏

والنجوم العادية منها المفرد‏ (The Solitary Stars) (‏ مثل شمسنا‏)‏، والنجوم المزدوجة (The Binary Stars)،‏ ومنها النجوم المتعددة (The Multiple Stars) ، وتشير الدراسات الفلكية إلى أن أغلب النجوم مزدوجة أو متعددة‏,‏ والنجوم المزدوجة تتشكل من نجمين يدوران في مدار واحد حول مركز ثقلــــهماTheir Common Center of Mass)) ‏ ومن النجوم المزدوجة ما يمكن أن يتقارب فيها النجمان من بعضهما البعض بحيث لا يمكن فصلهما إلا عن طريق فصل أطياف الضوء المنبثق من كل منهما بواسطة المطياف الضوئي (The Spectroscope)، ‏ومن هذه النجوم المزدوجة ما يمكن أن يخفي أحدهما الآخر لدرجة الكسوف الكلي‏ لأحدهما فلا يرى.‏ 

والنجوم أفران كونية عملاقة، يتم في داخلها سلاسل من التفاعلات النووية التي تعرف باسم عملية الاندماج النووي(The Process of Nuclear Fusion)‏ وهي عملية يتم بواسطتها اندماج نوي ذرات الإيدروجين ‏(‏أخف العناصر المعروفة‏)‏ لتكون نوي الذرات الأثقل بالتدريج وتنطلق الطاقة التي تزيد من درجة حرارة النجم حتى يتحول إلى ما يعرف باسم النجم المستعر(The Nova) ‏ والعملاق الأحمر ‏(The Red Giant)، ‏ أو النجم العملاق الأعظم (The Supergiant)، وحينما يتحول قلب النجم المستعر إلى حديد تستهلك طاقة النجم‏,‏ وتتوقف عملية الاندماج النووي فيه‏,‏ وينفجر النجم فيتحول إما إلى قزم أبيض‏,‏ أو إلى نجم نيوتروني أو إلى ثقب أسود حسب كتلته الابتدائية، فينكدر النجم أو يطمس ضوؤه طمسًا كاملاً‏.

‏وعند انفجار النجوم تتناثر أشلاؤها ـ ومنها الحديد ـ في صفحة السماء‏,‏ فيبدأ بعض هذا الحديد في اصطياد الجسيمات الأولية للمادة لتكوين العناصر الأعلى في وزنها الذري من الحديد بالتدريج‏، أو قد توجهه الإرادة الإلهية إلى أحد أجرام السماء التي تحتاج إلى الحديد أو إلى غيره من العناصر الأعلى في وزنها الذري.‏

الشمس نجم عادي من نجوم السماء الدنيا 

الشمس هي النجم الذي تتبعه أرضنا فتدور حولها مع باقي أفراد المجموعة الشمسية‏,‏ وتدور معه حول مركز المجرة‏,‏ ومع المجرة حول مراكز أعلى بالتدريج إلى نهاية لا يعلمها إلا الله ـ سبحانه وتعالىـ. والشمس هي أقرب نجوم السماء إلينا‏,‏ ويقدر بُعدها عنا بحوالي مائة وخمسين مليونًا من الكيلومترات‏,‏ ويقدر نصف قطرها بحوالي سبعمائة ألف كيلو متر‏، وتقدر كتلتها بحوالي ألفي مليون مليون مليون مليون طن‏، ومتوسط كثافتها ‏(1.41 ‏جرام للسنتيمتر المكعب‏)‏ أي أعلى قليلاً من كثافة الماء‏,‏ ونظرًا لبعدها الشاسع عنها تبدو الشمس لنا قرصًا صغيرًا في السماء على الرغم من أن حجمها يزيد عن مليون ضعف حجم الأرض. وتقدر درجة حرارة لب الشمس بحوالي ‏15 مليون درجة مطلقة، ودرجة حرارة سطحها بحوالي ستة آلاف درجة مطلقة ‏(5800‏ درجة مطلقة‏)‏ بينما تصل درجة الحرارة في هالة الشمس ‏(‏ أي إكليلها)‏ إلى مليوني درجة مطلقة‏,‏ وهذه الدرجات العالية من الحرارة‏,‏ والانخفاض الشديد في كثافة مادة الشمس لا يسمحان للإنسان من على سطح الأرض برؤية الشمس بالعين المجردة‏,‏ ولا باستخدام المناظير المقربة إلا إذا احتجبت الكرة المضيئة للشمس (Photosphere)‏ احتجابًا  كاملا بالكسوف الكلي للشمس، أو بواسطة عدد من الطرق المختبرية المختلفة‏,‏ والكثافة في مركز الشمس تتراوح بين 90 و 200 جرامًا للسنتيمتر المكعب,‏ وتتناقص في اتجاه سطح الشمس لتصبح جزءا من عشرة ملايين من الجرام للسنتيمتر المكعب‏.‏

وتنتج الطاقة في الشمس أساسًا من تحول الإيدروجين إلى هيليوم بعملية الاندماج النووي‏,‏ وان كانت العملية تستمر بمعدلات بسيطة لتنتج بعض العناصر الأعلى في وزنها الذري وتتكون الشمس بنسبة ‏70%‏ إيدروجين‏, 28%‏ هيليوم‏, 2%‏ عناصر أخري‏,‏ والشمس هي المصدر الأساسي للطاقة على سطح الأرض.‏

ونظرا لأن غالبية جسم الشمس غازي لا تمسك به إلا الجاذبية الشديدة، فإن دورانها حول محورها يتم بطريقة جزئية‏,‏ قلب الشمس ‏(‏حوالي ثلث قطرها‏)‏ يدور كجسم صلب يتم دورته في5.36‏ يوم من أيام الأرض تقريبًا‏,‏ بينما الكرة الغازية المحيطة بذلك اللب ‏(‏وسمكها حوالي ثلثي نصف قطر الشمس‏)‏ يتم دورته حول مركز الشمس في حوالي ‏24‏ يومًا من أيام الأرض، و على ذلك فان متوسط سرعة دوران الشمس حول محورها يقدر بحوالي ‏27‏ وثلث يوم من أيامنا‏.‏

وتجري الشمس ‏(‏ومعها مجموعتها الشمسية‏)‏ في صفحة الكون بسرعة تقدر بحوالي ‏19‏ كيلو متر في الثانية نحو نقطة في كوكبة هرقل بالقرب من نجم النسر الواقع ‏(Vega)‏ وهي تسمي علميا باسم قمة الشمس‏,‏ ولعلها هي ما يسميها خالقها ـ سبحانه وتعالى ـ في محكم كتابه (مستقر الشمس)، كما تجري الشمس‏ (‏ومعها مجموعتها الشمسية) بسرعة تقدر بحوالي‏220‏ كيلو مترا في الثانية حول مركز مجرتنا ‏(‏درب اللبانة‏)‏ لتتم هذه الدورة في ‏225‏ مليون سنة‏ من سنين الأرض.‏ وأقرب كواكب المجموعة الشمسية إلى الشمس (وهو كوكب عطارد) يبعد عنها بحوالي ‏58‏ مليون كيلو متر‏,‏ وأبعدها عن الشمس (وهو كوكب بلوتو) يبعد عنها بحوالي ستة آلاف مليون كيلومتر‏. ويعتقد حسابيًا أن هناك كوكب أبعد من (بلوتو) ولكن لم يتم رصده بعد.‏

وإذا خرجنا عن نطاق المجموعة الشمسية فإن هذه المقاييس الأرضية لا تفي بقياس المسافات التي تفصل بقية نجوم السماء الدنيا عنا‏,‏ فاتفق العلماء على وحدة قياس كونية تعرف باسم السنة الضوئية‏,‏ وهي المسافة التي يقطعها الضوء بسرعته‏ المقدرة بحوالي الثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية‏‏ في سنة من سنينا‏,‏ وهي مسافة مهولة تقدر بحوالي ‏9.5‏ مليون مليون كيلو متر‏.‏ 

أبعاد النجوم عن أرضنا 

اكتشف علماء الفلك أن أقرب النجوم إلينا بعد الشمس هو نجم يعرف باسم النجم المركزي الأول (أو الأقرب القنطوري  (Alpha Centaurus)‏ ويبعد عنا بمسافة ‏4.3‏ من السنين الضوئية‏,‏ بينما يبعد عنا النجم القطبي بحوالي ‏400‏ سنة ضوئية‏,‏ ويبعد عنا منكب الجوزاء مسافة ‏1600‏ سنة ضوئية‏,‏ وأبعد نجوم مجرتنا ‏(‏درب اللبانة‏)‏ يبعد عنا بمسافة ثمانين ألف سنة ضوئية‏. ‏ومجموعتنا الشمسية عبارة عن واحدة من حشد هائل للنجوم على هيئة قرص مفرطح يبلغ قطره مائة ألف سنة ضوئية‏,‏ وسمكه نحو عشر ذلك‏,‏ وتقع مجموعتنا الشمسية على بعد ثلاثين ألف سنة ضوئية من مركز المجرة‏,‏ وعشرين ألف سنة ضوئية من أقرب أطرافها‏.‏

وتحتوي مجرتنا ‏(‏ درب اللبانة أو الطريق اللبني) ‏(The Milky Way) تحتوي على تريليون ‏(‏مليون مليون‏)‏ نجم‏,‏ وبالجزء المدرك من السماء الدنيا مائتي ألف مليون مجرة على الأقل‏,‏ تسبح في ركن من السماء الدنيا يقدر قطرة بأكثر من عشرين ألف مليون سنة ضوئية‏.‏ وأقرب المجرات إلينا تعرف باسم سحب ماجيلان Magellanic Clouds) (The وهي تبعد عنا بمسافة مائة وخمسين ألف سنة ضوئية‏.‏ 

المجرات هي تجمعات للنجوم 

المجرات هي نظم كونية شاسعة الاتساع تتكون من التجمعات النجمية والغازات والغبار الكونيين ‏(‏الدخان الكوني‏)‏ بتركيز يتفاوت من موقع لآخر في داخل المجرة‏.‏ وهذه التجمعات النجمية تضم عشرات البلايين إلى بلايين البلايين من النجوم في المجرة الواحدة‏,‏ وتختلف نجوم المجرة في أحجامها‏,‏ ودرجات حرارتها‏,‏ ودرجات لمعانها‏,‏ وفي غير ذلك من صفاتها الطبيعية والكيميائية‏,‏ وفي مراحل دورات حياتها‏ وأعمارها‏,‏ فمنها النجوم العادية المفردة‏,‏ والمزدوجة‏,‏ والعديدة‏,‏ والعماليق الكبار، والأقزام الحمر‏,‏ والنجوم القزمة البيضاء والبنية والسوداء‏,‏ والنجوم النيوترونية‏,‏ والثقوب السود‏,‏ وأشباه النجوم وغيرها مما يتخلق باستمرار من الدخان الكوني ويُفنى إليه‏.‏

ومن المجرات ما هو حلزوني الشكل‏,‏ ومنها ما هو بيضاني‏(‏ إهليلجي‏),‏ ومنها ما هو غير محدد الشكل‏,‏ ومنها ما هو أكبر من مجرتنا كثيرًا‏,‏ ومنها ما هو في حجمها أو أصغر منها‏,‏ وتتبع مجرتنا ما يعرف باسم المجموعة المحلـيـة  (The Local Group)‏ وهي عبارة عن تجمع محلي لعدد من المجرات، وقد يتجمع عدد أكبر من المجرات على هيئة أكبر تعرف باسم عنقود مجري ‏(Galactic Cluster)‏ كما قد يتجمع عدد من العناقيد المجرية على هيئة عنقود مجري عملاق  (Galactic Supercluster)‏ يضم عشرات الآلاف من المجرات‏.‏

وتتراوح المجرات في شدة إضاءتها بين سحب ماجلان العظيمة‏,‏ وعدد من النقاط الباهتة التي لا تكاد أن تدرك بأكبر المقاريب ‏(‏ المناظير المقربة‏),‏ وتقع أكثر المجرات ضياء في دائرة عظمى تحيط بنا في اتجاه عمودي تقريبا على مستوى مجرتنا‏,‏ وتتراوح المسافات بين المجرات في التجمع المجري الواحد بين المليون والمليونين من السنين الضوئية‏,‏ وتبلغ مائة مرة ضعف ذلك بين التجمعات المجرية التي تعتبر وحدة بناء السماء الدنيا‏.‏

وبالإضافة إلى المجرات وتجمعاتها المختلفة في الجزء المدرك من السماء الدنيا فإننا نري السدم ‏(The Nebulae) ‏، وهي أجسام دخانية عملاقة بين النجوم وقد تتخلق بداخلها النجوم، وعلى ذلك فمن السدم ما هو مضيء وما هو معتم‏.‏

أشباه النجوم 

وهناك أشباه النجوم (Quasars) ‏وهي أجسام سماوية ضعيفة الإضاءة‏,‏ ولكنها تطلق أقوي الموجات الراديوية في السماء الدنيا‏,‏ وقد اشتق اسمها باللغة الانجليزية من الوصف ‏(The Quasi-Srellar Radio Sources)‏ أي أشباه النجوم المصدرة للموجات الراديوية‏,‏ وإن كان منها ما لا يصدر موجات راديوية (The Radio-quiet Quasi Stellar Objects) ـ وهي أجرام سماوية تتباعد عنا بسرعات فائقة‏,‏ وتعتبر أبعد ما تم رصده من أجرام السماء إلى الآن بالنسبة للأرض‏.‏ وتبدو أنها حالة خاصة من حالات المادة غير معروفة لنا‏,‏ وتقدر كتلة شبيه النجوم بحوالي مائة مليون ضعف كتلة الشمس‏,‏ وتبلغ كثافته واحدًا على البليون من الطن للسنتيمتر المكعب ‏(‏واحد على ألف مليون مليون من الجرام للسنتيمتر المكعب‏),‏ وتبلغ الطاقة الناتجة عنه مائة مليون مليون مرة قدر طاقة الشمس‏.‏ وقد تم الكشف عن حوالي‏1500‏ من أشباه النجوم على أطراف الجزء المدرك من الكون‏,‏ وكشفت دراستها بواسطة المقربات الراديوية عن عدد من المفاجآت الفلكية المذهلة‏,‏ ويتوقع الفلكيون وجود آلاف من هذه الأجرام السماوية العجيبة‏.‏

من أسباب القسم بمواقع النجوم 

هذه الصفات المذهلة للنجوم تركها القسم القرآني وركز على مواقع النجوم فقال سبحانه وتعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)  

ولعل من أسباب ذلك ما يلي‏:‏ 

أولا‏:‏ أنه نظرًا للأبعاد الشاسعة التي تفصل نجوم السماء عنا‏ فإنه لا يمكن لنا رؤية النجوم من على سطح الأرض أبدًا‏,‏ ولا بأية وسيلة مادية‏,‏ وكل الذي نراه من نجوم السماء هو مواقعها التي مرت بها ثم غادرتها‏,‏ إما بالجري في الفضاء الكوني بسرعات مذهلة‏,‏ أو بالانفجار والاندثار‏,‏ أو بالانكدار والطمس‏.‏ فالشمس وهي أقرب نجوم السماء إلينا تبعد عنا بمسافة مائة وخمسين مليون كيلومتر‏,‏ فإذا أنبثق منها الضوء بسرعته المقدرة بحوالي الثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية من موقع معين مرت به الشمس فإن ضوءها يصل إلى الأرض بعد ثماني دقائق وثلث دقيقة تقريبا‏,‏ بينما تجري الشمس بسرعة تقدر بحوالي ‏19‏ كيلومترا في الثانية في اتجاه نجم النسر الواقع ‏(Vega)‏ فتكون الشمس قد تحركت لمسافة لا تقل عن عشرة آلاف كيلومتر عن الموقع الذي انبثق منه الضوء‏، ونحن لا نرى ضوءها إلا على هيئة صورة وهمية للموقع الذي انبثق منه الضوء الذي رأيناه، وهذا من رحمة الله بنا لأن الإنسان إذا نظر إلى النجم بطريقة مباشرة فإنه يفقد بصره في الحال.

وأقرب النجوم إلينا بعد الشمس وهو المعروف باسم النجم المركزي الأول (أو الأقرب القنطوري) يصل إلينا ضوؤه بعد ‏4,3‏ سنة من انطلاقه من النجم‏,‏ أي بعد أكثر من خمسين شهرًا يكون النجم قد تحرك خلالها ملايين عديدة من الكيلومترات‏,‏ بعيدًا عن الموقع الذي صدر منه الضوء‏,‏ وهكذا فنحن من على سطح الأرض لا نري النجوم أبدًا‏,‏ ولكننا نري صورا قديمة للنجوم انطلقت من مواقع مرت بها‏,‏ وتتغير هذه المواقع من لحظة إلى أخرى بسرعات تتناسب مع سرعة تحرك النجم في مداره‏,‏ ومعدلات توسع الكون‏,‏ وتباعد المجرات عنا‏,‏ والتي يتحرك بعض منها بسرعات تقترب أحيانا من ثلاثة أرباع سرعة الضوء‏,‏ وأبعد نجوم مجرتنا عنا يصلنا ضوءه بعد ثمانين ألف سنة من لحظة انبثاقه من النجم‏,‏ بينما يصلنا ضوء بعض النجوم البعيدة عنا بعد بلايين السنين‏,‏ وهذه المسافات الشاسعة مستمرة في الزيادة مع الزمن نظرًا لاستمرار تباعد المجرات عن بعضها البعض بسبب اتساع الكون‏.‏ ومن النجوم التي تتلألأ أضواؤها في سماء ليل الأرض وما ثبت علميًا أنه قد انفجر وتلاشي، أو طمس واختفي منذ ملايين السنين‏,‏ لأن آخر شعاع انبثق منها قبل انفجارها أو طمسها لم يكن قد وصل إلينا بعد‏,‏ والضوء القادم منها اليوم يعبر عن ماض قد يقدر بملايين السنين‏.‏

ثانيًا‏:‏ ثبت علميًا أن الضوء مثل المادة ينحني أثناء مروره في مجال تجاذبي مثل الكون‏,‏ وعليه فإن موجات الضوء تتحرك في صفحة السماء الدنيا في خطوط منحنية يصفها القرآن الكريم (بالمعارج)‏,‏ ويصف الحركة ذاتها (بالعروج)‏,‏ وهو الانعطاف والخروج عن الخط المستقيم‏,‏ كما يمكن أن يفيد الصعود في خط منعطف‏,‏ ومن هنا كان وصف رحلة المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ في السماوات العلا (بالعروج)‏,‏ وسميت الليلة باسم (المعراج) والجمع (معارج) و (معاريج)‏.‏ وحينما ينعطف الضوء الصادر من النجم في مساره إلى الأرض فإن الناظر من الأرض يرى موقعا للنجم على استقامة بصره‏,‏ وهو موقع يغاير موقعه الذي صدر منه الضوء‏,‏ مما يؤكد مرة أخرى أن الإنسان من فوق سطح الأرض لا يمكنه أن يري النجوم أبدا‏.‏ 

ثالثًا‏:‏ أن النجوم في داخل المجرة الواحدة مرتبطة مع بعضها بالجاذبية المتبادلة بينها‏,‏ والتي تحكم مواقع النجوم وكتلها‏,‏ فمع تسليمنا بأن الله تعالى هو الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا كما أخبرنا سبحانه وتعالى بقوله‏:‏(إن اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا  غَفُورًا) (فاطر:41).

‏ويقول ربنا عز وجل‏:‏ (... وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (الحج:65).

إلا أن الله تعالى له سننه التي يحقق بها مشيئته ـ وهو القادر على أن يقول للشيء‏:‏ (كن فيكون) وهو ـ تعالى ـ وضع للكون هذه السنن المتدرجة لكي يستطيع الإنسان فهمها ويتمكن من توظيفها في حسن القيام بواجب الاستخلاف في الأرض‏,‏ فمواقع النجوم على مسافات تتناسب تناسبًا طرديًا مع كتلها، ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بقوى الجاذبية التي تمسك بها في تلك المواقع، وتحفظ السماء أن تقع على الأرض إلا بإذن الله، ومن هنا كانت قيمة مواقع النجوم التي كانت من وراء هذا القسم القرآني العظيم‏...!!‏ 

رابعًا‏:‏ أثبتت دراسات الفلك‏,‏ ودراسات كل من الفيزياء الفلكية والنظرية أن الزمان والمكان شيئان متواصلان‏,‏ ومن هنا كانت مواقع النجوم المترامية الأبعاد تعكس أعمارها الموغلة في القدم‏,‏ والتي تؤكد أن الكون الذي نحيا فيه ليس أزليًا‏,‏ إذ كانت له بداية يحددها الدارسون باثني عشر بليونًا من السنين على أقل تقدير‏,‏ ومن هنا كان في القسم بمواقع النجوم إشارة إلى قدم الكون مع حدوثه‏,‏ وهي حقائق لم يتوصل إليها العلم المكتسب إلا بنهاية القرن العشرين‏.‏

فقد كان اليونانيون القدامى يصرون على أن الأرض هي مركز الكون‏,‏ أو أن الشمس هي مركز الكون‏,‏ وأن كليهما ثابت لا يتحرك‏,‏ غير متصورين وجود أية بنية سماوية إلا حول الشمس‏,‏ وكان غيرهم من أصحاب المدنيات السابقة واللاحقة يؤمنون بديمومة الأرض والنجوم‏,‏ وما بها من صور المادة والطاقة‏,‏ بل ظل الغربيون إلى أوائل القرن الثامن عشر الميلادي يؤمنون بأن النجوم مثبتات بالسماء‏,‏ وأن السماء بنجومها تتحرك كقطعة واحدة حول الأرض‏,‏ وأن الكون في مركزه ثابت غير متحرك‏,‏ ومكون من عناصر أربعة هي التراب‏,‏ والماء‏,‏ والهواء والنار، وحول تلك الكرات الأربع الثابتة تتحرك السماوات‏..!!

‏ثم يأتي القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة من السنين ليقسم بمواقع النجوم هذا القسم العظيم‏,‏ مؤكدًا نسبية وأهمية وتعاظم تلك المواقع‏,‏ وأن الإنسان لا يمكن له رؤية النجوم من فوق الأرض‏,‏ وكل ما يمكن أن يراه هي مواقع مرت بها النجوم‏,‏ ويأتي العلم في نهاية القرن العشرين مؤكدا كل ذلك‏..!!‏

وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال المهم‏:‏ من الذي علم سيدنا محمدًا ـ صلي الله عليه وسلم ـ كل هذه المعارف العلمية الدقيقة لو لم يكن القرآن الذي أوحي إليه هو كلام الله الخالق‏..!!‏؟ ولماذا أشار القرآن الكريم إلى مثل هذه القضايا الغيبية التي لم يكن لأحد علم بها في زمان الوحي ولا لقرون متطاولة من بعد ذلك؟ لولا أن الله (تعالى) يعلم بعلمه المحيط أن الناس سوف يأتي عليهم زمان يدركون فيه تلك الحقيقة الكونية‏,‏ ثم يرجعون إلى كتاب الله فيقرأون فيه هذا القسم القرآني العظيم‏:‏ (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) فيشهدون بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته‏,‏ ويشهدون لهذا النبي الخاتم ـ صلي الله عليه وسلم ـ أنه كان موصولاً بالوحي‏,‏ ومعلمًا من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ وأنه عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم كان ـ بحق ـ كما وصفه ربنا سبحانه وتعالى‏:‏ (ومَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى *) (النجم‏:3‏ ـ ‏5).‏

وحينما يتم لهم ذلك تخر أعناقهم للقرآن خاضعين بسلاح العلم الكوني الذي كثيرًا ما استخدم من قبل ـ كذبًا وزورًا ـ لهدم الدين‏..‏ (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21).

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 4.33)

أسم القسم للمقالات

  • من قال ان الله محبة ؟
  • متى ترك إبراهيم حاران قبل أم بعد وفاة أبيه
  • القرآن والثالوث للمستشار محمد مجدى مرجان, شماس أسلم يدافع عن دين التوحيد
  • دفاعاً عن نبى الله لوط وابنتيه
  • حقيقة الروح القدس في الشرائع الألهية
  • الثالوث القدوس .. عند ثيوفيلس الأنطاكي 180 م
  • بحث عن الروح القدس التى تسمى الاقنوم الثالث
  • إله المحبة مستوجب نار جهنم؟
  • تابع:إله المحبة مستوجب نار جهنم؟
  • حقيقة الكفن المقدس بتورينو !
  • أسم القسم للمقالات

  • الرد على شبهة الكلمة التي قيلت للمتطهر من الزنا
  • التشكيك فى صحة الأحاديث والأستغناء عنها بالقرآن
  • الرد على : فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين
  • إبطال شبه الزاعمين الاكتفاء بالقرآن دون السنة
  • الرد على شبهة:إرضاع الكبير
  • الرد على : الداجن أكل القرآن
  • الرد على : الجنة تحت ظلال السيوف
  • الرد على : ثَلاَثَةِ أَحْجَار
  • الرد على شبهة الطاعنين فى حديث "خلوة النبى !!
  • الرد على شبهة الطاعنين فى حديث "اللهم فأيما مؤمن سببته ..
  • أسم القسم للمقالات

  • حكم تناول خميرة البيرة
  • هذه بضاعتنا: الإسلام دين المحبة والرحمة الحقيقيين - وسائل نشر المحبة فى دين الاس
  • هل هذا الحديث الشريف يثبت لاهوت المسيح كما يدعي النصارى؟
  • القتال في الإسلام ضوابط وأحكام
  • الرد على:الملائكة تلعن المرأة
  • الرد على مثنى وثلاث ورباع وما ملكت ايمانكم
  • الرد على : المرأة ضلع أعوج
  • حقيقة الجزية
  • رد شبهة المساواة بين المرأة و الكلب
  • الرد على : الموت هو كبش أملح يذبح يوم القيامة
  •   أسم القسم للمقالات

  • خرافات النصارى حول الحروف المقطعة بالقرأن الكريم
  • حقيقة استواء الرحمن على العرش وإلى السماء
  • نزول الله إلى السماء الدنيا بلا انتقال ولا تجسيد
  • شبهات حول قضية النسخ
  • الرد على شبهة :(وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً )
  • هل "يهوه" هو اسم الله الأعظم ؟؟؟
  • الرد على الأخطاء اللغوية المزعومة حول القرآن الكريم
  • الرد على شبهة:لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى
  • رد على من انكر تحريم الخمر
  • بيان كذب المدعو بنتائوور بخصوص مخطوط سمرقند
  • 934 مواضيع (94 صفحة, 10 موضوع في الصفحة)
    [ 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55 | 56 | 57 | 58 | 59 | 60 | 61 | 62 | 63 | 64 | 65 | 66 | 67 | 68 | 69 | 70 | 71 | 72 | 73 | 74 | 75 | 76 | 77 | 78 | 79 | 80 | 81 | 82 | 83 | 84 | 85 | 86 | 87 | 88 | 89 | 90 | 91 | 92 | 93 | 94 ]
     
     


    انشاء الصفحة: 1.14 ثانية