:: الرئيسية :: :: مقالات الموقع :: :: مكتبة الكتب ::  :: مكتبة المرئيات ::  :: مكتبة الصوتيات :: :: أتصل بنا ::
 
القائمة الرئيسية

 الصفحة الرئيسية

 منتدى الحوار

 نصرانيات

 حقائق حول الأناجيل

 حقائق حول المسيح بالأناجيل

 حقائق حول الفداء والصلب

 مقالات منوعة حول النصرانية

 كشف الشبهات حول الإسلام العظيم

 شبهات حول القرأن الكريم

 شبهات حول الرسول صلى الله عليه وسلم

 شبهات حول السنة المطهرة

 شبهات منوعة

 الإعجاز العلمي
 الأعجاز العلمي بالقرأن الكريم
 الأعجاز العلمي بالحديث الشريف
 الحورات حول الأعجاز العلمي بالإسلام

 كيف أسلم هؤلاء

 من ثمارهم تعرفونهم

Non Arabic Articles
· English Articles
· Articles français
· Deutsches Artikel
· Nederlands

 مقالات د. زينب عبد العزيز

 مقالات د. محمد جلال القصاص

 مكتبة الكتب

 مكتبة المرئيات

 مكتبة التسجيلات

 مكتبة البرامج والاسطوانات الدعوية

 البحث

 البحث في القرآن الكريم

 دليل المواقع

 أربط موقعك بنا

 اتصل بنا

إسلاميات

المتواجدون بالموقع

يوجد حاليا, 82 ضيف/ضيوف 0 عضو/أعضاء يتصفحون الموقع.

توبة فتاة نصرانية
كيف أسلم هؤلاء توبة فتاة نصرانية

 

سناء فتاة مصرية نصرانية، كتب الله لها الهداية واعتناق الدين الحق بعد رحلة طويلة من الشك والمعاناة، تروي قصة هدايتها فتقول

 

نشأت كأي فتاة نصرانية مصرية على التعصب للدين النصراني، وحرص والدي على اصطحابي معهما إلى الكنيسة صباح كل يوم أحد لأقبل يد القس، وأتلو خلفه التراتيل الكنسية، وأستمع إليه وهو يخاطب الجمع ملقنا إياهم عقيدة التثليث، ومؤكدا عليهم بأغلظ الأيمان أن غير المسيحيين مهما فعلوا من خير فهم مغضوب عليهم من الرب، لأنهم – حسب زعمه- كفرة ملاحدة. كنت أستمع إلى أقوال القس دون أن أستوعبها، شأني شأن غيره من الأطفال، وحينما أخرج من الكنيسة أهرع إلى صديقتي المسلمة لألعب معها، فالطفولة لا تعرف الحقد الذي يزرعه القسيس في قلوب الناس.

 

كبرت قليلا، ودخلت المدرسة، وبدأت بتكوين صداقات مع زميلاتي في مدرستي الكائنة بمحافظة السويس.. وفي المدرسة بدأت عيناي تتفتحان على الخصال الطيبة التي تتحلى بها زميلاتي المسلمات، فهن يعاملنني معاملة الأخت، ولا ينظرن إلى اختلاف ديني عن دينهن، وقد فهمت فيما بعد أن القرآن الكريم حث على معاملة الكفار – غير المحاربين – معاملة طيبة طمعا في إسلامهم وإنقاذهم من الكفر، قال تعلى : (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين). إحدى زميلاتي المسلمات ربطتني بها على وجه الخصوص صداقة متينة، فكنت لا أفارقها إلا في حصص التربية الدينية، إذ كنت – كما جرى النظام أدرس مع طالبات المدرسة النصرانيات مبادئ الدين النصراني على يد معلمة نصرانية.

 

كنت أريد أن أسأل معلمتي كيف يمكن أن يكون المسلمون – حسب افتراضات المسيحيين – غير مؤمنين وهم على مثل هذا الخلق الكريم وطيب المعشر؟ لكني لم أجرؤ على السؤال خشية إغضاب المعلمة حتى تجرأت يوما وسألت، فجاء سؤالي مفاجأة للمعلمة التي حاولت كظم غيظها، وافتعلت ابتسامة صفراء رسمتها على شفتيها وخاطبتني قائلة: " إنك ما زلت صغيرة ولم تفهمي الدنيا بعد، فلا تجعلي هذه المظاهر البسيطة تخدعك عن حقيقة المسلمين كما نعرفها نحن الكبار..". صمت على مضض على الرغم من رفضي لإجابتها غير الموضوعية، وغير المنطقية. وتنتقل أسرة أعز صديقاتي إلى القاهرة، ويومها بكينا لألم الفراق، وتبادلنا الهدايا والتذكارات ، ولم تجد صديقتي المسلمة هدية تعبر بها عن عمق وقوة صداقتها لي سوى مصحف شريف في علبة قطيفة أنيقة صغيرة، قدمتها لي قائلة:" لقد فكرت في هدية غالية لأعطيك إياها ذكرى صداقة وعمر عشناه سويا فلم أجد إلى هذا المصحف الشريف الذي يحتوي على كلام الله". تقبلت هدية صديقتي المسلمة شاكرة فرحة، وحرصت على إخفائها عن أعين أسرتي التي ما كانت لتقبل أن تحمل ابنتهم المصحف الشريف.

 

وبعد أن رحلت صديقتي المسلمة، كنت كلما تناهى إلي صوت المؤذن، مناديا للصلاة، وداعيا المسلمين إلى المساجد، أعمد إلى إخراج هدية صديقتي وأقبلها وأنا أنظر حولي متوجسة أن يفاجأني أحد أفراد الأسرة، فيحدث لي مالا تحمد عقباه. ومرت الأيام وتزوجت من "شماس" كنيسة العذارء مريم، ومع متعلقاتي الشخصية، حملت هدية صديقتي المسلمة "المصحف الشريف" وأخفيته بعيدا عن عيني زوجي، الذي عشت معه كأي امرأة شرقية وفية ومخلصة وأنجبت منه ثلاثة أطفال. وتوظفت في ديوان عام المحافظة، وهناك التقيت بزميلات مسلمات متحجبات، ذكرنني بصديقتي الأثيرة، وكنت كلما علا صوت الأذان من المسجد المجاور، يتملكني إحساس خفي يخفق له قلبي، دون أن أدري لذلك سببا محددا، إذ كنت لا أزال غير مسلمة، ومتزوجة من شخص ينتمي إلى الكنيسة بوظيفة يقتات منها، ومن مالها يطعم أسرته.

 

وبمرور الوقت، وبمحاورة زميلات وجارات مسلمات على دين وخلق بدأت أفكر في حقيقة الإسلام والمسيحية، وأوازن بين ما أسمعه في الكنيسة عن الإسلام والمسلمين، وبين ما أراه وألمسه بنفسي، وهو ما يتناقض مع أقوال القسس والمتعصبين النصارى. بدأت أحاول التعرف على حقيقة الإسلام، وأنتهز فرصة غياب زوجي لأستمع إلى أحاديث المشايخ عبر الإذاعة والتلفاز، علي أجد الجواب الشافي لما يعتمل في صدري من تساؤلات حيرى، وجذبتني تلاوة الشيخ محمد رفعت، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد للقرآن الكريم، وأحسست وأنا أستمع إلى تسجيلاتهم عبر المذياع أن ما يرتلانه لا يمكن أن يكون كلام بشر، بل هو وحي إلهي.

 

وعمدت يوما أثناء وجود زوجي في الكنيسة إلى دولابي، وبيد مرتعشة أخرجت كنزي الغالي "المصحف الشريف" فتحته وأنا مرتبكة، فوقعت عيناي على قوله تعالى: ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) . ارتعشت يدي أكثر وصببت وجهي عرقا، وسرت في جسمي قشعريرة، وتعجبت لأني سبق أن استمعت إلى القرآن كثير في الشارع والتلفاز والإذاعة، وعند صديقات المسلمات، لكني لم أشعر بمثل هذه القشعريرة التي شعرت بها وأنا أقرأ من المصحف الشريف مباشرة بنفسي. هممت أن أواصل القراءة إلا أن صوت أزيز مفاتح زوجي وهو يفتح باب الشقة حال دون ذلك، فأسرعت وأخفيت المصحف الشريف في مكانه الأمين، وهرعت لأستقبل زوجي.

 

وفي اليوم التالي لهذه الحادثة ذهبت إلى عملي، وفي رأسي ألف سؤال حائر، إذ كانت الآية الكريمة التي قرأتها قد وضعت الحد الفاصل لما كان يؤرقني حول طبيعة عيسى عليه السلام، أهو ابن الله كما يزعم القسيس – تعلى الله عما يقولون- أم أنه نبي كريم كما يقول القرآن؟ فجاءت الآية لتقطع الشك باليقين، معلنة أن عيسى، عليه السلام، من صلب آدم، فهو إذن ليس ابن الله، فالله تعلى : ( لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد). تساءلت في نفسي عن الحل وقد عرفت الحقيقة الخالدة، حقيقة أن "لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله". أيمكن أن أشهر إسلامي؟ وما موقف أهلي مني، بل ما موقف زوجي ومصير أبنائي؟ طافت بي كل هذه التساؤلات وغيرها وأنا جالسة على مكتبي أحاول أن أودي عملي لكني لم أستطع، فالتفكير كاد يقتلني، واتخاذ الخطوة الأولى أرى أنها ستعرضني لأخطار جمة أقلها قتلي بواسطة الأهل أو الزوج والكنيسة. ولأسابيع ظللت مع نفسي بين دهشة زميلاتي اللاتي لم يصارحنني بشيء، إذ تعودنني عاملة نشيطة، لكني من ذلك اليوم لم أعد أستطيع أن أنجز عملا إلا بشق الأنفس.

 

وجاء اليوم الموعود، اليوم الذي تخلصت فيه من كل شك وخوف وانتقلت فيه من ظلام الكفر إلى نور الإيمان، فبينما كنت جالسة ساهمة الفكر، شاردة الذهن، أفكر فيما عقدت العزم عليه، تناهي إلى سمعي صوت الأذان من المسجد القريب داعيا المسلمين إلى لقاء ربهم وأداء صلاة الظهر، تغلغل صوت الأذان داخل نفسي، فشعرت بالراحة النفسية التي أبحث عنها، وأحسست بضخامة ذنبي لبقائي على الكفر على الرغم من عظمة نداء الإيمان الذي كان يسري في كل جوانحي، فوقفت بلا مقدمات لأهتف بصوت عال بين ذهول زميلاتي: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله"، فاقبل علي زميلات وقد تحيرن من ذهولهن، مهنئات باكيات بكاء الفرح، وانخرطت أنا أيضا معهن في البكاء، سائلة الله أن يغفر لي ما مضى من حياتي، وأن يرضى علي في حياتي الجديدة. كان طبيعيا أن ينتشر خبر إسلامي في ديوان المحافظة، وأن يصل إلى أسماع زملائي وزميلاتي النصارى، اللواتي تكفلن- بين مشاعر سخطهن- بسرعة إيصاله إلى أسرتي وزوجي، وبدأن يرددن عني مدعين أن وراء القرار أسباب لا تخفى.

 

لم آبه لأقوالهن الحاقدة، فالأمر الأكثر أهمية عندي من تلك التخرصات: أن أشهر إسلامي بصورة رسمية، كي يصبح إسلامي علنا، وبالفعل توجهت إلى مديرية الأمن حيث أنهيت الإجراءات اللامة لإشهار إسلامي. وعدت إلى بيتي لأكتشف أن زوجي ما إن علم بالخبر حتى جاء بأقاربه وأحرق جميع ملابسي، واستولى على ما كان لدي من مجوهرات ومال وأثاث، فلم يؤلمني ذلك، وإنما تألمت لخطف أطفالي من قبل زوجي ليتخذ منهم وسيلة للضغط علي للعودة إلى ظلام الكفر.. آلمني مصير أولادي، وخفت عليهم أن يتربوا بين جدران الكنائس على عقيدة التثليث، ويكون مصيرهم كأبيهم في سقر.. رفعت ما اعتمل في نفسي بالدعاء إلى الله أن يعيد إلي أبنائي لتربيتهم تربية إسلامية، فاستجاب الله دعائي، إذ تطوع عدد من المسلمين بإرشادي للحصول على حكم قضائي بحضانة الأطفال باعتبارهم مسلمين، فذهبت إلى المحكمة ومعي شهادة إشهار إسلامي، فوقفت المحكمة مع الحق، فخيرت زوجي بين الدخول في الإسلام أو التفريق بينه وبيني، فقد أصبحت بدخولي في الإسلام لا أحل لغير مسلم، فابى واستكبر أن يدخل في دين الحق، فحكمت المحكمة بالتفريق بيني وبينه، وقضت بحقي في حضانة أطفالي باعتبارهم مسلمين، لكونهم لم يبلغوا الحلم، ومن ثم يلتحفون بالمسلم من الوالدين.

 

حسبت أن مشكلاتي قد انتهت عند هذا الحد، لكني فوجئت بمطاردة زوجي وأهلي أيضا، بالإشاعات والأقاويل بهدف تحطيم معنويات ونفسيتي، وقاطعتني الأسر النصرانية التي كنت أعرفها، وزادت على ذلك بأن سعت هذه الأسر إلى بث الإشاعات حولي بهدف تلويث سمعتي، وتخويف الأسر المسلمة من مساعدتي لقطع صلتهن بي. وبالرغم من كل المضايقات ظللت قوية متماسكة، مستمسكة بإيماني، رافضة كل المحاولات الرامية إلى ردتي عن دين الحق، ورفعت يدي بالدعاء إلى مالك الأرض والسماء، أن يمنحني القوة لأصمد في وجه كل ما يشاع حولي، وأن يفرج كربي. فاستجاب الله دعائي وهو القريب المجيب، وجاءني الفرج من خلال أرملة مسلمة، فقيرة المال، غنية النفس، لها أربع بنات يتامى وابن وحيد بعد وفاة زوجها، تأثرت هذه الأرملة المسلمة للظروف النفسية التي أحياها، وتملكها الإعجاب والإكبار لصمودي، فعرضت علي أن تزوجني بابنها الوحيد "محمد" لأعيش وأطفالي معها ومع بناتها الأربع، وبعد تفكير لم يدم طويلا وافقت، وتزوجت محمدا ابن الأرملة المسلمة الطيبة. وأنا الآن أعيش مع زوجي المسلم "محمد" وأولادي ، وأهل الزوج في سعادة ورضا وراحة بال، على الرغم مما نعانية من شظف العيش، وما نلاقيه من حقد زوجي السابق، ومعاملة أسرتي المسيحية. ولا أزال بالرغم مما فعلته عائلتي معي أدعو الله أن يهديهم إلى دين الحق ويشملهم برحمته مثلما هداني وشملني برحمته، وما ذلك عليه – سبحانه وتعالى – بعزيز.

 

               قصص المسلمون الجدد

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 5)
هل المسيحية دين السلام أم دين السيف؟
مقالات منوعة حول النصرانية (( المسيحية والسيف))

 

وثائق تاريخية عن فظائع الحروب الصليبية

 

34 لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُرْسِيَ سَلاماً عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُرْسِيَ سَلاَماً، بَلْ سَيْفاً. 35 فَإِنِّي جِئْتُ لأَجْعَلَ الإِنْسَانَ عَلَى خِلاَفٍ مَعَ أَبِيهِ، وَالْبِنْتَ مَعَ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ مَعَ حَمَاتِهَا. 36 وَ هَكَذَا يَصِيرُ أَعْدَاءَ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ! (إنجيل متى :10)

 

يتغنى النصارى بمقولة المسيح : ( من ضربك على خدك الايمن فادر له خدك الايسر ) ليدللوا على ان دينهم دين سلام ورحمة وفي المقابل نجدهم ينعقون ليلا نهارا بأن الاسلام دين السيف والارهاب فهل التاريخ والواقع يصدق ذلك ؟؟

 

روى ابن الاثير في تاريخه 8/189-190 عن دخول الصليبين للقدس في الحروب الصليبية فقال : ( ملك الفرنج القدس نهار يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان وركب الناس السيف ولبث الفرنج في البلدة اسبوعا يقتلون فيه المسلمين واحتمى جماعة من المسلمين بمحراب داود فاعتصموا به و قاتلوا فيه ثلاثة ايام و قتل الفرنج بالمسجد الاقصى ما يزيد على سبعين الفا منهم جماعة كبيرة من ائمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم ممن فارق الاوطان و جاور بذلك الموضع الشريف )

 

كما وصف ستيفن رنسيمان في كتابه تاريخ الحروب الصليبية ما حدث في القدس يوم دخلها الصليبيون فقال : ( و في الصباح الباكر من اليوم التالي اقتحم باب المسجد ثلة من الصليبيين فأجهزت على جميع اللاجئين اليه وحينما توجه قائد القوة ريموند اجيل في الضحى لزيارة ساحة المعبد اخذ يتلمس طريقه بين الجثث والدماء التي بلغت ركبتيه وتركت مذبحة بيت المقدس اثرا عميقا في جميع العالم وليس معروفا بالضبط عدد ضحاياها غير انها ادت الى خلو المدينة من سكانها المسلمين واليهود بل ان كثير من المسيحيين اشتد جزعهم لما حدث) 1/404/406

 

وقد وصف كثير من المؤرخين احداث المذبحة التي حدثت في القدس يوم دخول الصليبيين اليها و كيف انهم كانوا يزهون بانفسهم لان ركب خيولهم كانت تخوض في دماء المسلمين التي سالت في الشوارع و قد كان من وسائل الترفيه لدى الصليبيين ان يشووا اطفال المسلمين كما تشوى النعاج. ويذكر الكثيرون ماذا فعل ريتشارد قلب الاسد في الحملة الصليبية الثالثة عند احتلاله لعكا بأسرى المسلمين فقد ذبح 2700 أسير من اسرى المسلمين الذين كانوا في حامية عكا و قد لقيت زوجات واطفال الاسرى مصرعهم الى جوارهم.

 

فاي سلام يحمله هؤلاء ؟؟؟

 

فقد امنهم الاسلام على انفسهم لكنهم لا يعرفون معنا للقيم والعهد والسلام . ومع ما فعله الصليبيون في القدس فاننا نرى رحمة الاسلام ومسا محته حتى مع هؤلاء الكلاب فقد وصف المؤرخون ما حدث في اليوم الذي دخل فيه صلاح الدين الايوبي رضي الله عنه الى القدس فاتحا لم ينتقم او يقتل او يذبج بل اشتهر المسلمون الظافرون في الواقع بالاستقامة والانسانية فبينما كان الصليبيون منذ ثماني وثمانين سنة يخوضون في دماء ضحاياهم المسلمين لم تتعرض ا أي دار من دور بيت المقدس للنهب ولم يحل بأحد من الاشخاص مكروه اذ صار رجال الشرطة يطوفون بالشوارع والابواب تنفيذا لامر صلاح الدين لمنع كل اعتداء يحتمل وقوعه على المسيحيين وقد تأثر الملك العادل لمنظر بؤس الاسرى فطلب من اخيه صلاح الدين اطلاق سراح الف اسير فوهبهم له فاطلق العادل سراحهم على الفور واعلن صلاح الدين انه سوف يطلق سراح كل شيخ وكل امراة عجوز.

 

وأقبل نساء الصليبيين وقد امتلأت عيونهن بالدموع فسألن صلاح الدين أين يكون مصيرهن بعد أن لقي ازواجهن أو آباؤهن مصرعهم أو وقعوا في الأسر فأجاب صلاح الدين بأن وعد باطلاق سراح كل من في الأسر من أزواجهن وبذل للأرامل واليتامى من خزانته العطايا كل بحسب حالته فكانت رحمته وعطفه نقيض افعال الصليبيون الغزاة.

 

اما بالنسبة لرجال الكنيسة انفسهم وعلى رأسهم بطريرك بيت المقدس فانهم لم يهتموا الا بأنفسهم وقد ذهل المسلمون حينما رأوا البطريرك هرقل وهو يؤدي عشرة دنانير ( مقدار الفدية المطلوبة منه ) ويغادر المدينة وقد انحنت قامته لثقل ما يحمله من الذهب وقد تبعته عربات تحمل ما بحوزته من الاموال والجواهر والاواني النفيسة .

 

ولو نظرنا الى عصرنا الحاضر لما احتجنا كثيرا لقراءة التاريخ فالتاريخ اسود والواقع اشد سوادا فما يزالون يحملون احقادهم ضد المسلمين في كل مكان وضد الانسانية التي يتغنون بها وجنوب السودان وصبرا وشاتيلا والبوسنة والفلبين و الشيشان وكوسوفا وابخازيا واذربيجان تشهد على دمويتهم وحقدهم فقد خرجوا من جحورهم واستأسدوا عندما غابت الليوث لكن سيأتي يوم الحساب قريبا ومهما طال ليل الباطل فلا بد له ان يندحر وتشرق شمس الحق من جديد.

 

وصف للمجاز الصليبية التي حدثت في القدس حين دخول الصليبيين اليها

 

ذكر غوستاف لوبون في كتابه الحضارة العربية نقلا عن روايات رهبان ومؤرخين رافقوا الحملة الصليبية الحاقدة على القدس ما حدث حين دخول الصليبيين للمدينة المقدسة من مجازر دموية لا تدل إلا على حقد أسود متأصل في نفوس ووجدان الصليبيين. فقال الراهب روبرت أحد الصليبيين المتعصبين وهو شاهد عيان لما حدث في بيت المقدس واصفا سلوك قومه ص325 ( كان قومنا يجوبون الشوارع والميادين وسطوح البيوت ليرووا غليلهم من التقتيل وذلك كاللبؤات التي خطفت صغارها ! كانوا يذبحون الأولاد والشباب ويقطعونهم إربا إربا وكانوا يشنقون أناسا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة وكان قومنا يقبضون كل شيء يجدونه فيبقرون بطون الموتى ليخرجوا منها قطعا ذهبية فيا للشره وحب الذهب وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث )

 

وقال كاهن أبوس ( ريموند داجميل ) شامتا ص326-327:(حدث ما هو عجيب بين العرب عندما استولى قومنا على أسرار القدس وبروجها فقد قطعت رؤوس بعضهم فكان هذا أقل ما يمكن أن يصيبهم وبقرت بطون بعضهم فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار وحرق بعضهم في النار فكان ذلك بعد عذاب طويل وكان لا يرى في شوارع القدس وميادينها سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوا).

 

وقال واصفا مذبحة مسجد عمر:لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان وكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهناك وكانت الأيدي المبتورة تسبح كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها فإذا اتصلت ذراع بجسم لم يعرف اصلها. ولم يكتفي الفرسان الصليبيون الأتقياء (!) بذلك فعقدوا مؤتمرا أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان القدس من المسلمين واليهود و خوارج النصارى الذين كان عددهم ستين ألفا فأفنوهم على بكرة أبيهم في ثمانية أيام و لم يستبقوا منهم امرأة و لا ولدا و لا شيخا )

 

وفي ص396 يقول : ( و عمل الصليبيون مثل ذلك في مدن المسلمين التي اجتاحوها ففي المعرة قتلوا جميع من كان فيها من المسلمين اللاجئين في الجوامع و المختبئين في السراديب فأهلكوا صبرا ما يزيد على مائة ألف إنسان في أكثر الروايات و كانت المعرة من أعظم مدن الشام بعدد السكان بعد أن فر إليها الناس بعد سقوط أنطاكية و غيرها بيد الصليبيين).

 

فأي انسانية يتغنى بمثلها هؤلاء ؟ هل فعلا يديرون الخد الأيسر لمن يصفعهم على خدهم الأيمن ؟ تاريخهم يجيب عن ذلك!

 

منقول من موقع الحوار الاسلامى المسيحى

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 4.5)
أصغر رسالة في نقض المسيحية
مقالات منوعة حول النصرانية أصغر رسالة في نقض المسيحية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد فهذه نبذة مختصرة جداً (1) أردت أن أبين من خلالها أصل النصرانية وواقعها ، كتبتها ابتداءً للإنسان النصراني ؛ ليقف بنفسه على أصل عقيدته ، ويعرف كيف تحولت وتبدلت وأصبحت ديانة وضعية بشرية بعد أن كانت رسالة إلهية ، والتَزَمْتُ في هذه النبذة أن أورد الأدلة التي اعتمدت عليها في بيان الحق - من التوراة والإنجيل- ؛ حتى يعلم أنني أردت دلالته إلى الحق ، وإرشاده إلى الصواب فأقول مستعيناً بالله :-

 

أصل النصرانية رسالة إلهية كغيرها من الرسالات الإلهية كرسالة نوح وإبراهيم وموسى عليهم الصلاة والسلام ، وجميع الرسالات الإلهية تتفق في العقائد الأساسية للدين كالإيمان بأن الله واحد لا شريك له ، وأنه لم يلد ولم يولد ، والإيمان بالملائكة واليوم الآخر والقدر خيره وشره ، والإيمان بالرسل والأنبياء ، ولم يرد في التأريخ كله من لدن آدم عليه السلام إلى آخر الأنبياء وهو محمد صلى الله عليه وسلم أن رسالة إلهية وردت تخالف هذه العقائد ، وإنما كان الخلاف فيما بينها يتعلق بأنواع العبادات وهيئاتها ، وأصناف المحرمات والمباحات وأسبابها وغير ذلك مما يشرعه الله لأنبيائه ويأمرهم ببيانه للناس الذين أرسل إليهم هذا الرسول أوذاك.

 

إذاً فالنصرانية رسالة إلهية تدعو إلى الإيمان بأن الله واحد لا شريك له ، وأنه لم يلد ولم يولد ، وتؤكد بأن لله رسلاً وأنبياء اصطفاهم واختارهم من بين سائر البشر لتبيلغ رسالته للناس لئلا يكون للناس على الله حجة بعد إرسال الرسل .

 

والسؤال الذي يفرض نفسه هو : هل بقيت النصرانية على هيئتها التي أنزلها الله على عبده ورسوله عيسى عليه السلام أم لا ؟

 

وللإجابة على هذا السؤال لا بد أن نستعرض وإياك واقع النصرانية اليوم ونعرضه على ما نقل في التوراة والإنجيل عن موسى وعيسى عليهما السلام لننظر أيتفق الواقع مع أصل الرسالة أم يختلف ؟ وهل النصوص المنقولة عن هذين الرسولين تؤيد العقائدَ القائمة في حياة الأمة النصرانية ؟ وهل ما نقل في هذه الكتب عن حياة المسيح عليه السلام يتفق مع الصورة التي ترسمها الكنائس لشخصية المسيح ...حتى أصبحت شخصية أسطورية يستحيل تصديقها في الأذهان أو تحققها في الوجود . وأول هذه العقائد هي :

 

1- اعتقاد النصارى أن المسيح (( ابن الله )) .

 

هذا الاعتقاد ليس له ما يؤيده من كلام المسيح عليه السلام ؛ بل نجد أن التوراة والإنجيل مليئة بما يعارض هذا الاعتقاد ويناقضه حيث جاء في إنجيل يوحنا19 : 6

 

قوله : (فلما رآه رؤساء الكهنة والخدام صرخوا قائلين : اصلبه ، اصلبه قال لهم بيلاطس : خذوه أنتم واصلبوه ؛ لأني لست أجد فيه علة . أجابه اليهود : لنا ناموس وحسب ناموسنا يجب أن يموت ؛ لأنه جعل نفسه ابن الله ) ولقد صدّر متى إنجيله 1 : 1 بذكر نسب المسيح عليه السلام فقال : (كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود بن إبراهيم). فهذا النسب دليل على البشرية ، مناقض لما دُعي فيه من الألوهية .

 

وكأني بك تقول : لقد أُطْلِقَ على المسيح وصف ((ابن الله)) ولذلك دُعي ابن الله فأقول : إن هذه الصفة وردت في كتابك وقد أطلقت على أنبياء آخرين ووصفت بها أمماً وشعوباً ، ولم يختص بها المسيح عليه السلام ولتتأكد من ذلك انظر مثلاً : (خروج 4: 22 ، مزمور 2 : 7 ، وأخبار الأيام الأول 22 : 10.9 ، متى 5 : 9 ، ولوقا 3 : 38، ويوحنا 1: 12 وهؤلاء الموصوفون بأنهم أنبياء الله لم يرفعوا إلى المنزلة التي رفعتم إليها المسيح عليه السلام .

 

كما أن إنجيل يوحنا : 1 : 12 حمل إلينا تفسير أو وصف مصطلح ((ابن الله)) وأنها بمعنى المؤمن بالله حيث قال : (وأما الوصف الذي قَبِلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باْسمه ).

 

2- اعتقاد النصارى أن المسيح عليه السلام إله مع الله ، بل هو الأقنوم الثاني من الثالوث المقدس عندهم .

 

عندما نتصفح العهد الجديد لننظر الأساس الذي بُني عليه هذا الاعتقاد لا نجد للمسيح عليه السلام أي قول يسنده ويدعو إليه ؛ بل نفاجأ بأن العهد الجديد يضم بين طياته نصوصاً ترفض هذا الاعتقاد وتعلن بكل صراحة ووضوح أنه لا إله إلا الله ، وأن المسيح عبد الله ورسوله أرسله إلى بني إسرائيل مصدقاً بالتوراة والإنجيل ، وإليك بعض هذه النصوص التي تؤيد ما قلت فمنها :-

 

أ - قال المسيح عليه السلام في إنجيل برنابا 94 : 1 (إني أشهد أمام السماء ، وأُشهد كل ساكن على الأرض أني بريء من كل ما قال الناس عني من أني أعظم من بشر ؛ لأني بشر مولود من امرأة وعرضة لحكم الله ، أعيش كسائر البشر عرضة للشقاء العام ).

 

ب - شهد لوقا وكليوباس ببشرية المسيح حيث قالا : (ولم تعرف ما جرى في هذه الأيام من أمر المسيح الذي كان رجلاً مصدقاً من الله في مقاله وأفعاله) لوقا 24 : 19 ، وانظر لوقا 7 : 17 ، وأعمال الرسل 2 : 22 .

 

ج - قول المسيح عليه السلام : (وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ، ويسوع الذي أرسلته) يوحنا 17 : 3 .

 

فأنت ترى أن المسيح عليه السلام في النص الأول شهد أمام السماء وأشهد كل ساكن على الأرض أنه بريء من كل من وصف يرفعه فوق منزلته البشرية ؛ وما ذاك إلا لأنه بشر .

 

وفي النص الثاني شهد اثنان من معاصريه أنه رجل مصدق من الله في قوله وفعله .

 

وفي النص الثالث أطلقها شهادة مدوية بأن الحقيقة الكبرى في هذا الكون التي تمنح صاحبها السعادة الأبدية هي معرفة أن الله هو الإله الحقيقي وكل ما سواه فهو زائف باطل ، وأن يسوعَ المسيح رسولُ الله .

 

3-اعتقاد أن اللاهوت حلّ في الناسوت .

 

وعندما نستعرض تعاليم المسيح عليه السلام نجد أنه لم يشر إلى هذه المسألة إطلاقاً ؛ بل على العكس من ذلك يقوم بتعليم عقيدة التوحيد الخالص من كل شوائب الشرك ، ولعل أظهر دليل على ذلك قول المسيح عليه السلام : ( اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد ) مرقس : 12 : 29 .

 

ولعلك تستعرض الأدلة التي وردت في الفقرة الثانية مضيفاً إليها هذا الدليل لتنظر هل هذه الأدلة المنقولة من كتابك المقدس تؤيد هذه العقيدة ؟ أم تصادمها وترفضها ؟‍‍

 

4- اعتقاد أن الله يتكون من ثلاثة أقانيم وهو ما يعرف بـ ((عقيدة الثليث )) .

 

هذا الاعتقاد انفردت به الديانة النصرانية من بين سائر الديانات الإلهية ، فهل يؤيده الكتاب المقدس أم يعارضه ؟ إن المتأمل المنصف لما نقل عن المسيح عليه السلام سيجد أنه جعل أساس رسالته الدعوة إلى التوحيد ، وتنزيه الله عن مشابهة خلقه ، وتجريد مقام الألوهية عن كل ما سوى الله ، وتحقيق مقام العبودية لله وحده ...

 

فارجع البصر إلى الأدلة التي أوردتها لك في الفقرة الثانية والثالثة تجد ما ذكرته لا لبس فيه ولا غموض ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإن النصرانية المحرفة تدّعي أن لله ثلاثة أقانيم متساوية :

 

فالآب هو الإله الأول ، والابن هو الإله الثاني ، والروح القدس هو الإله الثالث .

 

وليس هذا صحيحاً ؛ لأنهم يعتقدون أن الروح القدس قد انبثق عن الآب والابن ، ولا يمكن أن تتساوى هذه الأقانيم في الأزلية والثالث قد انبثق عن الاثنين قبله ، كما أن لكل واحد منها صفات تخصه لا يمكن أن يوصف بها الآخر ، ثم إن الآب دائماً في المرتبة الأولى ، والابن يأتي بعده ، والروح القدس في الدرجة الثالثة ، فلا ترضون أبداً أن يعاد ترتيب هذا الثالوث فيكون الروح في المقدمة والابن في المرتبة الثانية بل تعتبرون ذلك كفراً وإلحاداً فكيف التسوية إذاً ؟

 

ومن جهة ثانية فإن وصف الروح وحده بالقدس دليل على عدم المساواة .

 

5-اعتقاد النصارى أن المسيح عليه السلام صلبته اليهود بأمر بيلاطس البنطي وتوفي على الصليب .

 

وتكفل الكتاب المقدس بتفنيد هذا الاعتقاد ؛ ففي كتابك أن المصلوب ملعون ، كما ورد ذلك في سفر التثنية : 22 : 23 : (وإذا كان على إنسان خطيّة حقها الموت فقُتل وعلقته على خشبة . فلا تثبت جثته على الخشبة بل تدفنه في ذلك اليوم ، لأن المعلق ملعون من الله فلا تنجس أرضك التي يعطيك الرب إلهك ) فتأمل كيف يكون إلهكم ملعوناً بنص كتابكم ؟

 

كما أن في إنجيل لوقا 4: 29-30 أن الله عصم المسيح عليه السلام وحفظه من كيد اليهود ومكرهم فلم يستطيعوا أن يصلبوه : (فقاموا وأخرجوه خارج المدينة وجاءوا به إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه حتى يطرحوه أسفل . أما هو فجاز في وسطهم ومضى) وقال يوحنا : 8 : 59 : (فرفعوا حجارة ليرجموه . أما يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى هكذا ). وقال يوحنا 10 : 93 : (فطلبوا أيضاً أن يمسكوه فخرج من أيديهم ). هذه النصوص -وسواها كثير -تؤكد أن الله عصم المسيح عليه السلام من كيد اليهود ومكرهم .

 

بل عن هناك نصوصاً تثبت أن اليهود لم يكونوا متحققين من شخصية المسيح حتى استأجروا من يدلهم عليه ، وأعطوه لذلك أجراً (انظر متى 27 : 3-4). كما أخبر المسيح عليه السلام أن كل الجموع ستشك في خبره تلك الليلة التي وقعت فيها الحادثة فقال : (كلكم تشكّون فيّ هذه الليلة ) مرقس 14 : 27 .

 

إذاً فماذا كانت نهاية المسيح على الأرض ؟ لقد رفعه الله إليه ، وهذا خبره في كتابك : (إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء ) أعمال الرسل 1 : ‍11 . و : (مكتوب أنه يوصي ملائكته بك فعلى أيادِيهم يحملونك ) متى 4 : 6 ، ولوقا 4 : 10-11 .

 

أرأيت كيف حمل كتابك الحقائق التالية :-

 

1-أن من عُلق على خشبة الصلب فهو ملعون.2-أن الله عصم المسيح وحفظه من الصلب.3-أخبر المسيح أن الجموع ستكون في شك من أمره في تلك الليلة.4-أن الله رفعه إلى السماء.

 

والآن أطرح إليك هذا السؤال : ما السبب في كون هذا الصليب مقدساً في النصرانية ؟

 

في حين أنه كان هو السبب في إصابة المسيح عليه السلام- كما تعتقدون- بالأذى ؟ أليس هو تذكار الجريمة ؟ أليس هو شعار الجريمة وأداتها ؟ . ثم ألم تر أن حادثة الصلب المتعلقة بالمسيح عليه السلام كلها تفتقد إلى الأساس التأريخي والديني الذي تستند إليه ، فلماذا تشغل كل هذا الحيز ولماذا تأخذ كل هذا الاهتمام في عقيدتك ؟

 

وإن كنت ولا تزال على قناعتك بهذه العقيدة فأجب وبصدق عن هذه التساؤلات

 

التالية :-

 

من كان يمسك السماوات والأرض حين كان ربها وخالقها مربوطاً على خشبة . . . الصليب ؟وكيف يتصور بقاء الوجود ثلاثة أيام بغير إله يدبر أمره ويحفظ استقراره ؟ومن كان يدبر هذه الأفلاك ويسخرها كيف يشاء ؟ومن الذي كان يحي ويميت ويعز من يشاء ويذل من يشاء ؟ ومن الذي كان يقوم برزق الأنام والأنعام ؟وكيف كان حال الوجود برمته وربه في قبره ؟ومن الذي أماته ، ومن الذي منّ عليه بالحياة ؟

 

تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .

 

6-اعتقاد النصارى أن المسيح مات مصلوباً فداءاً للبشرية وكفارة للخطيئة الموروثة.

 

هذه العقيدة رغم مخالفتها للعقل والمنطق فهي مخالفة لقواعد أساسية ونصوص رئيسة اشتمل عليها كتابك ، فمن هذه القواعد :-

 

1-لا يقتل الآباء عوضاً عن الأبناء.2-أن كل واحد يموت بذنبه.3-أن النفس التي تخطيء هي تموت .4-أن الله يقبل توبة التائبين.

 

أما النصوص التي حملت هذه القواعد فمنها :- (لا يقتل الآباء عن الأولاد ، ولا يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيئته يقتل ) تثنية 24 : 16 .

 

(في تلك الأيام لا يقولون بعدُ الآباء أكلوا حصرماً وأسنان الأبناء ضرست ؛ بل كل واحد يموت بذنبه ، كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه ) ارمياء 31 : 29- 3.

 

(وأنتم تقولون لماذا لا يحمل الابن من إثم الأب . أما الابن فقد فعل حقاً وعدلاً حفظ جميع فرائضي وعمل بها فحياة ً يحيا . النفس التي تخطيء هي تموت . الابن لا يحمل من إثم الأب ، والأب لا يحمل من إثم الابن . برّ البارّ عليه يكون ، وشر الشرير عليه يكون ... فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها وحفظ كل فرائضي وفعل حقاً وعدلاً فحياةً يحيا. لا يموت ، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه في بره) حزقيال 18 : 19-22 .

 

7-فريضة العشاء الرباني .

 

حينما يورد كل من متى ومرقس قصة العشاء الرباني لم يشفعا ذلك بأمر المسيح عليه السلام بجعل هذا العمل عبادة مستمرة وطقساً دائماً ، وارجع إلى ذكر هذه القصة في هذين الإنجيلين تجد الأمر كما قلت .

 

لكن بولس لما أراد أن تأخذ هذه العبادة طابع الاستمرار أضاف إلى تلك القصة الجملة التالية ((اصنعوا هذا لذكري)) الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 11 : 24 .

 

هذا أصل النصرانية وهذا واقعها ، وهذا الواقع - كما رأيت لا يمت إلى المسيح عليه السلام بصِلَة ، ولا تربطه به إلا رابطة الانتساب الاسمي الذي يفتقد أدنى مقوماته الدينية والتأريخية ...

 

بل إن كتاب النصرانية المقدس يحمل نصوصاً تُعزى إلى المسيح عليه السلام تعارض وترفض هذه العقائد الأساسية والركائز الهامة التي تقوم عليها الديانة النصرانية...

 

والإنسان العاقل يأنف من الزيف ، وينفر من الخطأ . وحري بك أن تكون واحداً من أولئك القوم العقلاء الذين هجروا هذا الواقع المرير ، وركبوا كل صعب وذلول بحثاً عن الحق ، وطلباً للدليل ، ورغبة في الوصول إلى الحقيقة .

 

فأقول : لن أتجاوز كتابك ففيه ما يدلك على الحق ويرشدك إلى الصواب ، ألست تقول في صلاتك : (ليتقدس اسمك ، ليأت ملكوتك) متى 6 : 9-10 . ألى الآن تنتظر قائلاً : ((ليأت ملكوتك)) ألم يأت هذا الملكوت ؟ فإن كان الملكوت قد جاء وتحقق فلماذا لا تزال تدعو بهذا الدعاء ؟

 

قد جاء هذا الملكوت وتحقق بمجيء رسوله الذي بشّر به المسيح عليه السلام فقال : (البارقليط (2) الذي يرسله أبي في آخر الزمان هو يعلمكم كل شيء ) يوحنا :14 : 26 وقال : (ومتى جاء البارقليط الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي ) يوحنا 15 : 26 فمن الذي شهد للمسيح بالرسالة ونزهه عما افتراه اليهود عليه سوى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ؟

 

وقال المسيح أيضاً : (إن لي أموراً كثيرة لَأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن . وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه ، بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتيه. ذاك يمجدني ؛ لأنه لا يأخذ مما لي ويخبركم ) يوحنا 16 : 12-14 . فمحمد صلى الله عليه وسلم هو البارقليط الذي أشار إليه المسيح عليه السلام ، وهو الذي أرشد الخلق إلى الحق ؛ لأنه لا يتكلم من نفسه إذ أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .

 

فهلم هلم اتبع البارقليط الذي أرشدك إليه المسيح عليه السلام ، وهذا البارقليط هو الذي بشر به موسى عليه السلام حين قال كما في سفر التثنية 18: 18 : (أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيتكلم بكل ما أوصيه ) وإخوة بني إسرائيل هم بنو إسماعيل ، ولم يخرج من بني إسماعيل رسول سوى محمد صلى الله عليه وسلم . وهو الذي أخبرنا موسى عليه السلام أنه يخرج من قمم ((فاران)) حيث قال في سفر التثنية 33 : 2 : (جاء الرب من سيناء وأشرق من ساعير وتلألأ من جبل فاران) وفاران هي مكة المكرمة . وأنشد سكان ((سالع)) أنشودة الفرح بمقدمه إليهم كما قال اشعياء 42: 11 : (لتترنم سالع من رؤوس الجبال ليهتفوا) وسالع جبل في المدينة المنورة التي انطلقت منها رسالة محمد صلى الله عليه وسلم . وهوت تحت قدميه الأصنام (انظر إشعياء 42 : 17 ) ، وعمت رسالته وجه الأرض ، وسعدت به البشرية ، وآمنت به الآلاف المؤلفة من البشر فكن واحداً من هؤلاء تفز بسعادة الدنيا والآخرة . . .

 

أما كيف تكون من أتباعه ؟

 

ليتحقق لك ما تحقق لأصحابه ، فالأمر جد يسير ، فما عليك إلا أن تغتسل وتتطهر وتزيل عن جسدك كل أثر غير حميد ، ثم تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، عالماً بمقتضاهما ، عارفاً بمعناهما ، وهو أن تعتقد أن لا معبود بحق سوى الله ، وأن الله هو المتفرد بالألوهية والربوبية ، وأن محمداً رسول الله فتطيعه بما أمر ، وتصدقه فيما أخبر ، وتبتعد عما نهى عنه وزجر .

 

وأن تشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وأن الجنة حق ، والنار حق ، وأن الله يبعث من في القبور ، فإذا حققت ذلك أصبحت أهلاً لأن تكون من ورثة جنة الفردوس مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .

 

وإن أردت مزيد مصادر ومراجع ترشدك إلى الحق وتهديك إلى الصراط المستقيم فإليك قائمة ببعض الكتب التي ألفها بعض القساوسة النصارى الذين هداهم الله إلى الإسلام فدوّنوا في هذه الكتب خبر انتقالهم من النصرانية إلى الإسلام ، والأسباب التي أدت بهم إلى هجر النصرانية ، والأدلة التي استدلوا بها على أن الإسلام هو الرسالة الخاتمة الخالدة وهذه الكتب هي :-

 

1-الدين والدولة ، تأليف علي بن ربِّن الطبري.2-النصيحة الإيمانية في فضيحة الملة النصرانية، تأليف نصر بن يحيى المتطبب.3-محمد في الكتاب المقدس نُشِر باللغتين العربية والإنجليزية من قبل رئاسة المحاكم الشرعية بدولة قطر .4-الإنجيل والصليب وكلاهما من تأليف دافيد بنجامين كلداني الذي أسلم وتسمى بعبد الأحد داود.5-محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل والقرآن .6-الغفران بين الإسلام والمسيحية وكلاهما من تأليف إبراهيم خليل أحمد كان قساً نصرانياً وكان اسمه قبل إسلامه إبراهيم فيلبس.7-الله واحد أم ثالوث .8-المسيح إنسان أم إله وكلاهما من تأليف مجدي مرجان .9-سر إسلامي من تأليف فؤاد الهاشمي .10-المنارات الساطعة في ظلمات الدنيا الحالكة من تأليف المهتدي محمد زكي الدين النجار.

 

هذه الكوكبة المباركة التي آثرت الحق على الباطل ، والهدى على الضلال ، أتراك أعلم بدينك منهم ؟

 

فَلِمَ لم تسأل نفسك عن الأسباب التي أدّت بهم إلى هجر دينهم وإعلانهم الهجرة إلى الإسلام ؟ وما هي الأدلة والبراهين التي وقفوا عليها فقادتهم إلى الهدى والنور .

 

وأقول لك ليست هذه الجماعة المباركة هي فقط التي هجرت دينها وأعلنت إسلامها ؛ إنما هؤلاء نزر يسير من علماء النصارى الذين أسلموا ذكرتهم لك للاسترشاد والاستشهاد... وغيرهم كثير فها هي القوافل الإيمانية التي نشهدها كل يوم تشد رحالها وتيمم شطر الإسلام معلنة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

 

حرر في 27/6/1414هـ

 

الموافق 10/12/1993م

 

الهوامش :

 

(1) رغبة أن تؤدي هذه النبذة الثمار المرجوة منها -أؤمل من كل من أراد ترجمتها إلى أي لغة أن يعتمد نقل نصوص التوراة والإنجيل من الطبعة المتداولة في اللغة التي سيترجم إليها .(2) البارقليط : كلمة يونانية بمعنى أحمد

 

كتبها د/ محمد بن عبد الله السحيم صب 6249 الرياض 11442 من نشر دار العاصمة الرياض هاتف 4915154 -4933318 فاكس ... 4915154

 

عند حصول خطأ في نقل هذه النسخة من الأصل يرجى الاتصال بالناسخ على بريد kateb@ayna.com

 

 

منقول عن موقع الحوار السلامى المسيحى

 

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 4.66)
غلبت الروم فى ادنى الارض
الإعجاز بالقرآن

غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿2﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿3﴾

 فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿4﴾

 د.‏ زغـلول النجـار تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.org

ونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة-----------------------

هذه الآيات القرآنية الكريمة جاءت في مطلع سورة الروم‏,‏ وهي سورة مكية يدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة‏,‏ شأنها في ذلك شأن كل القرآن المكي‏.‏ ومن قضايا العقيدة الأساسية الإيمان بوحدانية الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ وبوحدة الرسالة‏,‏ ووحدة الخلق‏,‏ والإيمان بالآخرة وأهوالها‏,‏ ومنها هول البعث‏,‏ وهول الحساب‏,‏ وهول الميزان‏,‏ وهول الصراط‏,‏ وحتمية الجزاء‏,‏ وحتمية الخلود في الحياة القادمة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏...!!‏

وقد ابتدأت السورة الكريمة بالتنبؤ بحدث غيبي قبل وقوعه بعدة سنوات ألا وهو انتصار الروم علي الفرس بعد هزيمتهم أمامهم قبل نزول هذه السورة المباركة بعدة سنوات‏.‏ وتزخر السورة بالأمر بتسبيح الله‏,‏ وتنزيهه وحمده‏,‏ وبالاستشهاد بعدد كبير من الآيات الكونية الدالة علي طلاقة قدرته وشمول علمه‏,‏ وعدل قضائه‏...!!‏ وتنصح السورة النبي والرسول الخاتم‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بأن يقيم وجهه لدين الإسلام الحنيف‏,‏ الذي لا يرتضي ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ من عباده دينا سواه‏,‏ لأنه دين الفطرة التي فطر الله‏(‏ تعالي‏)‏ الناس عليها‏,‏ والتي لا تبديل لها‏,‏ وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك‏,‏ وتأمر المسلمين بالإنابة إلي الله وتقواه‏,‏ كما تأمرهم بإقام الصلاة‏,‏ وبالحذر من الوقوع في دنس الشرك بالله‏,‏ لأن الذين أشركوا قد فرقوا دينهم‏,‏ وكانوا شيعا عديدة حسب أهوائهم‏,‏ وكل حزب منهم فرح بما لديه‏...!!!‏

وتحدثت السورة الكريمة عن شيء من التقلب في طبائع النفس البشرية‏,‏ والذي لا تستقيم معه الحياة السوية‏,‏ مثل اللجوء إلي الله تعالي في الشدة‏,‏ والإعراض عنه في الرخاء‏,‏ والإيمان به‏(‏ تعالي‏)‏ في لحظات الضيق‏,‏ والشرك أو الكفر به‏(‏ تعالي‏)‏ وبما أنزل في لحظات السعة والرحمة‏,‏ وتضرب السورة مثلا للناس من حياتهم علي سخافة فكرة الشرك بالله إذا ناقشها العقل بشيء من الموضوعية والحيدة‏.‏ ومن مكارم الأخلاق التي تدعو إليها السورة الكريمة‏:‏ الأمر بإخراج الزكاة وإيتاء ذي القربى‏,‏ والمساكين وأبناء السبيل‏,‏ والنهي عن أكل الربا‏,‏ علي أن ينطلق ذلك كله من الإيمان بأن الله‏(‏ تعالي‏)‏ هو الخالق‏,‏ الرزاق‏,‏ المحيي‏,‏ المميت‏,‏ وتربط السورة بين ظهور الفساد في البر والبحر وبين أعمال الناس وما كسبت أيديهم‏,‏ وتأمر بالسير في الأرض لاستخلاص العبر من سير الأولين‏,‏ومصائر الظالمين‏.‏

وتؤكد السورة مرة ثانية لخاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ضرورة الاستقامة علي الدين القيم من قبل أن تأتي الآخرة فيصدع بها كل الخلائق ثم يجزي كل بعمله‏.‏ ومن الآيات الكونية التي استشهدت بها سورة الروم علي طلاقة القدرة الإلهية‏:‏ خلق السماوات والأرض‏,‏ وخلق الأحياء‏,‏ وخلق الإنسان‏,‏ كل ذلك في زوجية تشهد للخالق وحده‏(‏ سبحانه‏)‏ بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ ومنها اختلاف ألسنة الناس وألوانهم‏,‏ وإعطاء الإنسان الاستطاعة علي النوم بالليل أو في النهار‏,‏ وعلي ابتغاء فضل الله‏,‏ ومن آياته الرعد والبرق‏,‏ وإنزال المطر‏,‏ وإحياء الأرض بعد موتها‏,‏ وقيام السماوات والأرض بأمره‏,‏ وخضوع كل من فيها أو عليها بأمره‏,‏ وبعث الموتى بأمره‏,‏ وأنه هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده‏,‏ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض‏.‏

ومن آياته إرسال الرياح برحمة منه وفضل‏,‏ وجري الفلك بأمره‏,‏ وإثارة السحاب‏,‏ وما يستتبعه من أحداث بأمره‏,‏ ومرور كل حي بمراحل من الضعف‏,‏ ثم القوة‏,‏ ثم الضعف والوفاة‏,‏ ومن آياته أنه يحيي الموتى وأنه علي كل شيء قدير‏...!!‏ وتذكر السورة خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بشيء من قصص من سبقه من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وما أصاب أقوامهم من انتقام من الظالمين‏,‏ ونصر للمؤمنين‏,‏ كما تذكره‏(‏ صلوات الله وسلامه عليه‏)‏ بأن ما عليه إلا البلاغ‏.‏

وتختتم السورة الكريمة مرة أخري بالحديث عن البعث وأهواله‏,‏ وعن مصير أهل الكفر والشرك والضلال في هذا اليوم العصيب‏,‏ ومصير أهل الإيمان والتقوى‏,‏ وتكرر الإشارة إلي شيء من طبائع النفس البشرية‏,‏ وقد ضربت لها آيات القرآن الكريم من كل مثل‏,‏ ولكن الذين كفروا لا يؤمنون‏,‏ فالله‏(‏ تعالي‏)‏ قد طبع علي قلوب الذين لا يعلمون‏.‏ وتنتهي السورة بتثبيت خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بوصية من الله‏(‏ تعالي‏)‏ له بالصبر علي استخفاف الكفار والمشركين بدعوته‏,‏ والاطمئنان بأن وعد الله حق‏,‏ وهو واقع لا محالة‏...!!‏

والآيات الكونية الواردة في سورة الروم تحتاج إلي مجلدات لتفصيل دلالاتها‏,‏ ولإظهار جوانب الإعجاز العلمي فيها‏,‏ ولكني سأقتصر في هذا المقال علي الإشارة القرآنية إلي الموقع الذي هزمت فيه جيوش الروم علي أيدي جيوش الفرس بالتعبير‏:‏ أدني الأرض‏,‏ وقبل الدخول في ذلك لابد من عرض الدلالة اللغوية لهذا التعبير ولأقوال المفسرين فيه‏.‏

أدني الأرض في اللغة العربية:

 يقال في اللغة‏:(‏ دنا‏)(‏ يدنو‏)(‏ دنوا‏)‏ بمعني قرب بالذات أو بالحكم‏,‏ ويستعمل في المكان‏,‏ والزمان‏,‏ والمنزلة‏,‏ كما يعدي فيقال‏(‏ أدني‏)(‏ يدني‏)(‏ أدناءة‏),‏ ويقال‏:(‏ دانيت‏)‏ أو‏(‏ أدنيت‏)‏ بين الأمرين أي قاربت بينهما‏,‏ حتي صارت بينهما‏(‏ دناوة‏)‏ أي‏:‏ قرب أو قرابة‏..‏ و‏(‏الدني‏)‏ القريب‏,‏ و‏(‏الدنئ‏)‏ بمعني الدون‏,‏ الخسيس‏,‏ وقد‏(‏ دنأ‏)(‏ يدنأ‏),‏ وفيهما‏(‏ دناءة‏),‏ ويقال‏:(‏ دنؤ‏)‏ بمعني انحط‏,‏ و‏(‏الدنيئة‏)‏ هي النقيصة‏.‏ قال‏(‏ تعالي‏):....‏ ومن النخل من طلعها قنوان دانية‏...[‏ الأنعام‏:99].‏

وقال‏(‏ سبحانه‏):‏ ثم دنا فتدلي‏.‏ فكان قاب قوسين أو أدني‏.[‏ النجم‏:9,8].‏ وفي الحديث الشريف‏:‏ إذا أكلتم فادنوا أي كلوا مما يليكم‏.‏ ويعبر بـ‏(‏ الأدني‏)‏ تارة عن الأقرب فيقابل بالأبعد‏(‏ أو الأقصي‏)‏ من مثل قوله‏(‏ تعالي‏):‏ إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوي‏....[‏ الأنفال‏:42].‏

وتارة ثانية يعبر بها عن الأخفض‏(‏ أو الأحقر‏)‏ فيقابل بالأعلي‏(‏ أو الأعز‏)‏ وذلك من مثل قوله‏(‏ تعالي‏):‏ ‏.....‏ يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدني أن يعرفن فلا يؤذين‏....(‏ الأحزاب‏:59).‏

وتارة ثالثة تأتي بمعني الأقل في مقابل الأكثر‏,‏ من مثل قوله‏(‏ تعالي‏):....‏ ولا أدني من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم‏...[‏ المجادلة‏:7]‏ وتارة رابعة يعبر بها عن الأرذل فيقابل بالذي هو خير‏,‏ وذلك من مثل قوله‏(‏ تعالي‏):‏ ‏....‏ قال أتستبدلون الذي هو أدني بالذي هو خير‏...(‏ البقرة‏:61)‏

وتارة خامسة يعبر بها عن الأولي‏(‏ الدنيا‏)‏ في مقابلة الآخرة وذلك من مثل قوله‏(‏ تعالي‏):‏ ‏....‏ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة‏....‏ (آل عمران‏:152)

وسميت‏(‏ الدنيا‏)‏ بهذا الاسم لدنوها‏,‏ والجمع‏(‏ الدنا‏),‏ وأصله الدنو فحذفت الواو لاجتماع الساكنين‏,‏ والنسبة إليها‏(‏ دنياي‏),‏ وقيل‏(‏ دنيوي‏)‏ ودني‏,‏ ويقال‏:(‏ تدني‏)‏ فلان أي‏(‏ دنا‏)‏ قليلا قليلا‏,‏ و‏(‏تدني‏)‏ المستوي بمعني هبط‏,‏ و‏(‏تدانوا‏)‏ أي‏(‏ دنا‏)‏ بعضهم من بعض‏.‏

شروح المفسرين:

                           اضغط على الصورة لتكبيرهافي تفسير قوله تعالي‏:‏ ألم‏.‏ غلبت الروم‏.‏ في أدني الأرض‏.‏ وهم من بعد غلبهم سيغلبون‏.‏ في بضع سنين‏.‏ لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون‏.‏ بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم‏(‏ الروم‏:1‏ ـ‏5).‏ ذكر بن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ قول بن عباس‏(‏ رضي الله عنهما‏)‏ حيث قال‏:‏ كان المشركون يحبون أن تظهر فارس علي الروم لأنهم أصحاب أوثان‏,‏ وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم علي فارس‏,‏ لأنهم كانوا من أهل الكتاب‏,‏ فذكر ذلك لأبي بكر‏(‏ رضي الله عنه‏),‏ فذكره أبو بكر لرسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏),‏ فقال رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏):[‏ أما إنهم سيغلبون‏],‏ فذكره أبو بكر للمشركين‏,‏ فقالوا‏:‏ اجعل بيننا وبينك أجلا‏,‏ فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا‏,‏ وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا‏,‏ فجعل أجل خمس سنين‏,‏ فلم يظهروا‏,‏ فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ فقال‏:[‏ ألا جعلتها إلي دون العشر؟‏],‏ ثم ظهرت الروم بعد‏,‏ قال فذلك قوله تعالي‏:[‏ ألم‏.‏ غلبت الروم‏.‏ في أدني الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون‏].‏

وأضاف بن كثير عدة روايات أخري للحديث عن كل من مسروق‏,‏ وابن مسعود‏,‏ وعكرمة‏(‏ رضي الله عنهم أجمعين‏)‏ في المعني نفسه‏,‏ وزاد قوله‏:...‏ وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم‏,‏ ويقال لهم بنو الأصفر‏,‏ وكانوا علي دين اليونان‏;‏ واليونان من سلالة يافث بن نوح أبناء عم الترك‏,‏ وكانوا يعبدون الكواكب السيارة‏,‏ وهم الذين أسسوا دمشق وبنوا معبدها‏,‏ فكان الروم علي دينهم إلي بعد مبعث المسيح‏(‏ عليه السلام‏)‏ بنحو من ثلاثمائة سنة‏,‏ وكان من ملك منهم الشام مع الجزيرة يقال له‏(‏ قيصر‏);‏ فكان أول من دخل في دين النصاري من الروم‏(‏ قسطنطين‏);‏ وأمه مريم الهيلانية من أرض حران وكانت قد تنصرت قبله فدعته إلي دينها‏...‏ واستمروا علي النصرانية‏,‏ كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده حتي كان آخرهم‏(‏ هرقل‏)...‏ فناوأه كسري ملك الفرس‏,‏ وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر‏,‏ وكانوا مجوسا يعبدون النار‏,‏ فتقدم عن عكرمة‏(‏ رضي الله عنه‏)‏ أنه قال‏:‏ بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه‏,‏ والمشهور أن كسري غزاه بنفسه في بلاده فقهره‏,‏ وكسره وقصره حتي لم يبق معه سوي مدينة قسطنطينية فحاصره بها مدة طويلة حتي ضاقت عليه‏,‏ ولم يقدر كسري علي فتح البلدة‏,‏ ولا أمكنه ذلك لحصانتها‏,‏ لأن نصفها من ناحية البر‏,‏ ونصفها الآخر من ناحية البحر‏,‏ فكانت تأتيهم الميرة والمدد من هناك‏,‏ ثم كان غلب الروم لفارس بعد بضع سنين وهي تسع‏,‏ فإن البضع في كلام العرب ما بين الثلاث إلي التسع‏.‏

وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏(‏ يرحمهما الله‏)‏ كلاما موجزا في المعني نفسه‏,‏ وأضافا تعليقا علي التعبير القرآني‏(‏ في أدني الأرض‏)‏ أن المقصود به‏:[‏ أقرب أرض الروم إلي فارس بالجزيرة‏,‏ التقي فيها الجيشان‏,‏ والبادي بالغزو‏(‏ هم‏)‏ الفرس‏...].‏ وجاء في الظلال‏(‏ رحم الله كاتبها رحمة واسعة‏)‏ ما نصه‏:‏

ثم جاءت النبوءة الصادقة الخاصة بغلبة الروم في بضع سنين‏....‏ وأضاف رواية عبدالله بن مسعود‏(‏ رضي الله عنه‏)‏ مؤكدا أن هذا الحادث قد وردت فيه روايات كثيرة‏,‏ تتفق كلها في المعني والدلالة‏,‏ وتختلف في الألفاظ وطرائق التعبير‏.‏ وجمع الكاتب‏(‏ رحمه الله‏)‏ من هذه الآيات القرآنية الكريمة عددا من الإيحاءات منها‏:‏ الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان‏;‏ ومنها الثقة المطلقة في وعد الله كما تبدو في قولة أبي بكر‏(‏ رضي الله عنه‏)‏ في غير تلعثم ولا تردد‏,‏ والمشركون يعجبون من قول صاحبه‏,‏ فما يزيد علي أن يقول‏:‏ صدق‏,‏ ويراهنونه فيراهن وهو واثق‏,‏ ثم يتحقق وعد الله‏,‏ في الأجل الذي حدده‏:‏ في بضع سنين‏...‏

والإيحاء الثالث وهو المسارعة برد الأمر كله لله‏,‏ في هذا الحادث وفي سواه‏,‏ وتقرير هذه الحقيقة الكلية‏,‏ لتكون ميزان الموقف‏,‏ وميزان كل موقف‏,‏ فالنصر والهزيمة‏,‏ وظهور الدول ودثورها‏,‏ وقوتها وضعفها‏,‏ شأنه شأن سائر ما يقع في هذا الكون من أحداث ومن أحوال‏,‏ مرده كله إلي الله‏...‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ما نصه‏:‏ احتربت الفرس والروم فيما بين أذرعات وبصري من أرض الروم يومئذ‏,‏ وهما أقرب أراضيها بالنسبة إلي مكة‏,‏ وكان ذلك قبل الهجرة بخمس سنين‏,‏ وقيل بست‏.‏ فظهر الفرس علي الروم‏,‏ فلما بلغ الخبر مكة شق علي المؤمنين‏,‏ لأن الفرس مجوس لا يدينون بكتاب‏,‏ والروم أهل كتاب‏;‏ وفرح المشركون وقالوا‏:‏ أنتم والنصاري أهل كتاب‏,‏ ونحن والفرس أميون‏,‏ وقد ظهر إخواننا علي إخوانكم‏,‏ ولنظهرن نحن عليكم‏,‏ فنزلت الآية وفيها‏:‏ أن الروم سيغلبون الفرس في بضع سنين‏.‏ والبضع‏:‏ ما بين الثلاث إلي التسع و‏(‏غلبهم‏)‏ كونهم مغلوبين‏.‏

وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما نصه‏:‏ غلبت فارس الروم في أقرب الأرض من العرب‏,‏ وهي أطراف الشام‏,‏ وهم بعد انهزامهم سيغلبون الفرس‏,‏ قبل أن تمضي تسع سنوات‏..‏ وكان المشركون قد فرحوا بانتصار فارس‏,‏ وقالوا للمسلمين‏:‏ سنغلبكم كما غلبت فارس الروم التي هي من أهل الكتاب‏..‏ وقد حقق الله وعده فانتصر الروم علي فارس في الأجل الذي سماه‏,‏ فكان ذلك آية بينة علي صدق محمد‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في دعواه وصحة ما جاء به‏....‏ وجاء في الهامش التعليق التالي‏:‏ في هذه الآيات الشريفة إشارة إلي حدثين‏:‏ كان أولهما قد وقع بالفعل‏,‏ وأما الثاني فلم يكن قد وقع بعد‏,‏ وهو إخبار عن الغيب‏,(‏ وحدد لوقوعه بضع سنين فيما بين الثلاث والتسع‏).‏

وتفصيل الحدث الأول أن الفرس والبيزنطيين قد اشتبكوا في معركة في بلاد الشام علي أيام خسرو أبرويز أو خسرو الثاني عاهل الفرس المعروف عند العرب بكسري‏.‏ وهيراكليوس الصغير الإمبراطور الروماني المعروف عند العرب بهرقل‏;‏ ففي عام‏614‏ م استولي الفرس علي أنطاكية أكبر المدن في الأقاليم الشرقية للإمبراطورية الرومانية‏,‏ ثم علي دمشق‏,‏ وحاصروا مدينة بيت المقدس إلي أن سقطت في أيديهم وأحرقوها ونهبوا السكان وأخذوا يذبحونهم‏....‏ وتفصيل الحدث الثاني أن هرقل قيصر الروم الذي مني جيشه بالهزيمة لم يفقد الأمل في النصر‏,‏ ولهذا أخذ يعد نفسه لمعركة تمحو عار الهزيمة‏,‏ حتي إذا كان عام‏622‏ الميلادي‏(‏ أي العام الهجري الأول‏)‏ أرغم الفرس علي خوض معركة علي أرض أرمينيا وكان النصر حليف الروم‏,‏ وهذا النصر كان فاتحة انتصارات الروم علي الفرس‏...‏ فتحققت بشري القرآن‏....‏

وثمة حدث ثالث يفهم من سياق هذه الآيات الشريفة كان مبعث فرح المسلمين وهو انتصارهم علي مشركي قريش في غزوة بدر التي وقعت في يوم الجمعة‏17‏ رمضان من العام الثاني الهجري‏(‏ أي سنة‏624‏ م‏).‏ وجاء في صفوة التفاسير ما نصه‏:...(‏ غلبت الروم في أدني الأرض‏)‏ أي هزم جيش الروم في أقرب أرضهم إلي فارس‏(‏ وهم من بعد غلبهم سيغلبون‏)‏ أي وهم من بعد انهزامهم وغلبة فارس لهم سيغلبون الفرس‏,‏ وينتصرون عليهم‏(‏ في بضع سنين‏)‏ أي في فترة لا تتجاوز بضعة أعوام‏;‏ والبضع ما بين الثلاث والتسع‏....‏

وأشار صاحب صفوة التفاسير‏(‏ جزاه الله خيرا‏)‏ إلي أقوال المفسرين السابقين وعلق علي قوله‏(‏ تعالي‏):[‏ وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين‏]‏ ما نصه‏:‏ وقد التقي الجيشان في السنة السابعة من الحرب‏,‏ وغلبت الروم فارس وهزمتهم‏,‏ وفرح المسلمون بذلك‏;‏ قال أبو السعود‏:‏ وهذه الآيات من البينات الباهرة‏,‏ الشاهدة بصحة النبوة‏,‏ وكون القرآن من عند الله عز وجل حيث أخبر عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله العليم الخبير‏,‏ ووقع كما أخبر‏,‏ وقال البيضاوي‏:‏ والآية من دلائل النبوة لأنها إخبار عن الغيب‏....‏ وأضاف صاحب صفوة التفاسير في شرح قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):[‏ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله‏]‏ ما نصه‏:‏ وقد صادف ذلك اليوم يوم غزوة بدر‏;‏ قال ابن عباس‏:‏ كان يوم بدر هزيمة عبدة الأوثان‏,‏ وعبدة النيران‏....‏

ويوم بدر وقع في السنة الثانية من الهجرة‏(‏ الموافق سنة‏624‏ م‏),‏ وعلي ذلك فإن هزيمة الروم علي أيدي الفرس لابد وأنها كانت قد وقعت في حدود سنة‏614‏ م إلي‏615‏ م‏.‏ وجاء في أطلس تاريخ الإسلام‏(‏ علي واضعه رحمة الله‏)‏ ما نصه‏:...‏ وعندما تولي هرقل عرش الروم سنة‏610‏ م‏(‏ وهي سنة البعثة المحمدية‏)‏ كان الفرس قد اجتاحوا بلاد الشام ومصر وهزموا البيزنطيين سنة‏613‏ م عند أنطاكية‏,‏ واستولوا علي فلسطين والقدس سنة‏614‏ م‏,‏ وغزوا مصر ودخلوا الإسكندرية سنة‏618‏ م أو‏619‏ م‏,‏ وبعد أن أقام هرقل دولته بدأ قتال الفرس سنة‏622‏ م‏,‏ وفي سنة‏627‏ م أنزل بهم هزيمة قاصمة قرب نينوي‏,‏ واسترد منهم أراضي الدولة البيزنطية في أرمينيا والشام وفلسطين ومصر‏,‏ وفي سنة‏630‏ م استعاد بيت المقدس‏.‏

ومن استقراء كل هذه التواريخ السابقة يتضح أن هزيمة الروم الحقيقية علي أيدي جيوش الفرس كانت في حدود سنة‏614‏ م إلي‏615‏ م‏,‏ وأن استعادتهم النصر علي الفرس كانت في حدود سنة‏624‏ م‏,‏ واستمر تقدم الروم علي أرض الفرس حتي تم لهم استعادة بيت المقدس‏.‏ وواضح من شروح المفسرين أن المقصود بالتعبير القرآني في أدني الأرض الذي يصف أرض المعركة التي تمت فيها هزيمة الروم أمام جحافل جيش الفرس هو أقرب الأرض إلي مكة المكرمة أو إلي الجزيرة العربية أو إلي أرض الفرس‏..‏ ولكن الدراسات الحديثة تؤكد أن منطقة حوض البحرالميت‏,‏ بالاضافة إلي كونها أقرب الأراضي التي كان الروم يحتلونها إلي الجزيرة العربية هي أيضا أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا‏,‏ حيث يصل منسوب سطح الأرض فيها إلي حوالي الأربعمائة متر تحت متوسط مستوي سطح البحر‏,‏ وان هذه المنطقة كانت من مناطق الصراع بين امبراطوريتي الفرس والروم‏,‏ وأن المعركة الحاسمة التي أظهرت جيوش الفرس علي جيوش امبراطورية روما الشرقية‏(‏ الامبراطورية البيزنطية‏)‏ لابد أنها وقعت في حوض البحرالميت‏,‏ وان الوصف بـ أدني الأرض هنا كما يعني أقربها للجزيرة العربية‏,‏ يعني ايضا أنها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا‏,‏ وهذه الاشارة القرآنية العابرة تعتبر من السبق العلمي في كتاب الله‏,‏ لأن أحدا لم يكن يعلم هذه الحقيقة في زمن الوحي بالقرآن الكريم‏,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏.‏

أدني الأرض في العلوم الحديثة:

 ثبت علميا بقياسات عديدة ان أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا هو غور البحرالميت‏,‏ ويقع البحرالميت في أكثر أجزاء الغورانخفاضا‏,‏ حيث يصل مستوي منسوب سطحه إلي حوالي أربعمائة متر تحت مستوي سطح البحر‏,‏ ويصل منسوب قاعه في أعمق أجزائه إلي قرابة الثمانمائة متر تحت مستوي سطح البحر‏,‏ وهو بحيرة داخلية بمعني ان قاعها يعتبر في الحقيقةجزءا من اليابسة‏.‏ وغور البحرالميت هو جزء من خسف أرضي عظيم يمتد من منطقة البحيرات في شرقي إفريقيا إلي بحيرة طبريا‏,‏ فالحدود الجنوبية لتركيا‏,‏ مرورا بالبحرالأحمر‏,‏ وخليج العقبة‏,‏ ويرتبط بالخسف العميق في قاع كل من المحيط الهندي‏,‏ وبحر العرب وخليج عدن‏,‏ ويبلغ طول أغوار وادي عربة ـ البحرالميت ـ الأردن حوالي الستمائة كيلومتر‏,‏ ممتدة من خليج العقبة في الجنوب إلي بحيرة طبريا في الشمال‏,‏ ويتراوح عرضها بين العشرة والعشرين كيلومترا‏.‏

ويعتبر منسوب سطح الأرض فيها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا حيث يصل منسوب سطح الماء في البحرالميت إلي‏402‏ مترا تحت المستوي المتوسط لمنسوب المياه في البحرين المجاورين‏:‏ الأحمر والأبيض المتوسط‏,‏ وهو أخفض منسوب أرضي علي سطح اليابسة كما يتضح من الأرقام التالية‏:‏ منسوب سطح الأرض في وادي عربة‏=355‏ ـ‏400‏ م تحت مستوي سطح البحر‏.‏

منسوب أعمق نقاط قاع البحرالميت‏=794‏ م تحت مستوي سطح البحر‏.‏

منسوب سطح الماء في البحرالميت‏=402‏ تحت مستوي سطح البحر‏.‏

مستوي سطح الأرض في غور الأردن‏=212‏ ـ‏400‏ م تحت مستوي سطح البحر‏.‏

منسوب سطح الماء في بحيرة طبريا‏=209‏ م تحت مستوي سطح البحر‏.‏

منسوب قاع بحيرة طبريا‏=252‏ م تحت مستوي سطح البحر‏.‏

منسوب سطح الأرض في قاع منخفض القطارة في شمال صحراء مصرالغربية‏=133‏ م تحت مستوي سطح البحر‏.‏

منسوب سطح الأرض في قاع وادي الموت‏/‏ كاليفورنيا‏=86‏ م تحت مستوي سطح البحر‏.‏

منسوب سطح الأرض في قاع منخفض الفيوم‏/‏مصر‏=45‏ م تحت مستوي سطح البحر‏.‏

ويتراوح عمق الماء في الحوض الجنوبي من البحرالميت بين الستة والعشرة أمتار‏,‏ وهو بذلك في طريقه إلي الجفاف‏,‏ ويعتقد انه كان جافا الي عهد غير بعيد من تاريخه‏,‏ وكان عامرا بالسكان‏,‏ وأن منطقة الأغوار كلها من وادي عربة في الجنوب إلي بحيرة طبريا في الشمال كانت كذلك عامرة بالسكان منذ القدم حيث عرف البحرالميت في الكتابات التاريخية القديمة‏,‏ ووصف بأسماء عديدة من مثل بحرسدوم بحيرة لوط بحيرة زغر‏,‏ البحر النتن‏,‏ بحر عربة‏,‏ بحر الأسفلت والبحرالميت‏,‏ وذلك لأن المنطقة اشتهرت بخصوبة تربتها‏,‏ ووفرة مياهها فعمرتها القبائل العربية منذ القدم‏,‏ واندفعت اليها من كل من العراق والجزيرة العربية وبلاد الشام ومنهم قوم لوط‏(‏ عليه السلام‏)‏ الذين عمروا خمس مدن في أرض الحوض الجنوبي من البحرالميت هي‏:‏ سدوم‏,‏ وعمورة‏,‏ وأدمة‏,‏ وصوبييم‏,‏ وزغر‏,‏ وقد ازدهرت فيها الحياة إلي أواخر القرن العشرين قبل الميلاد ودمرت بالكامل في عقاب إلهي أنزل بها وجاء خبر عقابها في القرآن الكريم بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ‏(‏هود‏:82)‏

والأرض في حوض البحرالميت ـ بصفة عامة ـ وفي الجزء الجنوبي منه بصفة خاصة والتي تعرف باسم الأرض المقلوبة تتميز بالحرارة الشديدة‏,‏ وبتفجر كل من العيون المائية‏,‏ والأبخرة الكبريتية الحارة فيها‏,‏ وبتناثر كتل الأسفلت التي كثيرا ما كانت تطفو علي سطح مياه البحرالميت إلي عهد غير بعيد‏.‏ وقري قوم لوط التي كانت تشغل أرض الحوض الجنوبي من البحرالميت‏,‏ والتي دمرت بالكامل بأمر من ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ لا علاقة لها بالحركات الأرضية التي شكلت تلك الأغوار من قبل حوالي‏25‏ مليون سنة مضت‏,‏ ولكن بعد تدميرها بالعقاب الالهي دخلت المنطقة برحمة من الله‏(‏ تعالي‏)‏ في دورة مطيرة غسلت مياهها ذنوب الآثمين من قوم لوط‏,‏ وغمرت منطقة قراهم لتحولها إلي الحوض الجنوبي من البحرالميت‏,‏ والذي يتجه اليوم إلي الجفاف مرة أخري ليصير أرضا يابسة‏.‏

وخلاصة القول إن منطقة أغوار وادي عربة ـ البحرالميت ـ الأردن تحوي اخفض أجزاء اليابسة علي الاطلاق‏,‏ والمنطقة كانت محتلة من قبل الروم البيزنطيين في عصر البعثة النبوية الخاتمة‏,‏ وكانت هذه الامبراطورية الرومانية يقابلها ويحدها من الشرق الامبراطورية الفارسية الساسانية‏,‏ وكان الصراع بين هاتين الامبراطوريتين الكبيرتين في هذا الزمن علي أشده‏,‏ ولابد ان كثيرا من معاركهما الحاسمة قد وقعت في أرض الأغوار‏,‏ وهي أخفض أجزاء اليابسة علي الاطلاق‏,‏ ووصف القرآن الكريم لأرض تلك المعركة الفاصلة التي تغلب فيها الفرس علي الروم ـ في أول الأمر بـ أدني الأرض ـ وصف معجز للغاية لأن أحدا من الناس لم يكن يدرك تلك الحقيقة في زمن الوحي‏,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏,‏ وورودها بهذا الوضوح في مطلع سورة الروم يضيف بعدا آخر الي الاعجاز التنبؤي في الآيات الأربع التي استهلت بها تلك السورة المباركة ألا وهو الاعجاز العلمي فبالاضافة إلي ما جاء بتلك الايات من اعجاز تنبؤي شمل الأخبار بالغيب‏,‏ وحدد لوقوعه بضع سنين‏,‏ فوقع كما وصفته وكما حددت له زمنه تلك الآيات فكانت من دلائل النبوة‏,‏ فان وصف ارض المعركة بالتعبير القرآني أدني الأرض يضيف إعجازا علميا جديدا‏,‏ يؤكد أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق وأن النبي الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي‏,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏.‏

وكما كانت هذه الايات الكريمة من دلائل النبوة في زمن الوحي لإخبارها بالغيب فيتحقق‏,‏ فهي لا تزال من دلائل النبوة في زماننا بالتأكيد علي ان المعركة الفاصلة قد تمت في اخفض اجزاء اليابسة علي الاطلاق‏,‏ وهي أغوار البحرالميت وما حولها من أغوار ويأتي العلم التجريبي ليؤكد تلك الحقيقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين‏.‏ وعلي كتاب التاريخ الذين تأرجحوا في وضع المعركة الفاصلة في هزيمة الروم علي أرض القسطنطينية‏,‏ أو علي الأرض بين مدينتي أذرعات وبصري من أرض الشام‏,‏ أو علي أرض أنطاكية‏,‏ أو علي أرض دمشق‏,‏ أو أرض بيت المقدس‏,‏ أو أرض مصر‏(‏ الاسكندرية‏)‏ ان يعيدوا النظر في استنتاجاتهم‏,‏ لأن القرآن الكريم يقرر ان هزيمة الروم علي أيدي الفرس كانت علي الأرض الواقعة بين شرقي الأردن وفلسطين وهي أغوار وادي عربة ـ البحرالميت ـ الأردن التي أثبت العلم انها أكثر اجزاء اليابسة انخفاضا‏,‏ والتي ينطبق عليها الوصف القرآني بأدني الارض انطباقا تاما ودقيقا‏.‏

وعلي الذين قالوا ان معني أدني الأرض هو أقرب الأرض من بلاد فارس‏,‏ أو من بلاد العرب‏,‏ أو هي أطراف بلاد الشام‏,‏ أو بلاد الشام‏,‏ أو انطاكية‏,‏ أو دمشق‏,‏ أوبيت المقدس أو غيرها أن يعيدوا النظر في ذلك‏,‏ لأن حدود الامبراطوريتين كانت متلاحمة مع بعضهما بعضا من جهة ومع بلاد العرب من جهة أخري‏,‏ وعليه فلايعقل ان يكون المقصود بتعبير أدني الأرض في هذه الآيات الكريمة هو القرب من بلاد فارس أو بلاد العرب‏,‏ فقط‏,‏ وان كانت ارض الاغوار هي اقرب الأرض الي بلاد العرب‏,‏ بل هي في الحقيقة جزء من ارض شبه الجزيرة العربية‏.‏ فسبحان الذي انزل هذا التعبير المعجز أدني الأرض ليحدد أرض المعركة ثم ليثبت العلم التجريبي بعد أكثر من اثني عشر قرنا ان الأغوار الفاصلة بين أرض فلسطين المباركة والأردن هي أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا ومن هنا كانت جديرة بالوصف القرآني أدني الأرض‏,‏ وجديرة بأن تكون أرض المعركة التي هزم فيها الروم‏,‏ وذلك لقول الحق‏(‏ عز من قائل‏):‏ ألم‏.‏ غلبت الروم‏.‏ في أدني الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون‏.‏ في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون‏.‏ بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم‏.(‏ الروم‏:1‏ ـ‏5

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 4.05)
و الارض ذات الصدع
الإعجاز بالقرآن

وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴿الطارق:12﴾

 د. ‏زغـلول النجـارتم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.org

ونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة-----------------------

       هذه الآية الكريمة من خواتيم سورة الطارق‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ يدور الخطاب فيها حول أمور العقيدة‏,‏ ومنها قضية البعث‏,‏ وقضية صدق الوحي بالقرآن الكريم‏,‏ وهما قضيتان استحال فهمهما‏,‏ والتصديق بهما علي المنافقين من الكفار والمشركين والمتشككين عبر التاريخ‏..!!!.‏ وتبدأ سورة الطارق بقسم من الله‏(‏ تعالي‏)‏ وهو الغني عن القسم ـ بالسماء وبالطارق ـ وفي القسم بهما تفخيم لشأنهما‏,‏ وذلك لدلالة كل منهما علي عظيم قدرة الخالق الذي أبدعهما‏(‏ سبحانه وتعالي‏).‏ ومن صور ذلك التفخيم السؤال الموجه إلي خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ عن ماهية الطارق‏,‏ ثم يأتي الجواب بأنه النجم الثاقب وهو نجم يمثل مرحلة مهمة في نهاية حياة النجوم العملاقة يعرف باسم النجم النيوتروني والنجوم النيوترونية هي نجوم قليلة الحجم‏,‏ عالية الكثافة تدور حول محاورها بسرعات فائقة مصدرة سيولا من الموجات الراديوية‏,‏ تتتابع كالطرقات المتلاحقة التي تثقب صمت السماء‏,‏ وتصل إلينا وهي تدق سماء الأرض بطرقاتها المتلاحقة‏.‏

ويأتي جواب القسم بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ إن كل نفس لما عليها حافظ‏,‏ أي أن‏(‏ الله تعالي‏)‏ قد جعل علي كل نفس رقيبا حافظا من الملائكة‏,‏ يحفظها‏,‏ ويحفظ عنها‏,‏ ويحصي عليها كل ما تعمل من خير أو شر‏,‏ في مراقبة دائمة‏,‏ دائبة‏,‏ لا تتخلف‏,‏ ولا تتوقف ابدا‏,‏ حتي يتأكد الإنسان من أنه محاسب لا محالة‏,‏ وان اعماله محصية عليه بدقة‏,‏ وأنه سوف يجزي عليها الجزاء العادل الأوفي‏.‏ ثم تستمر الآيات بتذكير الإنسان بضرورة النظر في أول نشأته حتي يعرف فضل الله‏(‏ تعالي‏)‏ عليه فلا يكفر‏,‏ ويعرف قدر نفسه فلا يتكبر ولا يتجبر‏,‏ ويؤمن بأن الذي أنشأه من ماء مهين قادر علي إفنائه‏,‏ وقادر كذلك علي بعثه بعد موته‏,‏ وعلي محاسبته وجزائه الجزاء الأوفي‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ فلينظر الإنسان مم خلق ويأتي جواب الاستفهام خلق من ماء دافق‏,‏ يخرج من بين الصلب والترائب ويأتي بعد ذلك القرار الإلهي القاطع‏:‏ إنه علي رجعه لقادر‏.‏

أي أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ الذي أبدع خلق الإنسان من ماء مهين‏,‏ لقادر علي إماتته‏,‏ وعلي إعادة بعثه‏,‏ أي إرجاعه الي الحياة مرة أخري بعد الموت‏,‏ ليقف بين يدي خالقه ومبدعه يوم القيامة فردا‏,‏ بغير أدني قوة ذاتية فيه يمكنه ان يمتنع بها‏,‏ ولا ناصر يمكنه أن ينتصر به‏,‏ يقف مقرا بكل فعل فعله‏,‏ وكل مال اكتسبه او أنفقه‏,‏ وكل كلمة تفوه بها‏,‏ ثم يلقي جزاءه العادل في هذا العرض الأكبر أمام الله‏,‏ في يوم تكشف فيه كل مكنونات الصدور‏,‏ وجميع ما يكون قد أخفي فيها من العقائد والنيات‏,‏ ويصفه الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ هذا اليوم بقوله‏:‏ يوم تبلي السرائر فما له من قوة ولا ناصر ثم تستطرد الآيات بقسم آخر يقول فيه ربنا‏(‏ عز من قائل‏):‏ والسماء ذات الرجع‏,‏ والأرض ذات الصدع‏,‏ ويأتي جواب القسم‏:‏ إنه لقول فصل‏,‏ وما هو بالهزل أي أن هذا القول بالقرآن‏,‏ الناطق بالبعث بعد الموت وبغير ذلك من امور الغيب هو قول فاصل بين الحق والباطل‏,‏ وهو قول جاد‏,‏ حاسم‏,‏ لا هزل فيه‏,‏ وفي ضوء هذا القول القاطع‏,‏ الحاسم‏,‏ الجازم يتجه الخطاب في ختام هذه السورة الكريمة الي رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ مباشرة‏,‏ والي من معه من صحابته الكرام‏(‏ رضوان الله عليهم أجمعين‏),‏ مثبتا ومطمئنا إياهم ـ وهم يعانون مكابدة الكافرين والمشركين من أهل مكة ـ كما نكابد اليوم غطرسة أهل الكفر واستكبارهم ـ بأن الله تعالي قادر علي أن يقابل كيدهم البشري الهزيل بكيد رباني متين‏,‏ لا يستطيعون له دفعا ولا منعا‏,‏ والله علي كل شيء قدير‏,‏ يستدرجهم من حيث لا يعلمون‏,‏ ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر وما ذلك علي الله بعزيز‏,‏ وفي ذلك يقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ إنهم يكيدون كيدا‏,‏ وأكيد كيدا‏,‏ فمهل الكافرين أمهلهم رويدا أي لا تستعجل عقابهم‏,‏ وانتظر أمر الله فيهم‏,‏ فسوف يريكم فيهم عجبا كما نطمع أن يرينا في أهل الكفر والشرك والضلال في زماننا عجبا إن شاء‏..‏ والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏(‏ يوسف‏:21).‏

وهنا يبرز السؤال المهم‏:‏ لماذا أقسم ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ بالسماء ذات الرجع وبالأرض ذات الصدع؟ وما هي أهمية كل منهما التي جعلت منهما مادة لهذا القسم الإلهي‏,‏ والله تعالي غني عن القسم؟ وقد سبقت الإجابة عن الشطر الأول من القسم في مقال سابق‏,‏ ونركز هنا علي الشطر الثاني من القسم‏:‏ والأرض ذات الصدع وقبل الخوض في ذلك لابد لنا من استعراض شروح المفسرين السابقين لهذا القسم القرآني الجليل‏.‏

شروح المفسرين لقوله تعالي‏:‏ والأرض ذات الصدع:

اضغط على الصورة لتكبيرهافي شرح هذا القسم القرآني أشار ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ الي قول ابن عباس‏(‏ رضي الله عنهما‏)‏ بأنه‏:‏ هو انصداعها عن النبات وذكر أن كلا من ابن جرير وعكرمة والضحاك والحسن‏,‏ وقتادة‏,‏ والسدي‏(‏ عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه‏)‏ قالوا به‏,‏ كما قال به غيرهم‏;‏ ومنهم صاحبا تفسير الجلالين‏(‏ يرحمهما الله‏)‏ اللذان قالا‏:‏ هو الشق عن النبات‏,‏ ولكن صاحب الظلال‏(‏ يرحمه الله‏)‏ قال‏:‏ والصدع‏:‏ النبت يشق الأرض وينبثق‏,‏ ووافقه في ذلك صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن‏(‏ يرحمه الله‏)‏ إذ ذكر ما نصه‏:‏ ذات الصدع اي ذات النبات‏,‏ لتصدعها وانشقاقها عنه‏,‏ وأصل الصدع‏:‏ الشق‏,‏ وأطلق علي النبات مجازا‏,‏ والنبات في الأرض إنما يكون بسبب المطر النازل من السماء‏.‏ أقسم الله بهما علي حقية القرآن الناطق بالبعث‏...‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏(‏ جزاهم الله خيرا ورحم من مات منهم‏):‏ أقسم بالسماء ذات المطر الذي يعود ويتكرر‏,‏ وبالأرض ذات الانشقاق عن النبات الذي يخرج منها‏.‏

وكذلك أشار صاحب صفوة التفاسير‏(‏ بارك الله فيه‏)‏ الي قول ابن عباس‏(‏ رضي الله عنهما‏)‏ في تفسير قول ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)(‏ والأرض ذات الصدع‏)‏ مانصه‏:‏ أي وأقسم بالأرض التي تتصدع وتنشق فيخرج منها النبات والأشجار والأزهار‏...‏ ومن هذا العرض يتضح بإجماع قدامي المفسرين علي أن القسم بالأرض ذات الصدع يشمل انصداعها عن النبات او يعني نبات الأرض ذاته‏,‏ بمعني أن الصدع هو النبت يشق الأرض‏,‏ وينبثق منها‏.‏

الأرض ذات الصدع في منظور العلوم الكونية:

 من المعاني الصحيحة التي فهمها الأولون من القسم القرآني بالأرض ذات الصدع معني انصداعها عن النبات‏,‏ اي انشقاقها عنه‏,‏ ولكن لما كانت لفظة الارض قد جاءت في القرآن الكريم بمعني التربة التي تغطي صخور اليابسة‏,‏ وبمعني كتل اليابسة التي نحيا عليها‏,‏ وبمعني كوكب الأرض كوحدة فلكية محددة‏,‏ فإن القسم القرآني بالأرض ذات الصدع لابد وان تكون له دلالة في كل معني من معاني كلمة الأرض كما نجده في الشرح التالي‏:‏

أولا‏:‏ انصداع التربة عن النبات‏:

‏ الصدع لغة هو كسر في الأرض تتحرك الأرض علي جانبي مستواه حركة أفقية‏,‏ أو رأسية أو مائلة‏.‏ وتربة الأرض تتكون عادة من معادن الصلصال المختلطة أو غير المختلطة بالرمل‏,‏ وهي معادن دقيقة الحبيبات‏(‏ أقطارها أقل من‏0.004‏ من الملليمتر‏)‏ وتتركب اساسا من سيليكات الألومنيوم علي هيئة راقات متبادلة من كل من السيليكا‏(‏ ثاني اكسيد السيليكون‏)‏ والألومينا‏(‏ ثالث اكسيد الألومنيوم‏)‏ مع عناصر اخري كثيرة‏,‏ ويحمل كل راق علي سطحه شحنة كهربائية موجبة أو سالبة علي حسب نوع الصلصال المركب منه‏.‏

والصلصال من المعادن الغروية‏,‏ والمواد الغروية لها قدرة الانتشار في غيرها من المواد نظرا لدقة حبيباتها‏,‏ كما ان لها القدرة علي تشرب الماء والالتصاق بأيونات العناصر‏,‏ ولذلك فإنه عند نزول الماء علي التربة أو عند ريها بكميات مناسبة من الماء فإن ذلك يؤدي الي انتفاشها وزيادة حجمها‏,‏ فتهتز حبيباتها‏,‏ وتربو الي اعلي حتي ترق رقة شديدة فتنشق لتفسح طريقا سهلا لكل من الجزير المندفع الي أسفل‏,‏ والسويقة المنبثقة من داخل البذرة النابتة الي اعلي حتي تتمكن من اختراق التربة بسلام وتظهر علي سطح الارض مستمرة في النمو لتغطي باقي اجزاء النبات‏.‏ واهتزاز التربة بنزول الماء عليها له اسباب اخري غير زيادة حجم حبيباتها بالتميؤ‏,‏ ومن ذلك وجود الشحنات الكهربائية المتشابهة علي اسطح الحبيبات‏,‏ مما يؤدي الي تنافرها‏,‏ وتباعد الحبيبات عن بعضها البعض‏,‏ في حركة اهتزازية لا يمكن إيقافها الا بتعادل تلك الشحنات بواسطة شحنات مخالفة ناتجة عن تأين أملاح التربة في ماء الري‏,‏ ومنها دفع جزيئات الماء لحبيبات التربة في كل الاتجاهات لتفسح مكانا لخزن المياه بين تلك الحبيبات‏,‏ ومنها دفع جزيئات الهواء المختزن لحبيبات التربة بواسطة الماء الذي يحل محله باستمرار حتي يطرده بالكامل‏,‏ وكلما زادت كمية المياه المختزنة في التربة حجما زاد انتفاشها وأدي ذلك الي زيادة حجمها‏,‏ فكل حبة من حبات التربة لها القدرة علي التشرب بالماء‏,‏ وحمله علي سطحها‏,‏ واختزانه في المسافات بينها وبين ما حولها من حبيبات‏,‏ وبذلك يتم التبادل بين الأيونات المختلفة علي اسطح حبيبات التربة والأيونات المذابة في الماء المحفوظ بينها ليستفيد النبات من أيونات العناصر المغذية له في التربة بعد تحللها بواسطة الإنزيمات الخاصة التي تفرزها الجذيرات المندفعة الي اسفل من البذرة النابتة‏.‏ ولولا خاصية انصداع التربة عند نزول الماء عليها او ريها ما أنبتت الأرض علي الإطلاق‏,‏ ومن هنا كان ذلك وجها من أوجه القسم بالأرض ذات الصدع لأهميته البالغة في إعمار الأرض وجعلها صالحة للحياة‏.‏

ثانيا‏:‏ تصدع صخور اليابسة‏:‏

نتيجة لتعرض صخور قشرة الارض للإجهاد بالشد أو بالتضاغط تتكسر تلك الصخور بواسطة مجموعات من الفواصل المتوازية والمتقاطعة علي هيئة شقوق في قشرة الارض‏,‏ تمزق صخورها الي كتل متجاورة دون حدوث قدر ملحوظ من الحركة علي جوانب مستويات تلك الشقوق‏.‏ كذلك تحدث الفواصل نتيجة لعمليات التعرية التي تقوم بازاحة كميات كبيرة من الصخور الظاهرة علي سطح الارض‏,‏ بما يعين علي تخفيف الضغط علي الصخور الموجودة اسفل منها وبالتالي تخفيف شدة الاجهاد الذي كانت تعاني منه تلك الصخور فتستجيب بالتمدد فتتشقق علي هيئة كسور تفصل أجزاء الصخور الي كتل متجاورة دون حدوث حركة ملحوظة عبر تلك الفواصل‏.‏

اضغط على الصورة لتكبيرهاوغالبية فواصل الارض تقع في مجموعات متوازية ومتقاطعة في اتجاهين اواكثر وان كان بعضها قد لا يكون له اتجاه محدد واغلبها قليل العمق‏.‏ وتحدث فواصل قشرة الارض كذلك نتيجة لتبرد الصهارة الصخرية المندفعة من باطن الارض قريبا من سطحها او الي سطحها علي هيئة متداخلات نارية او طفوح بركانية‏.‏

ولتكون فواصل قشرة الأرض حكمة بالغة فهي خطوة مهمة لتجوية الصخور وتعريتها حيث انها تعمل كممرات لعوامل التعرية المختلفة الي داخل الصخور وبالتالي فإنها تعمل علي تكوين كل من تربة الارض‏,‏ والرسوبيات‏,‏ والصخور الرسويبة‏,‏ وبغير التربة لم تكن زراعة الارض ممكنة‏,‏ وبغير الصخور الرسوبية لم يتكون النفط ولا الغاز الطبيعي‏,‏ ولا العديد من الثروات الترسيبية مثل الفحم‏,‏ الفوسفات‏,‏ المتبخرات وغيرها‏,‏ كذلك فإن توزيع فواصل الغلاف الصخري للأرض قد يحدد مواقع لعدد من الركازات المعدنية المهمة مثل الذهب‏,‏ والفضة‏,‏ والنحاس‏,‏ والرصاص‏,‏ والقصدير وغيرها‏,‏ كما قد يعين في تحديد مجاري بعض الأنهار‏,‏ أو تكوين بعض الكهوف وحفر الإذابة في الصخور‏.‏ أما صدوع الأرض فهي كسور في قشرتها‏,‏ يتم عبرها تحرك صخورها علي جانبي مستوي الصدع حركة أفقية‏,‏ أو رأسية‏,‏ أو مائلة بدرجة ملحوظة‏,‏ وتتراوح أبعاد تلك الصدوع تباينا كبيرا‏,‏ فمنها مالا يري بالعين المجردة‏,‏ ولا تكاد الحركة عبر مستواه تدرك ومنها ما يمتد لعشرات الكيلومترات‏,‏ وتبلغ الحركة عبر مستواه مبلغا عظيما‏.‏

ومن هذه الصدوع ما يتكون نتيجة لشد صخور الأرض في اتجاهين متعاكسين‏,‏ ومنها ما يتكون نتيجة للتضاغط في اتجاهين متقابلين‏,‏ كما أن منها ما يتكون نتيجة انزلاق كتل الصخور عبر بعضها البعض‏.‏ وتحرك صدوع الأرض النشطة يحدث عددا من الهزات الأرضية‏,‏ أما الصدوع القديمة فقد أصبح أغلبها خاملا بلا حراك‏.‏ ولصدوع الأرض اهمية بالغة لأنها تمثل ممرات طبيعية بين باطن الارض وسطحها‏,‏ تتحرك عبرها الابخرة والغازات المحملة بالثروات المعدنية‏,‏ كما تتحرك المتداخلات النارية والطفوح البركانية المحملة كذلك بمختلف الصخور والمعادن الاقتصادية المهمة وبالعناصراللازمة لتجديد صخور وتربة سطح الأرض‏.‏ والصدوع تلعب أدوارا مهمة في تكوين كل من النتوءات والخسوف الأرضية‏,‏ والينابيع المائية‏,‏ وبعض المكامن البترولية‏,‏ كما تعين عمليات التعرية المختلفة في شق الفجاج والسبل‏,‏ وفي تكوين الأودية والمجاري المائية‏,‏ وفي جميع عمليات التعرية وتسوية سطح الأرض‏,‏ وما يستتبعه ذلك من تكوين كل من التربة والرسوبيات والصخور الرسوبية وما بها من الثروات الأرضية‏.‏

وكما تكون الصدوع عاملا من عوامل الهدم علي سطح الأرض فإنها قد تكون عاملا من عوامل البناء تبني الجبال والتلال والهضاب‏,‏ كما تبني الأحواض‏,‏ والأغوار‏,‏ والخسوف الأرضية‏.‏

ثالثا‏:‏ تصدع الأرض ككوكب بواسطة أودية الخسف‏:‏

علي الرغم من التعرف علي عدد من اودية الخسف الصدوع العملاقة علي سطح الأرض منذ زمن بعيد إلا ان العلماء قد اكتشفوا في العقود الثلاثة الماضية ان ارضنا محاطة بشبكة هائلة من تلك الأودية الخسيفة الصدوع العملاقة التي تحيط بالأرض احاطة كاملة يشبهها العلماء باللحام علي كرة التنس‏,‏ وتمتد هذه الصدوع العملاقة لالاف الكيلومترات في جميع الاتجاهات بأعماق تتراوح بين‏65‏ و‏70‏ كيلو مترا تحت قيعان كل محيطات الأرض وقيعان عدد من بحارها‏,‏ وبين‏150,100‏ كيلو مترا تحت القارات‏,‏ ممزقة الغلاف الصخري للأرض بالكامل الي عدد من الألواح التي تعرف باسم ألواح الغلاف الصخري للأرض وتطفو هذه الألواح الصخرية فوق نطاق الضعف الأرضي‏,‏ وهو نطاق لدن‏,‏ شبه منصهر‏,‏ عالي الكثافة واللزوجة وتنطلق فيه تيارات الحمل من اسفل الي اعلي حيث تتبرد وتعاود النزول الي اسفل فتدفع معها الواح الغلاف الصخري للأرض متباعدة عن بعضها البعض في احدي حوافها ومصطدمة مع بعضها البعض عند الحواف المقابلة‏,‏ ومنزلقة عبر بعضها البعض عند بقية الحواف‏.‏ وينتج عن هذه الحركات لألواح الغلاف الصخري للأرض عدد من الظواهر الارضية المهمة التي منها اتساع قيعان البحار والمحيطات‏,‏ وتجدد صخورها باستمرار عند حواف التباعد‏.‏ وتكون سلاسل من جبال اواسط المحيطات ومن الجزر البركانية‏,‏ ومنها تكون السلاسل الجبلية عند حواف التصادم حيث يستهلك قاع المحيط تحت كتلتين القارتين المقابلتين له‏,‏ وتصاحب العمليتان بالهزات الأرضية وبكم هائل من الطفوح البركانية ويبلغ طول جبال أواسط المحيطات أكثر من‏64000‏ كيلومتر وهي تتكون أساسا من الصخور البركانية المختلطة بقليل من الرواسب البحرية‏.‏ وتحيط بالصدوع العملاقة‏,‏ ومع تجدد صعود الطفوح البركانية‏.‏ عبر هذا الصدع العملاق‏(‏ الوادي الخسيف‏)‏ في وسط سلسلة الجبال البحرية يتجدد قاع المحيط بأحزمة حديثة من الصخور البازلتية المتوازية علي جانبي الوادي الخسيف‏,‏ ويهبط قاعة المحيط بنصف معدل اتساع قاع عند كل من شاطئيه‏,‏ وبذلك تكون احدث صخور قاع المحيط حول محوره الوسطي‏,‏ وأقدمها عند هبوط قاع المحيط تحت كتل القارتين المحيطتين به‏.‏

وهذه الحركة لألواح الغلاف الصخري للأرض كانت سببا في زحف القارات‏,‏ وتجمعها‏,‏ وتفتتها بصورة دورية‏,‏ فيما يعرف باسم دورة القارات والمحيطات‏,‏ وفيها قد تنقسم قارة ببحر طولي مثل البحر الأحمر الي كتلتين ارضيتين تتباعدان عن بعضهما البعض باتساع قاع البحر الفاصل بينهما حتي يتحول إلي محيط‏,‏ كما قد يستهلك قاع محيط بالكامل تحت إحدي القارات بدفع كتلة أرضية له تحت تلك القارة حتي يصطدما مكونين أعلي سلاسل جبلية علي سطح الأرض كما حدث في اصطدام الهند بالقارة الآسيوية‏,‏ وتكون سلسلة جبال الهمالايا‏,‏ وبها قمة إفرست أعلي قمة جبلية علي سطح الأرض‏.‏ وهذه الصدوع العملاقة الأودية الخسيفة التي تحيط بالكرة الأرضية إحاطة كاملة بعمق يتراوح بين‏65‏ كيلومترا‏,‏ و‏150‏ كيلو مترا‏,‏ وبطول يقدر بعشرات الآلاف من الكيلومترات في كل الاتجاهات هي مراكز تتحرك عبرها ألواح الغلاف الصخري للأرض متباعدة أو مصطدمة أو منزلقة عبر بعضها البعض‏.‏ وهذه الصدوع العملاقة تعمل كممرات طبيعية للحرارة المختزنة في داخل الأرض والناتجة عن تحلل العناصر المشعة‏,‏ ولولاها لانفجرت الأرض‏.‏

وعبر هذه الصدوع العملاقة تندفع ملايين الأطنان من الصهارة الصخرية علي هيئة طفوح بركانية تثري سطح الأرض بالعديد من الصخور والمعادن النافعة‏,‏ وتجدد شباب التربة الزراعية‏,‏ وتكون مراكز مهمة لاستغلال الحرارة الأرضية‏.‏ وعبر هذه الصدوع العملاقة وما صاحبها من فوهات البراكين انطلقت الغازات والأبخرة التي كونت غلافي الأرض المائي والغازي‏,‏ ولا تزال تنطلق لتجددهما‏,‏ وخلال تلك العملية تفقد الأرض من كتلتها الي فسحة السماء بعضا من مادتها وطاقتها تتناسب مع ما تفقده الشمس من كتلتها علي هيئة طاقة حتي تظل المسافة بين الأرض والشمس ثابتة‏,‏ لاتنقص فتحرقنا اشعة الشمس‏,‏ او تبتلعنا ودرجة حرارة لهيبها‏15‏ مليون درجة مئوية‏,‏ ولا تزيد فيتجمد وتتجمد الحياة من حولنا‏,‏ او تنفلت من عقال جاذبيتها فتضيع في فسحة الكون الشاسع‏,‏ ليس هذا فقط‏,‏ بل ان الغلاف الصخري للأرض قد تكون ايضا عبر تلك الصدوع العملاقة‏,‏ وذلك لأن الكثير من الشواهد الأرضية تشير الي ان الغلاف الصخري الأول للأرض كان مكونا من صخور البازلت الشبيهة بصخور قيعان البحار والمحيطات الحالية‏,‏ وبالصخور المندفعة عبر الصدوع التي تمزقها‏,‏ وان الارض كانت مغطاة بالمياه علي هيئة محيط غامر واحد‏,‏ وبواسطة النشاط البركاني فوق قاع هذا المحيط الغامر تكونت أولي المرتفعات فوق قاعه علي هيئة عدد من السلاسل الجبلية في وسطه‏,‏ ارتفعت قممها لتكون عددا من الجزر البركانية‏,‏ ومع تحرك تلك الجزر البركانية تصادمت مع بعضها البعض لتكون نوي عدد من القارات التي نمت بتصادمها مع بعضها لتكون قارة واحدة عرفت باسم القارة الأم ‏Mother Continent or Pangaea‏ التي ما لبثت ان تفتتت بفعل ديناميكية الأرض وصدوعها العملاقة الي القارات السبع الحالية التي ظلت تتباعد عن بعضها حتي وصلت الي مواقعها الحالية‏.‏

وعبر صدوع الأرض العملاقة تكونت القشرة القارية بتركيبها الذي تغلب عليه الصخور الجرانيتية‏,‏ وأثريت تلك القشرة ولا تزال تثري بمختلف العناصر والمركبات علي هيئة العديد من المعادن والركازات ذات القيمة الاقتصادية‏,‏ وتكونت السلاسل الجبلية التي تثبت باوتادها كتل القارات في قيعان البحار والمحيطات او تثبت قارتين ببعضهما البعض بعد استهلاك قاع المحيط الفاصل بينهما تحت احداهما‏,‏ وثارت البراكين ورجفت الأرض بالزلازل‏,‏ وتحركت دورات الماء والصخور وعوامل التعرية وتكونت التربة والرسوبيات والصخور الرسوبية وما تختزنه من الثروات الارضية واصبحت الارض صالحة لعمرانها بالحياة‏.‏ وهذه الصدوع العملاقة التي تمزق قيعان كل محيطات الارض وقيعان عدد من بحارها‏(‏ من مثل البحر الاحمر‏)‏ توجد ايضا علي اليابسة وتعمل علي تكوين بحار طولية شبيهة بالبحر الأحمر لتفتيت اليابسة الي عدد اكبر من القارات واشباه القارات‏,‏ وتحاط تلك الصدوع القاربة العملاقة بعدد من الجبال البركانية العالية من مثل جبل ارارات في شرق تركيا‏(5100‏ م فوق مستوي سطح البحر‏)‏ ومخروط بركان اتنا في شمال شرقي صقلية‏(3300‏ م فوق مستوي سطح البحر‏),‏ ومخروط بركان فيزوف في خليج نابلي بإيطاليا‏(1300‏ م فوق مستوي سطح البحر‏),‏ وجبل كيليمنجارو في تنجانيقا‏(5900‏ م فوق مستوي سطح البحر‏),‏ وجبل كينيا في جمهورية كينيا‏(5100‏ م فوق مستوي سطح البحر‏).‏

فسبحان الذي وصف الأرض من قبل ألف وأربعمائة سنة بأنها ذات صدع‏,‏ لأن هذه الشبكة الهائلة من الصدوع العملاقة أو الأودية الخسيفة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض بعمق يتراوح بين‏150,65‏ كيلو مترا‏,‏ وتمتد لعشرات الآلاف من الكيلومترات لتحيط بالأرض إحاطة كاملة في كل الاتجاهات تتصل ببعضها البعض وكأنها صدع واحد‏.‏ وسبحان الذي اقسم بالأرض ذات الصدع من قبل ألف واربعمائة سنة تفخيما لظاهرة من اروع ظواهر الارض واكثرها ابهارا للعلماء‏,‏ واشدها لزوما لجعل الأرض كوكبا صالحا للحياة وللعمران‏,‏ لأنه بدونها لم يكن ممكنا للأرض ان تكون صالحة لذلك‏,‏ فعبر هذه الصدوع العملاقة خرج كل من الغلافين المائي والغازي للأرض‏,‏ ولايزالان يتجددان وعبر النشاط الملازم لها تحركت الواح الغلاف الصخري الأولي للأرض فتكونت القارات والسلاسل الجبلية‏,‏ والجزر البركانية‏,‏ وتجددت قيعان المحيطات‏,‏ وتزحزحت القارات‏,‏ وتبادلت اليابسة والمحيطات وثارت البراكين لتخرج قدرا من الحرارة الأرضية الحبيسة في داخل الأرض‏,‏ والتي كان من الممكن ان تفجرها لو لم تتكون تلك الصدوع العملاقة‏,‏ وخرجت كميات هائلة من المعادن والصخور ذات القيمة الاقتصادية مع هذه الثورات البركانية‏,‏ ونشطت ديناميكية الأرض‏,‏ وثبتت ألواح غلافها الصخري بالجبال‏.‏

وهنا نري في صدوع الأرض ابعادا ثلاثة‏:‏ بعدا لا يتعدي بضعة ملليمترات او بضعة سنتيمترات في انصداع التربة عن النبات‏,‏ وبعدا آخر في صدوع اليابسة التي تمتد الحركات الأرضية عبر مستوياتها من عشرات السنتيمترات الي مئات الأمتار‏,‏ وبعدا ثالثا في الصدوع العملاقة التي تنتشر اساسا في قيعان المحيطات‏.‏ كما توجد في بعض اجزاء اليابسة علي هيئة اغوار سحيقة تتراوح اعماقها بين‏65‏ كيلو مترا‏,‏ و‏150‏ كيلو مترا‏,‏ وتمتد لعشرات الآلاف من الكيلومترات لتحيط بالأرض إحاطة كاملة علي هيئة صدع واحد‏,‏ ونري اهمية كل بعد من هذه الأبعاد في تهيئة الأرض للعمران‏.‏ ومن هنا كان القسم القرآني بالأرض ذات الصدع من قبل ألف وأربعمائة سنة‏,‏ والعلم الكوني لم يصل الي كشف تلك الحقيقة إلا في اواخر الستينات واوائل السبعينات من القرن العشرين‏,‏ ولم يكن لأحد في زمن الوحي‏,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده إلمام بتلك الحقيقة الأرضية‏,‏ او ادراك لشيء من جوانبها‏,‏ ولا يمكن لعاقل ان يتصور مصدرا لها قبل ألف وأربعمائة من السنين غير الله الخالق‏.‏

وهذا السبق القرآني بالإشارة الي تلك الحقيقة الأرضية والي غيرها من الحقائق الكونية هو ما يؤكد ان القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏,‏ وأن هذا النبي الخاتم‏,‏ والرسول الخاتم‏,‏ الذي أوحي اليه القرآن‏,‏ كان دوما موصولا بالوحي‏,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض فصلي الله وسلم وبارك عليه‏,‏ وعلي آله وصحبه أجمعين وعلي كل من تبع هداه ودعا بدعوته الي يوم الدين‏,‏ اللهم آمين آمين آمين‏

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 4.5)
الزلازل و البراكين .. رؤية ايمانية
الإعجاز بالقرآنتم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.orgونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة----------------------- سورة الزلزلة واحدة من أكثر سور القرآن الكريم تأثيرا في القلوب الواعية منها والغافلة، ومن أشدها تحذيرا وتنبيها للنفس البشرية بما تسوقه من صور لمشهد عظيم من مشاهد يوم القيامة التي تتنوع وتتعدد.... مبشرة الأتقياء بنعيم مقيم محذرة الأشقياء من عذاب أليم. مؤكدة أن عمل الخير أو الشر مهما تضاءل سيجزى به الإنسان وأن الحساب والوزن والجزاء لن يترك صغيرة ولا كبيـرة إلا ويحصيـها ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ).     تبدأ السورة بربط ظاهرتين عرفهما الناس في حياتهم الدنيا، واعتبروهما من الكوارث الطبيعية... الزلازل والبراكين؛ نظرا لما تحدثانه من هلاك ودمار وما تبثانه من هلع وذعر. وواضح من السياق أن ما سيحدث يوم القيامة سيكون أكثرا هولا وأشد وقعا وأنه لا وجه لتشبيه ما سيحدث في ذلك اليوم بما ألفه الناس أو عرفوه في دنياهم، ومن المثير للتأمل والتدبر أن أول آيتين في السورة قد أوردتا إشارتين علميتين في غاية الأهمية، لم يتوصل العلم إليهما بشكل قطعي إلا في منتصف هذا القرن وبعد تجميع كم هائل من القياسات والبيانات من كافة أنحاء العالم، استخدم في الحصول عليه أدق الأجهزة العلمية وأكثرها حساسية، وما كان يمكن لبشر في زمن محمد عليه الصلاة والسلام أن يصل إلي أي منها. الإشارة العلمية الأولى: هي الربط بين ظاهرتي الزلازل والبراكين. الإشارة العلمية الثانية: هي أن مكونات جوف الأرض أثقل من مكوناتها السطحية.          بالنسبة للإشارة الأولى فكلنا سمع في السنوات الحديثة عن ما يسمى بشبكات الرصد الزلزالي المنتشرة في كل بقاع العالم، وكلنا يقرأ بين الحين والآخر أن مرصد حلوان في مصر ومرصد كذا في فرنسا وكذا في أمريكا وكذا، في اليابان قد سجل الزلزال الذي وقع في منطقة كذا والتي قد تبعد آلاف الأميال عن تلك المراصد، وأنه قد تم بفضل تعاون هذه المراصد تحديد بؤرة الزلزال وشدته بدقة كبيرة، كما وأننا جميعا نسمع بين حين وآخر عن حدوث انفجار أو نشاط بركاني في منطقة كذا من العالم، وربما شاهد بعضنا ما تعرضه أجهزة التلفاز عن هذه الأنشطة البركانية ورأى الحمم أو سحب الرماد البركاني تخرج من فوهات البراكين أو من تشققات الأرض، وما تحدثه من دمار وهلع وذعر فدعا الله أن يقيه شر هذا البلاء، وحمده لكونه يعيش بعيدا عن مثل تلك المناطق، ولكن الذي لا يعرفه الكثيرون هو أن هناك فئة ليست بالقليلة من العلماء المتخصصين تعكف على هذه الأحداث والبيانات لتوقعها على خرائط أساس ( أي خالية من أي بيانات ) للكرة الأرضية، فهذه مجموعة توقع بؤر الزلازل التي تزيد شدتها على والتي حدثت خلال المائتي عام الماضية على خريطة تسمى خريطة مواقع الزلازل الحديثة وهذه مجموعة أخرى توقع أماكن الأنشطة البركانية الحديثة خلال نفس الفترة الزمنية على خريطة أساس مماثلة وتسمى خريطة النشاط البركاني الحديث أظهرت خريطة المجموعة الأولي أن توزيع بؤر الزلازل على مستوي الكرة الأرضية ليس عشوائيا بل إنه يتبع نمطا معينا، وأن هناك مناطق تخلو تماما من تلك البؤر مثل الصحراء الكبرى بينما هناك أخرى تتركز فيها هذه البؤر مثل اليابان وإندونيسيا والساحل الغربي لأمريكا الجنوبية والتي أطلق عليها مجازا أحزمة الزلازل، وأظهرت خريطة المجموعة الثانية أن توزيع الأنشطة البركانية ليس عشوائيا أيضا بل يتبع نمطا معينا، وأن هناك مناطق تخلو تماما من النشاط البركاني مثل الصحراء الكبرى وأخرى تكثر فيها هذه الأنشطة مثل اليابان وإندونيسيا والساحل الغربي لأمريكا اللاتينية وأطلق عليها حزام النار، تظهر أي مقارنة بين تلك الخرائط أن هناك تطابقا كاملا بين المناطق التي تحدث فيها الزلازل (أحزمة الزلازل) وتلك التي تكثر فيها الأنشطة البركانية (أحزمة النار) مما يؤكد وجود علاقة وثيقة لا يشوبها أي شك بين الزلزلة والانفجارات البركانية.                   والسؤال هو: لو لم يكن هذا القرآن وحيا من العليم الحكيم فكيف تأتىَّ لمحمد أن يربط بين هاتين الظاهرتين بالذات ليصور منهما مشهدا من مشاهد يوم القيامة ؟ ولماذا لم يربط الزلازل مثلا بالصواعق أو الأعاصير أو يربط البرق والرعد بالبراكين ؟ وكيف أمكن لمحمد دون أي قياسات أو اتصالات أو رصد وقبل أن تكتشف مناطق كثيرة من العالم أن يربط بين الظاهرتين بهذا الربط الجازم الواضح المبسط ؟ (إن هو إلا وحي يوحي ) ولعل في هذه الإشارة العلمية وما بها من إعجاز مجالا ليراجع أي منكر لرسالة محمد موقفه وليزداد كل مؤمن بها إيمانا وتصديقا.     أما بالنسبة للإشارة العلمية الثانية والتي وردت في الآية الثانية من سورة الزلزلة (وأخرجت الأرض أثقالها) فهي تفيد أن مكونات الأرض في جوفها أثقل من مكوناتها عند سطحها. والسؤال هو: ما نصيب هذه المعلومة من الصحة ومتى وكيف أمكن للعالم أن يعرفها ؟ أما أن هذه المعلومة صحيحة فهذا أمر مؤكد لا يختلف عليه اثنان من علماء الأرض الآن بل إنه أمكن تحديد كثافة تلك المكونات فمتوسط الثقل النوعي لمواد الأرض السطحية هو حوالي 2.5 وتزيد هذه القيمة تدريجيا لتصل إلي حوالي 3.5 في الوشاح على عمق يبدأ من حوالي 60 كم إلى حوالي 2900 كم ثم يصل الثقل النوعي إلى حوالي 12 في لب الأرض الذي يمتد لمسافة 3000 كم أخرى حتى مركز الأرض.      أما متى عرف العلماء هذه الحقائق ؟ فالمعلومات كلها تؤكد أن ذلك تم كله في القرن الحالي بعد أن أمكن قياس سرعة انتقال الموجات الزلزالية في جوف الأرض وتحديد النطاقات التي تتغير عندها هذه السرعات، ثم تحديد تركيب هذه النطاقات من المضاهاة التجريبية لسرعة انتقال أنواع الموجات في المواد المختلفة، كما ساعدت دراسة النيازك الحديدية التي تتساقط على الأرض والتي يعتقد أنها مماثلة لمكونات الأرض الداخلية أيضا في الوصول إلي تصور عن التركيب الداخلي للأرض والصور التي يمكن أن تتواجد عليها المادة هناك كما أمكن الاستفادة أيضا من قوانين الجاذبية في حساب متوسط كثافة الأرض حوالي 5.5م/سم والذي أعطى مصداقية لكل هذه التقديرات.     والآن نعود فنسأل لو لم يكن وحيا فكيف كان لمحمد أن يعرف هذا التدرج في ارتفاع كثافة مكونات الأرض وأنه عندما تحدث الزلزلة الكبرى ستلقي الأرض بأثقالها مما هو في أعماق أعماقها، ثم نوجه الانتباه إلي هذا التوافق الرائع مع ما ذكره الحق في موضع آخر من كتابه الكريم (الله الذي جعل لكم الأرض قرارا) سورة غافر 64. فقد جعلها بهذا التوزيع الداخلي للأثقال والجاذبية ملائمة تماما للحياة والاستقرار عليها سواء من البشر أو الحيوان أو النبات، فإذا أراد الله أن ينهي هذه الحياة بكافة صورها فما على الأرض إلا أن تتخلى عن مسئوليتها وتلقي ما بداخلها تصديقا لقوله تعالي (وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت) سورة الانشقاق 3-4. وبهذا تنتهي الحياة على الأرض... الزلزال الأعظم يحدث فتتشقق الأرض ويندفع ما بداخلها وتلقي بأثقالها فتميد وتضرب (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
(أقرأ المزيد ... | التقييم: 4.22)
و الجبال اوتادا
الإعجاز بالقرآن

والجبــــال أوتـــــــاداً

   تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.orgونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة----------------------- 

د. حسن با حفظ الله

  لقد احتوي القرآن الكريم وحي الله المنزل علي خاتم أنبيائه محمد - علي آيات الهداية والرشاد وكان وما زال معجزا في بيانه، معجزا في أخباره، ومعجزا في اتيانه وتقريره لأمور وسنن كونية ما كان للإنسان أن يدركها ناهيك عن أن يقررها في وقت نزول هذا الوحي ولم يحط بها ويدركها تماما إلا في وقت متأخر جدا، قدره المولي عز وجل وقرره في قوله{لكل نبأ مستقر وسوف تعملون}( الآنعام:67) وفي قوله تعالي: {ولتعلمن نبأه بعد حين}(ص/88) ولسوف نتناول في مقالنا هذا حقيقة علمية ذكرها القرآن الكريم وأشار إليها في عدد من آيته إلا وهي ظاهرة الجبال شكلا ووظيفة،  والتي لم يستطع الإنسان أن يصل إليها كحقيقة معروفة إلا بعد التقدم والتطور العلمي والتقني الهائل الذي حصل في القرنين الأخيرين من عمر البشرية.

    لقد عرف الإنسان الجبال منذ القدم وتعامل معها وعاش في أكنافها واستفاد منها ومن مكوناتها  المستفادة الماشرة التي عرفها من خلال شكلها الظاهري فقد عرف الجبل بأنه كل ما علا عن سطح الأرض واستطال وتجاوز التل ارتفاعا. فهل يفي هذا التعريف الجبل حقه الآن؟

 إجابة علي هذا التساؤل سنجول ونقلب في صفحات تاريخ الجبال على مدي القرون الثلاثة الأخيره والتي تميزت بالكثير من الكشوف العلمية الهامة في شتي المجالات الكونية.

  لقد فتن الإنسان بالجبال شكلاً وجذب إليها لما فيها من منافع واكتفي بمعرفتها ظاهريا إلي بداية القرن الثامن عشر عندما تنبه بير بوجر Griviational Attraction والذي كان يرأس بعثة إلي جبال (الأنديز) إلي أن قوة الجذب المقاسة في هذه المنطقة لا يتناسب مع كتلة هذه الجبال الهائلة وإنما هي أقل بكثير مما هو متوقع، معتمدا على الانحراف في اتجاه القمم البركانية في تلك المنطقة، والملاحظ على قياس الجذب التقليدي الذي كان متوفرا لديه والمسمي بميزان البناء Plumb Bab  ونتيجة لهذه الملاحظة الأولية أفترض بوجر ضرورة وجود كتلة صخرية هائلة غير مرئية ليس لها مكان إلا أسفل تلك الجبال البارزة، ولقد حفلت بدايات القرن التاسع عشر الميلادي بالكثير من أعمال المسح الجيولوجي التي قامت بها بعثات جيولوجية بريطانية في شبه الجزيرة الهندية وفسرت من خلالها الكثير من الظواهر. غير أن ظاهرة الشذوذ في قراءات الجاذبية قريبا من جبال الهيمالايا والتي اشتهرت باسم لغز الهند لم تفسر تفسيرا منطقيا إلا  في منتصف ذلك القرن من خلال أعمال المسح التي كان يتولى الإشراف عليها سير جورج أفرست والتي كانت تشير بوضوح إلى أنه لا يمكن تفسير هذا الشذوذ إلا بافتراض وجود امتدادات لهذه الجبال الهائلة منغرسة في جوف القشرة الأرضية إلى مسافات عميقة، وأن هذه الامتدادات إما أن تكون من نفس مادة الجبال البارزة أو أكثر كثافة منها. بهذه الفرضية أمكن حل مشكلة الفارق الملاحظ في قياس المسافة بين محطة كاليانا الواقعة في أحضان جبال الهيمالايا وكاليان بور البعيدة نسبيا عن جبال الهيمالايا والواقعة في المنطقة المنبسطة( شكل 1)  والذي قدر بحوالي 153 مترا، هذا الفرق كان قد لوحظ عندما قيست المسافة بطريقتي قياس مختلفتين: الأولي تعتمد علي حساب المثلثات وتسمى بطريقة المسح الثلثي  Triangulation Technique والثانية تعتمد على موقع النجم القطبي وتسمي بطريقة المسح الفلكي  Astronoical Technique وقد عزي الشماس جون  اضغط على الصور لتكبيرها هاري برات Archdeacan John Henry Pratt هذا الفارق إلي تأثر الطريقة الثانية المستخدمة في القياس بقوة جذب كتلة غير منظورة لم يتم إدخالها في المعادلات المستخدمة لإنجاز الحسابات النهائية للقياسات. وبعبارة أخري كان يشير إلي وجود جذور Roots لجبال الهيمالايا ممتدة أسفل منها وهي التي أثرت علي القياسات وأظهرت الفارق سالف الذكر.

 في عام 1865  تقدم سير جورج أيري بنظرية مفادها أن القشرة الأرضية لا تمثل أساسا مناسبا للجبال التي تعلوها وافترض أن القشرة الأرضية وما عليها من جبال لا تمثل إلا جزرا طافية علي بحر من صخور أعلى كثافة. وعليه فلابد للجبال لضمان ثباتها واستقرارها على هذه المادة الأكثر كثافة ان تكون لها جذور ممتدة من داخل تلك المنطقة العالية الكثافة (شكل 2). 

                           اضغط على الصور لتكبيرها إن التفسير العلمي لنظرية جورج أيري أتى من خلال النموذج الذي قدمه الجيولوجي الأمريكي دتون في عام 1989 م Theory of Isostasy شارحا به نظريته المسماة بنظرية الاتزان والمتمثل في مجموعة من حوض مملوء بالماء شكل المجسمات الخشبية المختلفة الارتفاعات طافية في تبين من هذا النموذج أن الجزء المغمور في الماء(شكل: 3) من المجسمات الخشبية يتناسب طردا مع ارتفاعه ذاكرا أنها في حالة اسماها بحالة الاتزان الهيدروستاني State of    Hydrostatic Balance   أما التمثيل الطبيعي والتقليدي لهذه الحالة فهي في الواقع حالة جبال الجليد العائمة Iceebergs  (شكل: 4)

ثم  تطورت العلوم وتوالت الكشوف وانتقلت قضية جذور الجبال من مرحلة النظرية إلي الحقيقة والواقع الملموس، وذلك بفضل من الله ثم بتقدم معرفتنا بتركيب الأرض الداخلي عن طريق القياسات ( السايزمية تحت السطحية) والتي كشفت لنا أن القشرة الأرضية الصلبة التي نحيا عليها لا تمثل إلا طبقة رقيقة جدا قياسا بما تحتها من طبقات وتراكيب أخري وأن هذه الطبقة في الواقع تطلق علي طبقة أعلى كثافة منها ولكنها في حالة مانعة تسكي بالوشاح (شكل:5)،  ثم عرفنا حقيقة أخري تتمل في أن استقرار واتزان القشرة الأرضية بما تحمله من جبال وتلال ووديان لا يتم علي طبقة الوشاح إلا من خلال امتدادات من مادة القشرة داخل نطاق الوشاح وأن هذه الامتدادت لا يمكن أن تمثل عمليا إلا بودر الأوتاد في تثبيت الخيمة علي سطح الأرض لضمان ثباتها وعدم اضطرابها

                                 اضغط على الصور لتكبيرها  أخيرا وصلنا كبشر إلي مرحلة من المعرفة  مكنتنا بعون الله من رسم العديد من الخرائط تحت السطحية في أجزاء عديدة من الكرة الأرضية أمكن من خلالها إثبات أن الجذور التحت سطحية تتناسب طردا مع ما يعلوها من تراكيب فهي ضحلة في حالة المنخفضات وعميقة جدا في حالة الجبال العالية. ليس هذا فقط بل أمكننا أن نقيس أطوال هذه الجذور وتوقع تركيبها وخواصها الطبيعية والكيميائية.

 هذا ما قاله العلم فماذا قال القرآن؟؟ أليست هذه الحقائق التي ثبتت الآن بيقين هي ما أشار إليها كتاب الله الكريم بإيجازه المعجز قبل ما ينوف على أربعة عشر قرنا عندما قال جل من قائل{وألقي في الأرض رواسي أن تميدبكم} ( النحل /15) مشيرا إلي ما خفي على الإنسان من دور ووظيفة الجبال في ثبات واستقرار الأرض التي يعيش عليها هذا الإنسان، وفي قوله تعالى{ والجبال أوتادا}(سورة النبأ/7)، مشيرا إلي الشكل الحقيقي للجبل وجذره الخفي الممتد أسفل منه. كل ذلك في كلمتين سهلتين واضحتين ولقد أدرك علماء المسلمين الأوائل هذه الحقائق من كتاب ربهم عندما تعرضوا لتفسير هذه الآيات الكريمة (أنظر الجدول).

مقارنة بين مقولة المفسرين ومقولة الموسعة البريطانية:

ولتقارن أيها القارئ الكريم بين ما قاله هؤلاء العلماء منذ مئات السنين وبين ما قالته الموسوعة البريطانية Encyclopacedia Britannica  ذائعة الصيت في تعريفها بالجبال في المجلد الثاني عشر تحت مادة عمليات بناء الجبال حيث قالت: إن الجبل هو منطقة من الأرض مرتفعة نسبيا عما حولهاثم تحدثت الموسوعة عن سلاسل الجبال وأنواعها المختلفة. وهكذا نجد أن الموسوعة قد اقتصرت في تعريفها للجبال علي الشكل الخارجي فقط مفضلة تماما من الجذر في هذا التعريف ولا تعليق لنا أكثر من ذلك.

  وقبل أن نصل إلي النهاية نود أن نقرر أن الإنسان وصل إلي معرفة جذور الجبال عن طريق التجربة بجهده الذاتي وذلك بعد أن طرح سؤالا علي نفسه عن الكيفية التي مكنت الجبال من الانتصاب علي القشرة الأرضية وهو أمر كان موضع عناية القرآن الكريم حين قال: {أفلا ينظرون إلي الإبل كيف خلقت وإلي السماء كيف رفعت وإلي الجبال كيف نصبت} (الغاشية 17-19)

    ورغم أن القرآن الكريم قد وجه الإنسان إلى تلك الحقيقة من خلال الآية الكريمة {والجبال أوتادا} إلا أن معرفة أسرار هذه الحقيقة ما كان متيسرا في القرون التي سبقت قرون الكشوف العلمية وهو ما أشار إليه القرآن الكريم أيضا في قوله تعالى: {لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون} إلا أن ذلك لم يمنع العالم المسلم - كما سبق ولاحظنا - من أن يسبق عصره في فهمه لبعض الظواهر والسنن الكونية - على الأقل بصورة جمالية - فكيف به لو استفاد مما هو متوفر الآن أو يتوفر مستقبل أن  من إمكانات و مفاتيح للمعرفة. أي أن العلم الصحيح لم ولن يتعارض أبدا والدين الصحيح وسيكون العلم في عصرنا والعصور التالية برهانا ساطعا علي صدق الوحي. وسيشهد العلماء قبل غيرهم بهذا. قال تعالي ويرى الذين{ ويري الذين أوتوا العلم الذي أنـزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} ( سبأ/6)  وستتجلى آيات الله في الآفاق والأنفس حتى يتبين للناس أن الذي أنزل على محمد هو الحق.

  أظنك أيها القارئ الكريم ستتفق معي في أننا سنعود كباراً كما كنا كباراً في موقع القيادة والريادة لبقية الأمم. وما كنا كذلك إلا عندما كنا علي صلة بالله عبادة وفهما فأنار لنا ظلام الطريق ويسر لنا سبل الهداية. أما عندما ابتعدنا وغفونا ضعنا وأضعنا معنا بقية الأمم وأصبح حالنا حال الأيتام على مائدة اللئام نتطفل على حضارات غيرنا نأخذ منها كل غث مخلوط بقليل من السمين فهل من عودة إلي مواقع القيادة والريادة.

     لن تكون الإجابة إيجاباً إلا من خلال دعوة صادقة إلي العودة إلي رحاب الله، إلى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من معينهما نقتبس وبهداهما نهتدي وبالأسباب نأخذ وعلى الله نتوكل ومنه نستلهم العون والهداية وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 4.57)
اشارات قرانية الى علوم الارض
الإعجاز بالقرآن

تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.orgونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة-----------------------

إشارات قرآنية إلى علوم الأرض

 الأستاذ الدكتور /زغلول النجار

يشير القرآن الكريم في عدد من آيـاتـه إلى الكـون وإلى العديد من مكونـاتـه{ السماوات والأرض، وما بكل منهما من صور الأحياء والجمادات، والظواهر الكونية المختلفة}  وتأتي هذه الإشارات في مقام الاستدلال على القدرة الإلهية التي لا تحدها حدود، وعلى العلم والحكمة البالغين في إبداع هذا الكون، وذلك في معرض محاجة الكافرين والمشركين والمتشككين، وفي إثبات حقيقة الألوهية لرب العالمين
وعلى ذلك فإن الآيات الكونية في القرآن الكريم لم تأت من قبيل الإخبار العلمي المباشر وذلك لسببين:

أولهما: أن القرآن الكريم هو في الأصل كتاب هداية، كتاب عقيدة وعبادة وأخلاق ومعاملات، وهي من القضايا التي لا يمكن للإنسان أن يصل فيها إلى تصورات صحيحة بجهده منفردا، بل الإنسان محتاج فيها دوما إلى الهداية الربانية، وإلى الوحي السماوي.

 وثانيهما: أن التعرف على الكون واستقراء سنن اللّه فيه، وتوظيف تلك المعارف والسنن في عمارة الحياة على الأرض، وفي القيام بواجب الاستخلاف فيها قد تركت كلية لاجتهاد الإنسان عن طريق ملاحظاته المنظمة، واستنتاجـاته المنطقية على فترات طويلة من الزمن، نظرا لاطراد السنن الإلهية، ولحدود القدرة الإنسانية، وللطبيعة التراكمية للمعرفة العلمية. ولكن لما كان القرآن الكريم هو كلام اللّه الذي أبدع هذا الكون بحكمته وقدرته، ولما كان من المحال أن يتعارض واقع الخليقة مع حديث خالقها عنها، كان لابد وأن تحتوي الآيات القرآنية التي تتعرض للكون ومكوناته على عدد من الحقائق التي لو استفاد بها المسلمون لكان لهم قصب السبق في اكتشافها. ومن هذه الآيات الكونية في كتاب الله ما يتعرض للأرض، التي جاء ذكرها في أربعمائة وإحدى وستين آية كريمة، منها ما يشير إلى الأرض ككل، ومنها ما يشير إلى سطحها الخارجي الذي نحيا عليه أي إلى غلافها الصخري، وهذه الآيات التي تضم عددا من حقائق علوم الأرض يمكن تبويبها في المجموعات التالية:

1- آيات تأمر الإنسان بالسير في الأرض، والنظر في كيفية بدء الخلق، وهي أساس المنهجية العلمية في دراسة علوم الأرض.  

2-آيات عديدة تشير إلى شكل وحركات وأصل الأرض، منها ما يصف كروية الأرض، ومنها ما يشير إلى دورانها، ومنها ما يؤكد على عظم مواقع النجوم، أو على حقيقة اتساع الكون، أو على بدء الكون بجرم واحد( مرحلة الرتق)، ثم انفجار ذلك الجرم الأولي (مرحلة الفتق) أو على بدء السماء في مراحل خلقها الأول بغلالة دخانية (مرحلة السديم)، أو على انتشار المادة بين السماء والأرض (المادة بين النجوم) أو على تطابق كل السماوات والأرض (أي تطابق الكون).

3   3- آية قرآنية واحدة تؤكد على أن كل الحديد في كوكب الأرض قد أنزل إليها من السماء.

4-آية قرآنية تؤكد على حقيقة أن الأرض ذات صدع، وهي من الصفات الأساسية لكوكبنا.

5-آيات قرآنية تتحدث عن عدد من الظواهر البحرية الهامة من مثل ظلمات البحار والمحيطات (ودور الأمواج الداخلية والخارجية في تكوينها وتسجير بعض هذه القيعان بنيران حامية، وتمايز المياه فيها إلى كتل متجاورة لا تختلط اختلاطا كاملا، نظرا لوجود حواجز غير مرئية تفصل بينها، ويتأكد هذا الفصل بين الكتل المائية بصورة أوضح في حالة التقاء كل من المياه العذبة والمالحة عند مصاب الأنهار، مع وجوده بين مياه البحر الواحد أو بين البحار المتصلة ببعضها البعض. 

6-آيات قرآنية تتحدث عن الجبال، منها ما يصفها بأنها أوتاد، وبذلك يصف كلا من الشكل الخارجي( الذي على ضخامته يمثل الجزء الأصغر من الجبل) والامتداد الداخلي (الذي يشكل غالبية جسم الجبل)، كما يصف وظيفته الأساسية في تثبيت الغلاف الصخري للأرض، وتتأكد هذه الوظيفة في اثنتين وعشرين آية أخرى، أو دورها في شق الأودية والفجاج أو في سقوط الأمطار وجريان الأنهار والسيول، أو تكوينها من صخور متباينة في الألوان والأشكال والهيئة.

 7- آيات قرآنية تشير إلى نشأة كل من الغلافين المائي والهوائي للأرض، وذلك بإخراج مكوناتها من باطن الأرض، أو تصف الطبيعة الرجعية الوقائية لغلافها الغازي، أو تؤكد على حقيقة ظلام الفضاء الكوني الخارجي، أو على تناقص الضغط الجوي مع الارتفاع عن سطح الأرض، أو على أن ليل الأرض كان في بدء خلقها مضاء كنهارها.

    8- آيات تشير إلى رقة الغلاف الصخري للأرض، وإلى تسوية سطحه وتمهيده وشق الفجاج والسبل فيه، وإلى تناقص الأرض من أطرافها.

   9- آيات تؤكد على إسكان ماء المطر في الأرض مما يشير إلى دورة المياه حول الأرض وفي داخل صخــورها، أو تؤكد على عــلاقة الحياة بالماء، أو تلمح إلى إمكــانية تصنيف الكائنات الحية 

10-آيات تؤكد على أن عملية الخلق قد تمت على مراحل متعاقبة عبر فترات زمنية طويلة.

 11- آيات قرآنية تصف نهاية كل من الأرض والسماوات وما فيهما (أي الكـون كله) بعمليـة معاكسة لعملية الخلق الأول كما تصف إعادة خلقهما من جديد، أرضا غير الأرض الحالية وسماوات غير السماوات القائمة.

  هذه الحقائق العلمية لم تكن معروفة للإنسان قبل هذا القرن، بل إن الكثير منها لم يتوصل الإنسان إليه إلا في العقود القليلة الماضية عبر جهود مضنية وتحليل دقيق لكم هائل من الملاحظات والتجارب العملية في مختلف جنبات الجزء المدرك من الكون، وإن السبق القرآني في الإشارة إلى مثل هذه الحقائق بأسلوب يبلغ منتهى الدقة العلمية واللغوية في التعبير، والإحاطة والشمول في الدلالة ليؤكد على جانب هام من جوانب الإعجاز في كتاب الله، وهو جانب الإعجاز العلمي، ومع تسليمنا بأن القرآن الكريم معجز في كل أمر من أموره، لأن الوحي السماوي الوحيد الموجود بين أيدي الناس اليوم بنفس اللغة التي نزل بها (اللغة العربية ومحفوظ بحفظ الله كلمة كلمة وحرفاً حرفاً، إلا أن الإعجاز العلمي يبقى من أنجع أساليب الدعوة إلى الله في عصر العلم، ذلك العصر الذي لم يبق فيه من وحي السماء إلا القرآن الكريم، بينما تعرضت كل الكتب السابقة على نزوله إما للضياع التام ؛ أو لضياع الأصول التي نقلت عنها إلى لغات غير تلك التي نزل الوحي السماوي بها، فتعرضت لقدر هائل من التحريف الذي أخرجها عن إطارها الرباني على الرغم من إيماننـا بأصولها السماوية، وتسليمنا بصدق تلك الأصول، ومن هنا تتضح أهمية القرآن الكريم في هداية البشرية في زمن هي أحوج ما تكون إلى الهداية الربانية  كما تتضح أهمية دراسات الإعجاز العلمي في كتاب الله مهما تعددت تلك المجالات العلمية، وذلك لأن إثبات صدق الإشارات القرآنية في القضايا الكونية  مثل إشاراته إلى عدد من حقائق علوم الأرض، وهي من الأمور المادية الملموسة التي يمكن للعلماء التجريبين إثباتها لأدعى إلى التسليم بحقائق القرآن الأخرى خاصة ما يرد منها في مجال القضايا الغيبية والسلوكية (من مثل قضايا العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات ) والتي لا سبيل للإنسان في الوصول إلى قواعد سليمة لها وإلى ضوابط صحيحة فيها إلا عن طريق بيـان ربـاني خالص لا يداخله أدنى قدر من التصور البشري

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 3.5)
و الارض بعد ذلك دحاها
الإعجاز بالقرآن

وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴿30﴾ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴿31﴾ (النازعات)

د.‏ زغـلول النجـار

تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.orgونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة-----------------------

جاءت هذه الآية الكريمة في مطلع الربع الأخير من سورة النازعات‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ تعني كغيرها من سور القرآن المكي بقضية العقيدة‏,‏ ومن أسسها الإيمان بالله‏,‏ وملائكته‏,‏ وكتبه ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وغالبية الناس منشغلين عن الآخرة وأحوالها‏,‏ والساعة وأهوالها‏,‏ وعن قضايا البعث‏,‏ والحساب‏,‏ والجنة‏,‏ والنار وهي محور هذه السورة‏.‏وتبدأ السورة الكريمة بقسم من الله‏(‏ تعالي‏)‏ بعدد من طوائف ملائكته الكرام‏,‏ وبالمهام الجسام المكلفين بها‏,‏ أو بعدد من آياته الكونية المبهرة‏,‏ علي أن الآخرة حق واقع‏,‏ وأن البعث والحساب أمر جازم‏,‏ وربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ غني عن القسم لعباده‏,‏ ولكن الآيات القرآنية تأتي في صيغة القسم لتنبيه الناس إلي خطورة الأمر المقسم به‏,‏ وأهميته أو حتميته‏.‏ثم تعرض الآيات لشيء من أهوال الآخرة مثل‏(‏ الراجفة والرادفة‏)‏ وهما الأرض والسماء وكل منهما يدمر في الآخرة‏,‏ أو النفختان الأولي التي تميت كل حي‏,‏ والثانية التي تحيي كل ميت بإذن الله‏,‏ وتنتقل الآيات إلي وصف حال الكفار‏,‏ والمشركين‏,‏ والملاحدة‏,‏ المتشككين‏,‏ العاصين لأوامر رب العالمين في ذلك اليوم الرهيب‏,‏ وقلوبهم خائفة وجلة‏,‏ وأبصارهم خاشعة ذليلة‏,‏ بعد أن كانوا ينكرون البعث في الدنيا‏,‏ ويتساءلون عنه استبعادا له‏,‏ واستهزاء به‏:‏ هل في الإمكان ان نبعث من جديد بعد أن تبلي الأجساد‏,‏ وتنخر العظام؟ وترد الآيات عليهم حاسمة قاطعة بقرار الله الخالق أن الأمر بالبعث صيحة واحدة فإذا بكافة الخلائق قيام يبعثون من قبورهم ليواجهوا الحساب‏,‏ أو كأنهم حين يبعثون يظنون أنهم عائدون للدنيا مرة ثانية فيفاجأون بالآخرة‏...‏وبعد ذلك تلمح الآيات إلي قصة موسي‏(‏ عليه السلام‏)‏ مع فرعون وملئه‏,‏ من قبيل مواساة رسولنا‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في الشدائد التي كان يلقاها من الكفار‏,‏ وتحذيرهم مما حل بفرعون وبالمكذبين من قومه من عذاب‏,‏ وجعل ذلك عبرة لكل عاقل يخشي الله‏(‏ تعالي‏)‏ ويخاف حسابه‏.‏ثم تتوجه الآيات بالخطاب إلي منكري البعث من كفار قريش وإلي الناس عامة بسؤال تقريعي توبيخي‏:‏ هل خلق الناس ـ علي ضآلة أحجامهم‏,‏ ومحدودية قدراتهم‏,‏ وأعمارهم‏,‏ وأماكنهم من الكون ـ أشد من خلق السماء وبنائها‏,‏ ورفعها بلا عمد مرئية إلي هذا العلو الشاهق ـ مع ضخامة أبعادها‏,‏ وتعدد أجرامها‏,‏ ودقة المسافات بينها‏,‏ وإحكام حركاتها‏,‏ وتعاظم القوي الممسكة بها؟ ـ وإظلام ليلها‏,‏ وإنارة نهارها؟ وأشد من دحو الأرض‏,‏ وإخراج مائها ومرعاها منها بعد ذلك‏,‏ وإرساء الجبال عليها‏,‏ وإرساء الأرض بها‏,‏ تحقيقا لسلامتهم وأمنهم علي سطح الأرض‏,‏ ولسلامة أنعامهم ومواشيهم‏.‏وبعد الإشارة إلي بديع صنع الله في خلق السماوات والأرض كدليل قاطع علي إمكانية البعث عاودت الآيات الحديث عن القيامة وسمتها‏(‏ بالطامة الكبري‏)‏ لأنها داهية عظمي تعم بأهوالها كل شيء‏,‏ وتغطي علي كل مصيبة مهما عظمت‏,‏ وفي ذلك اليوم يتذكر الإنسان أعماله من الخير والشر‏,‏ ويراه مدونا في صحيفة أعماله‏,‏ وبرزت جهنم للناظرين‏,‏ فرآها كل إنسان عيانا بيانا‏,‏ وحينئذ ينقسم الناس إلي شقي وسعيد‏,‏ فالشقي هو الذي جاوز الحد في الكفر والعصيان‏,‏ وفضل الدنيا علي الآخرة‏,‏ وهذا مأواه جهنم وبئس المصير‏,‏ والسعيد هو الذي نهي نفسه عن اتباع هواها انطلاقا من مخافة مقامه بين يدي ربه يوم الحساب‏,‏ وهذا مأواه ومصيره إلي جنات النعيم بإذن الله‏.‏وتختتم السورة بخطاب إلي رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ متعلق بسؤال كفار قريش له عن الساعة متي قيامها؟‏,‏ وترد الآيات بأن علمها عندالله الذي استأثر به‏,‏ دون كافة خلقه‏,‏ فمردها ومرجعها إلي الله وحده‏,‏ وأما دورك أيها النبي الخاتم والرسول الخاتم فهو إنذار من يخشاها‏,‏ وهؤلاء الكفار والمشركون يوم يشاهدون قيامها فإن هول المفاجأة سوف يمحو من الذاكرة معيشتهم علي الأرض‏,‏ فيرونها كأنها كانت ساعة من ليل أو نهار‏,‏ بمقدار عشية أو ضحاها‏,‏ احتقارا للحياة الدنيا‏,‏ واستهانة بشأنها أمام الآخرة‏,‏ ويأتي ختام السورة متوافقا مع مطلعها الذي أقسم فيه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ علي حقيقة البعث وحتميته‏,‏ وأهواله وخطورته‏,‏ لزيادة التأكيد علي أنه أخطر حقائق الكون وأهم أحداثه‏,‏ لكي يتم تناسق البدء مع الختام‏,‏ وهذا من صفات العديد من سور القرآن الكريم‏.‏وهنا يبرز التساؤل عن معني دحو الأرض‏,‏ وعلاقته بإخراج مائها ومرعاها‏,‏ ووضعه في مقابلة مع بناء السماء ورفعها ـ علي عظم هذا البناء وذلك الرفع كصورة واقعة لطلاقة القدرة المبدعة في الخلق‏,‏ وقبل التعرض لذلك لابد من استعراض الدلالة اللغوية للفظة الدحو الواردة في الآية الكريمة‏:‏الدلالة اللغوية لدحو الأرض‏(‏الدحو‏)‏ في اللغة العربية هو المد والبسط والإلقاء‏,‏ يقال‏:(‏ دحا‏)‏ الشيء‏(‏ يدحوه‏)(‏ دحوا‏)‏ أي بسطه ومده‏,‏ أو ألقاه ودحرجه‏,‏ ويقال‏:(‏ دحا‏)‏ المطر الحصي عن وجه الأرض أي دحرجه وجرفه‏,‏ ويقال‏:‏ مر الفرس‏(‏ يدحو‏)(‏ دحوا‏)‏ إذا جر يده علي وجه الأرض فيدحو ترابها و‏(‏مدحي‏)‏ النعامة هو موضع بيضها‏,‏ و‏(‏أدحيها‏)‏ موضعها الذي تفرخ فيه‏.‏شروح المفسرين للآية الكريمة‏:في شرح الآية الكريمة‏:(‏والأرض بعد ذلك دحاها‏)‏ ذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ مانصه‏:‏ فسره بقوله تعالي‏(‏أخرج منها ماءها ومرعاها‏),‏ وقد تقدم في سورة فصلت أن الأرض خلقت قبل خلق السماء‏,‏ ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء بمعني أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلي الفعل‏,‏ عن ابن عباس‏(دحاها‏)‏ ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعي‏,‏ وشقق فيها الأنهار‏,‏ وجعل فيها الجبال والرمال‏,‏ والسبل والآكام‏,‏ فذلك قوله‏:(‏والأرض بعد ذلك دحاها‏)....‏وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏(‏ رحمهما الله‏):(‏ والأرض بعد ذلك دحاها‏)‏ أي بسطها ومهدها لتكون صالحة للحياة‏,‏ وكانت مخلوقة قبل السماء من غير دحو‏.(‏أخرج‏)‏ حال بإضمار قد أي‏:‏ دحاها مخرجا‏(‏ منها ماءها ومرعاها‏)‏ بتفجير عيونها‏,‏ و‏(‏مرعاها‏)‏ ماترعاه النعم من الشجر والعشب‏,‏ ومايأكله الناس من الأقوات والثمار‏,‏ وإطلاق المرعي عليه استعارة‏.‏وذكر صاحب الظلال‏(‏يرحمه الله‏):‏ ودحو الأرض تمهيدها وبسط قشرتها‏,‏ بحيث تصبح صالحة للسير عليها‏,‏ وتكوين تربة تصلح للإنبات‏,...,‏ والله أخرج من الأرض ماءها سواء مايتفجر من الينابيع‏,‏ أو ماينزل من السماء فهو أصلا من مائها الذي تبخر ثم نزل في صورة مطر‏;‏ وأخرج من الأرض مرعاها‏,‏ وهو النبات الذي يأكله الناس والأنعام‏,‏ وتعيش عليه الأحياء مباشرة أو بالواسطة‏..‏وجاء في‏(‏ صفوة البيان لمعاني القرآن‏):'‏ ودحا الأرض ـ بمعني بسطها ـ وأوسعها‏,‏ بعد ذكر ذلك الذي ذكره من بناء السماء‏,‏ ورفع سمكها‏,‏ وتسويتها‏,‏ وإغطاش ليلها‏,‏ وإظهار نهارها‏,‏ وقد بين الله الدحو بقوله‏:(‏أخرج منها ماءها‏)‏ بتفجير العيون‏,‏ وإجراء الأنهار والبحار العظام‏.(‏ ومرعاها‏)‏ أي جميع مايقتات به الناس والدواب بقرينة قوله بعد‏:(‏متاعا لكم ولأنعامكم‏)........‏ وأخبرنا بعد ذلك بأنه هو الذي بسط الأرض‏,‏ ومهدها لسكني أهلها ومعيشتهم فيها‏:‏ وقدم الخبر الأول لأنه أدل علي القدرة الباهرة لعظم السماء‏,‏ وانطوائها علي الأعاجيب التي تحار فيها العقول‏.‏ فبعدية الدحو إنما هي في الذكر لا في الإيجاد‏,‏ وبجعل المشار إليه هو ذكر المذكورات من البناء وما عطف عليها لا أنفسها‏,‏ لايكون في الآية دليل علي تأخر الدحو عن خلق السماوات وما فيها‏.....'.‏وجاء في‏(‏صفوة التفاسير‏):(‏والأرض بعد ذلك دحاها‏)‏ أي والأرض بعد خلق السماء بسطها ومهدها لسكني أهلها‏(‏أخرج منها ماءها ومرعاها‏)‏ أي أخرج من الأرض عيون الماء المتفجرة‏,‏ وأجري فيها الأنهار‏,‏ وأنبت فيها الكلأ والمرعي مما يأكله الناس والأنعام‏'.‏وجاء في‏(‏المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏):'‏ والأرض بعد ذلك بسطها ومهدها لسكني أهلها‏,‏ وأخرج منها ماءها بتفجير عيونها‏,‏ وإجراء أنهارها‏,‏ وإنبات نباتها ليقتات به الناس والدواب‏..‏وهذا الاستعراض يدل علي أن المفسرين السابقين يجمعون علي أن من معاني دحو الأرض هو إخراج الماء والمرعي من داخلها‏,‏ علي هيئة العيون وإنبات النبات‏.‏دحو الأرض في العلوم الكونيةأولا‏:‏ إخراج كل ماء الأرض من جوفها‏:‏كوكب الأرض هو أغني كواكب مجموعتنا الشمسية في المياه‏,‏ ولذلك يطلق عليه اسم‏(‏ الكوكب المائي‏)‏ أو‏(‏ الكوكب الأزرق‏)‏ وتغطي المياه نحو‏71%‏ من مساحة الأرض‏,‏ بينما تشغل اليابسة نحو‏29%‏ فقط من مساحة سطحها‏,‏ وتقدر كمية المياه علي سطح الأرض بنحو‏1360‏ مليون كيلومتر مكعب‏(1.36*910);‏ وقد حار العلماء منذ القدم في تفسير كيفية تجمع هذا الكم الهائل من المياه علي سطح الأرض‏,‏ من أين أتي؟ وكيف نشأ؟وقد وضعت نظريات عديدة لتفسير نشأة الغلاف المائي للأرض‏,‏ تقترح احداها نشأة ماء الأرض في المراحل الأولي من خلق الأرض‏,‏ وذلك بتفاعل كل من غازي الأيدروجين والأوكسيجين في حالتهما الذرية في الغلاف الغازي المحيط بالأرض‏,‏ وتقترح ثانية أن ماء الأرض أصله من جليد المذنبات‏,‏ وتري ثالثة أن كل ماء الأرض قد أخرج أصلا من داخل الأرض‏.‏والشواهد العديدة التي تجمعت لدي العلماء تؤكد أن كل ماء الأرض قد أخرج أصلا من جوفها‏,‏ ولايزال خروجه مستمرا من داخل الأرض عبر الثورات البركانية‏.‏ثانيا‏:‏ إخراج الغلاف الغازي للأرض من جوفها‏:‏بتحليل الأبخرة المتصاعدة من فوهات البراكين في أماكن مختلفة من الأرض اتضح أن بخار الماء تصل نسبته إلي أكثر من‏70%‏ من مجموع تلك الغازات والأبخرة البركانية‏,‏ بينما يتكون الباقي من اخلاط مختلفة من الغازات التي ترتب حسب نسبة كل منها علي النحو التالي‏:‏ ثاني أكسيد الكربون‏,‏ الإيدروجين‏,‏ أبخرة حمض الأيدروكلوريك‏(‏ حمض الكلور‏),‏ النيتروجين‏,‏ فلوريد الإيدروجين‏,‏ ثاني أكسيد الكبريت‏,‏ كبريتيد الإيدروجين‏,‏ غازات الميثان والأمونيا وغيرها‏.‏ويصعب تقدير كمية المياه المندفعة علي هيئة بخار الماء إلي الغلاف الغازي للأرض من فوهات البراكين الثائرة‏,‏ علما بأن هناك نحو عشرين ثورة بركانية عارمة في المتوسط تحدث في خلال حياة كل فرد منا‏,‏ ولكن مع التسليم بأن الثورات البركانية في بدء خلق الأرض كانت أشد تكرارا وعنفا من معدلاتها الراهنة‏,‏ فإن الحسابات التي أجريت بضرب متوسط ما تنتجه الثورة البركانية الواحدة من بخار الماء من فوهة واحدة‏,‏ في متوسط مرات ثورانها في عمر البركان‏,‏ في عدد الفوهات والشقوق البركانية النشيطة والخامدة الموجودة اليوم علي سطح الأرض أعطت رقما قريبا جدا من الرقم المحسوب بكمية المياه علي سطح الأرض‏.‏ثالثا‏:‏ الصهارة الصخرية في نطاق الضعف الأرضي هي مصدر مياه وغازات الأرض‏:‏ثبت أخيرا أن المياه تحت سطح الأرض توجد علي أعماق تفوق كثيرا جميع التقديرات السابقة‏,‏ كما ثبت أن بعض مياه البحار والمحيطات تتحرك مع رسوبيات قيعانها الزاحفة إلي داخل الغلاف الصخري للأرض بتحرك تلك القيعان تحت كتل القارات‏,‏ ويتسرب الماء إلي داخل الغلاف الصخري للأرض‏.‏ عبر شبكة هائلة من الصدوع والشقوق التي تمزق ذلك الغلاف في مختلف الاتجاهات‏,‏ وتحيط بالأرض إحاطة كاملة بعمق يتراوح بين‏150,65‏ كيلومترا‏.‏ويبدو أن الصهارة الصخرية في نطاق الضعف الأرضي هي مصدر رئيسي للمياه الأرضية‏,‏ وتلعب دورا مهما في حركة المياه من داخل الأرض إلي السطح وبالعكس‏,‏ وذلك لأنه لولا امتصاصها للمياه ماانخفضت درجة حرارة انصهار الصخور‏,‏ وهي إذا لم تنصهر لتوقفت ديناميكية الأرض‏,‏ بما في ذلك الثورات البركانية‏,‏ وقد ثبت أنها المصدر الرئيسي للغلاف المائي والغازي للأرض‏.‏وعلي ذلك فقد أصبح من المقبول عند علماء الأرض أن النشاط البركاني الذي صاحب تكوين الغلاف الصخري للأرض في بدء خلقها هو المسئول عن تكون كل من غلافيها المائي والغازي‏,‏ ولاتزال ثورات البراكين تلعب دورا مهما في إثراء الأرض بالمياه‏,‏ وفي تغيير التركيب الكيميائي لغلافها الغازي وهو المقصود بدحو الأرض‏.‏وذلك نابع من حقيقة أن الماء هو السائل الغالب في الصهارات الصخرية علي الرغم من أن نسبته المئوية إلي كتلة الصهارة قليلة بصفة عامة‏,‏ ولكن نسبة عدد جزيئات الماء إلي عدد جزيئات مادة الصهارة تصل إلي نحو‏15%,‏ وعندما تتبرد الصهارة الصخرية تبدأ مركباتها في التبلور بالتدريج‏,‏ وتتضاغط الغازات الموجودة فيها إلي حجم أقل‏,‏ وتتزايد ضغوطها حتي تفجر الغلاف الصخري للأرض بقوة تصل إلي مائة مليون طن‏,‏ فتشق ذلك الغلاف وتبدأ الغازات في التمدد‏,‏ والانفلات من الذوبان في الصهارة الصخرية‏,‏ ويندفع كل من بخار الماء والغازات المصاحبة له والصهارة الصخرية إلي خارج فوهة البركان أو الشقوق المتصاعدة منها‏,‏ مرتفعة إلي عدة كيلومترات لتصل إلي كل أجزاء نطاق التغيرات المناخية‏(8‏ ـ‏18‏ كيلومترا فوق مستوي سطح البحر‏),‏ وقد تصل هذه النواتج البركانية في بعض الثورات البركانية العنيفة إلي نطاق التطبق‏(30‏ ـ‏80‏ كيلومترا فوق مستوي سطح البحر وغالبية مادة السحاب الحار الذي تتراوح درجة حرارته بين‏500,250‏ درجة مئوية يعاود الهبوط إلي الأرض بسرعات تصل إلي‏200‏ كيلومتر في الساعة لأن كثافته أعلي من كثافة الغلاف الغازي للأرض‏.‏والماء المتكثف من هذا السحاب البركاني الحار الذي يقطر مطرا من بين ذرات الرماد التي تبقي عالقة بالغلاف الغازي للأرض لفترات طويلة يجرف معه كميات هائلة من الرماد والحصي البركاني مكونا تدفقا للطين البركاني الحار علي سطح الأرض في صورة من صور الدحو‏.‏ومنذ أيام ثار بركان في احدي جزر الفلبين فغمرت المياه المتكونة أثناء ثورته قرية مجاورة آهلة بالسكان بالكامل‏.‏وقد يصاحب الثورات البركانية خروج عدد من الينابيع‏,‏ والنافورات الحارة وهي ثورات دورية للمياه والأبخرة شديدة الحرارة تندفع إلي خارج الأرض بفعل الطاقة الحرارية العالية المخزونة في أعماق القشرة الأرضية‏.‏ويعتقد علماء الأرض أن وشاح كوكبنا كان في بدء خلقه منصهرا انصهارا كاملا أو جزئيا‏,‏ وكانت هذه الصهارة هي المصدر الرئيسي لبخار الماء وعدد من الغازات التي اندفعت من داخل الأرض‏,‏ وقد لعبت هذه الأبخرة والغازات التي تصاعدت عبر كل من فوهات البراكين وشقوق الأرض ـ ولا تزال تلعب ـ دورا مهما في تكوين وإثراء كل من الغلافين المائي والغازي للأرض وهو المقصود بالدحو‏.‏رابعا‏:‏ دورة الماء حول الأرض‏:‏

 

شاءت إرادة الخالق العظيم أن يسكن في الأرض هذا القدر الهائل من الماء‏,‏ الذي يكفي جميع متطلبات الحياة علي هذا الكوكب‏,‏ ويحفظ التوازن الحراري علي سطحه‏,‏ كما يقلل من فروق درجة الحرارة بين كل من الصيف والشتاء صونا للحياة بمختلف أشكالها ومستوياتها‏.‏وهذا القدر الذي يكون الغلاف المائي للأرض موزونا بدقة بالغة‏,‏ فلو زاد قليلا لغطي كل سطحها‏,‏ ولو قل قليلا لقصر دون الوفاء بمتطلبات الحياة عليها‏.‏ولكي يحفظ ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ هذا الماء من التعفن والفساد‏,‏ حركه في دورة معجزة تعرف باسم دورة المياه الأرضية تحمل في كل سنة‏380,000‏ كيلو متر مكعب من الماء بين الأرض وغلافها الغازي‏,‏ ولما كانت نسبة بخار الماء في الغلاف الغازي للأرض ثابتة‏,‏ فإن معدل سقوط الأمطار سنويا علي الأرض يبقي مساويا لمعدل البخر من علي سطحها‏,‏ وإن تباينت أماكن وكميات السقوط في كل منطقة حسب الارادة الإلهية‏,‏ ويبلغ متوسط سقوط الأمطار علي الأرض اليوم‏85,7‏ سنتيمتر مكعب في السنة‏,‏ ويتراوح بين‏11,45‏ متر مكعب في جزر هاواي وصفر في كثير من صحاري الأرض‏.‏ وصدق رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ إذ قال‏:‏ ما من عام بأمطر من عام‏.‏وإذ قال‏:...‏ من قال أمطرنا بنوء كذا أو نوء كذا فقد كفر‏;‏ ومن قال أمطرنا برحمة من الله وفضل فقد آمن‏.‏وتبخر أشعة الشمس من أسطح البحار والمحيطات‏320,000‏ كيلو متر مكعب من الماء في كل عام وأغلب هذا التبخر من المناطق الاستوائية حيث تصل درجة الحرارة في المتوسط إلي‏25‏ درجة مئوية‏,‏ بينما تسقط علي البحار والمحيطات سنويا من مياه المطر‏284,000‏ كيلو مترا مكعبا‏,‏ ولما كان منسوب المياه في البحار والمحيطات يبقي ثابتا في زماننا فإن الفرق بين كمية البخر من أسطح البحار والمحيطات وكمية ما يسقط عليها من مطر لابد وأن يفيض إليها من القارات‏.‏وبالفعل فإن البخر من أسطح القارات يقدر بستين ألف كيلو متر مكعب بينما يسقط عليها سنويا ستة وتسعون ألفا من الكيلو مترات المكعبة من ماء المطر والفارق بين الرقمين بالإيجاب هو نفس الفارق بين كمية البخر وكمية المطر في البحار والمحيطات‏(36,000‏ كيلو متر مكعب‏)‏ فسبحان الذي ضبط دورة المياه حول الأرض بهذه الدقة الفائقة‏.‏ويتم البخر علي اليابسة من أسطح البحيرات والمستنقعات‏,‏ والبرك‏,‏ والأنهار‏,‏ وغيرها من المجاري المائية‏,‏ ومن أسطح تجمعات الجليد‏,‏ وبطريقة غير مباشرة من أسطح المياه تحت سطح الأرض‏,‏ ومن عمليات تنفس وعرق الحيوانات‏,‏ ونتح النباتات‏,‏ ومن فوهات البراكين‏.‏ولما كان متوسط ارتفاع اليابسة هو‏823‏ مترا فوق مستوي سطح البحر‏,‏ ومتوسط عمق المحيطات‏3800‏ مترا تحت مستوي سطح البحر‏,‏ فإن ماء المطر الذي يفيض سنويا من اليابسة إلي البحار والمحيطات‏(‏ ويقدر بستة وثلاثين ألفا من الكيلومترات المكعبة‏)‏ ينحدر مولدا طاقة ميكانيكية هائلة تفتت صخور الأرض وتتكون منها الرسوبيات والصخور الرسوبية بما يتركز فيها من ثروات أرضية‏,‏ ومكونة التربة الزراعية اللازمة لإنبات الأرض‏,‏ ولو أنفقت البشرية كل ما تملك من ثروات مادية ما استطاعت أن تدفع قيمة هذه الطاقة التي سخرها لنا ربنا من أجل تهيئة الأرض لكي تكون صالحة للعمران‏...!!!.‏خامسا‏:‏ توزيع الماء علي سطح الأرض‏:‏تقدر كمية المياه علي سطح الأرض بنحو‏1360‏ مليون كيلو متر مكعب‏,‏ أغلبها علي هيئة ماء مالح في البحار والمحيطات‏(97,20%),‏ بينما يتجمع الباقي‏(2,8%)‏ علي هيئة الماء العذب بأشكاله الثلاثة الصلبة‏,‏ والسائلة‏,‏ والغازية‏;‏ منها‏(2,15%‏ من مجموع مياه الأرض‏)‏ علي هيئة سمك هائل من الجليد يغطي المنطقتين القطبيتين الجنوبية والشمالية بسمك يقترب من الأربعة كيلو مترات‏,‏ كما يغطي جميع القمم الجبلية العالية‏,‏ والباقي يقدر بنحو‏0.65%‏ فقط من مجموع مياه الأرض يختزن أغلبه في صخور القشرة الأرضية علي هيئة مياه تحت سطح الأرض‏,‏ تليه في الكثرة النسبية مياه البحيرات العذبة‏,‏ ثم رطوبة التربة الأرضية‏,‏ ثم رطوبة الغلاف الغازي للأرض‏,‏ ثم المياه الجارية في الأنهار وتفرعاتها‏.‏وحينما يرتفع بخار الماء من الأرض إلي غلافها الغازي فإن أغلبه يتكثف في نطاق الرجع‏(‏ نطاق الطقس أو نطاق التغيرات المناخية‏)‏ الذي يمتد من سطح البحر إلي ارتفاع يتراوح بين‏16‏ و‏17‏ كيلو مترا فوق خط الاستواء‏,‏ وبين‏6‏ و‏8‏ كيلو مترات فوق القطبين‏,‏ ويختلف سمكه فوق خطوط العرض الوسطي باختلاف ظروفها الجوية‏,‏ فينكمش الي ما هو دون السبعة كيلو مترات في مناطق الضغط المنخفض ويمتد إلي نحو الثلاثة عشر كيلو مترا في مناطق الضغط المرتفع‏,‏ وعندما تتحرك كتل الهواء الحار في نطاق الرجع من المناطق الاستوائية في اتجاه القطبين فإنها تضطرب فوق خطوط العرض الوسطي فتزداد سرعة الهواء في اتجاه الشرق متأثرا باتجاه دوران الأرض حول محورها من الغرب إلي الشرق‏.‏ويضم هذا النطاق‏66%‏ من كتلة الغلاف الغازي للأرض‏,‏ وتتناقص درجة الحرارة والضغط فيه باستمرار مع الارتفاع حتي تصل الي نحو‏60‏ درجة مئوية تحت الصفر والي عشر الضغط الجوي العادي عند سطح البحر في قمته المعروفة باسم مستوي الركود الجوي وذلك لتناقص الضغط بشكل ملحوظ عنده‏.‏ونظرا لهذا الانخفاض الملحوظ في كل من درجة الحرارة والضغط الجوي‏,‏ والي الوفرة النسبية لنوي التكثف في هذا النطاق فإن بخار الماء الصاعد من الأرض يتمدد تمددا ملحوظا مما يزيد في فقدانه لطاقته‏,‏ وتبرده تبردا شديدا ويساعد علي تكثفه وعودته الي الأرض مطرا أو بردا أو ثلجا‏,‏ وبدرجة أقل علي هيئة ضباب وندي في المناطق القريبة من الأرض‏.‏سادسا‏:‏ دحو الأرض معناه إخراج غلافيها المائي والغازي من جوفها‏:‏ثبت أن كل ماء الأرض قد أخرجه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ من داخل الأرض عن طريق الأنشطة البركانية المختلفة المصاحبة لتحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض‏.‏كذلك فإن ثاني أكثر الغازات اندفاعا من فوهات البراكين هو ثاني أكسيد الكربون‏,‏ وهو لازمة من لوازم عملية التمثيل الضوئي التي تقوم بتنفيذها النباتات الخضراء مستخدمة هذا الغاز مع الماء وعددا من عناصر الأرض لبناء خلايا النبات وأنسجته‏,‏ وزهوره‏,‏ وثماره‏,‏ ومن هنا عبر القرآن الكريم عن إخراج هذا الغاز المهم وغيره من الغازات اللازمة لإنبات الأرض من باطن الأرض تعبيرا مجازيا بإخراج المرعي‏,‏ لأنه لولا ثاني أكسيد الكربون ما أنبتت الأرض‏,‏ ولا كستها الخضرة‏.‏سابعا‏:‏ من معجزات القرآن الإشارة إلي تلك الحقائق العلمية بلغة سهلة جزلة‏:‏علي عادة القرآن الكريم فإنه عبر عن تلك الحقائق الكونية المتضمنة إخراج كل من الغلافين المائي والغازي للأرض من داخل الأرض بأسلوب لا يفزغ العقلية البدوية في صحراء الجزيرة العربية وقت تنزله‏,‏ فقال‏(‏ عز من قائل‏):‏ والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والعرب في قلب الجزيرة العربية كانوا يرون الأرض تتفجر منها عيون الماء‏,‏ ويرون الأرض تكسي بالعشب الأخضر بمجرد سقوط المطر‏,‏ ففهموا هذا المعني الصحيح الجميل من هاتين الآيتين الكريمتين‏,‏ ثم نأتي نحن اليوم فنري في نفس الآيتين رؤية جديدة مفادها أن الله‏(‏ تعالي‏)‏ يمن علي الأرض وأهلها وعلي جميع من يحيا علي سطحها أنه‏(‏ سبحانه‏)‏ قد هيأها لهذا العمران بإخراج كل من أغلفتها الصخرية والمائية والغازية من جوفها حيث تصل درجات الحرارة الي آلاف الدرجات المئوية مما يشهد لله الخالق بطلاقة القدرة‏,‏ وببديع الصنعة‏,‏ وبكمال العلم‏,‏ وتمام الحكمة‏,‏ كما يشهد للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقي هذا الوحي الخاتم بأنه‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ كان موصولا بالوحي‏,‏ ومعلما من قبل خالق السموات والأرض‏,‏ فلم يكن لأحد من الخلق وقت تنزل القرآن الكريم ولا لقرون متطاولة من بعده إلمام بحقيقة ان كل ماء الأرض‏,‏ وكل هواء الأرض قد أخرجه ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ من داخل الأرض‏,‏ وهي حقيقة لم يدركها الإنسان الا في العقود المتأخرة من القرن العشرين فسبحان منزل القرآن من قبل أربعة عشر قرنا ووصفه بقوله الكريم‏:‏ قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما‏(‏ الفرقان‏:6)‏وصلي الله وسلم وبارك علي رسولنا الأمين الذي تلقي هذا الوحي الرباني فبلغ الرسالة‏,‏ وأدي الأمانة‏,‏ ونصح الأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين‏,‏ والذي وصفه ربنا‏(‏ سبحانه وتعالي‏)‏ بقوله الكريم‏:‏ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفي بالله شهيدا‏(‏ النساء‏:166)

(أقرأ المزيد ... | التقييم: 4.21)
انقاص الارض من اطرافها
الإعجاز بالقرآننقص الأرض من أطرافها تم نقل المقال من موقع الهيئة العالمية للأعجاز العلمي فى القرأن والسنةwww.nooran.orgونشكر لهم السماح بنشر الأبحاث من هيئتهم المحترمة----------------------- د. زغلول النجار قال الله تعالى :( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ {41}) (سورة الرعد). جاءت هذه الآية الكريمة في خواتيم سورة الرعد‏,‏ وهي السورة الوحيدة من سور القرآن التي تحمل اسم ظاهرة من الظواهر الجوية‏,‏ وسورة الرعد توصف بأنها سورة مدنية‏.‏ وإن كان الخطاب فيها خطابا مكيا‏, ‏ يدور حول أسس العقيدة الإسلامية ومن أولها قضية الإيمان بالوحي المنزل من رب العالمين إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه أجمعين‏), ‏والإيمان بالحق الذي أشتمل عليه هذا الوحي الرباني‏, ‏ ومن ركائزه الإيمان بالله‏, ‏ وبوحدانيته المطلقة فوق كافة خلقه‏, ‏ والإيمان بملائكته‏, ‏ وكتبه‏, ‏ ورسله‏, ‏ وباليوم الآخر‏, ‏ وما يستتبعه من بعث ونشور‏, ‏ وعرض أكبر أمام الله‏, ‏ وحساب وجزاء‏, ‏وما يستوجبه هذا الإيمان من خشية لله وتقواه‏, ‏ وحرص علي طلب رضاه بالعمل الصالح لأن ذلك كله نابع من الإيمان بالوحي‏, ‏وبأن الله‏(‏ تعالى ‏)‏ هو منزل القرآن الداعي إلى عبادة الله بما أمر‏(‏ سبحانه وتعالى‏), ‏ وبالقيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بحسن عمارتها‏, ‏ وإقامة عدل الله فيها‏.‏ وتعجب الآيات من منكري البعث والحساب والجزاء‏, ‏الدين كفروا بربهم‏, وكذبوا رسله‏, وجحدوا آياته‏, وتعرض لشيء من عذابهم في الآخرة‏,‏ وخلودهم في النار‏.‏ وتستشهد السورة في مواضع كثيرة منها بالعديد من الآيات والظواهر الكونية الدالة علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق والإفناء‏, ‏ وفي الأمانة والإحياء‏, ‏ وفي النفع والضر‏, ‏ والشاهدة علي أن كل ما جاء به القرآن الكريم حق مطلق‏,وإن كان أكثر الناس لا يؤمنون‏.‏ ثم تقارن الآيات بين أهل النار وأهل الجنة‏, ‏ وبين أوصاف كل فريق منهم وخصاله وأعماله‏, ‏ وضربت لهما مثلا بالأعمى والبصير‏, ‏ وبينت مصير كل من الفريقين‏, ‏ مع تصوير رائع لكل من الجنة والنار‏.‏ وتستطرد آيات سورة الرعد في الحديث عن عدد من الظواهر الكونية من مثل حدوث الرعد‏, ‏ والبرق‏, ‏ والصواعق‏, ‏ وتكوين السحاب الثقال‏, ‏ وإنزال المطر‏, ‏ وتدفق الأودية بمائه حاملة من الزبد والخبث الذي لا يلبث أن يذهب جفاء‏, ‏ وبما ينفع الناس من نفائس المعادن التي لا تلبث أن تمكث في الأرض‏, ‏ وتشبه الآيات الكريمة ذلك بكل من الباطل والحق‏, ‏ ولله المثل الأعلى‏.‏ ثم تعرض السورة لحقيقة غيبية تتمثل في تسبيح الرعد بحمد الله‏, ‏ وتسبيح الملائكة خشية لجلالة‏, ‏ وخيفة من سلطانه‏, ‏ وجميع من في السماوات والأرض يسجد لله طوعا وكرها‏, ‏ حتى ظلالهم فإنها تسجد لله بالغدو والآصال‏, ‏ أي مع دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏, ‏ فيمد الظل ويقبض في حركة كأنها الركوع والسجود‏.‏ وتنعي الآيات علي الكفار استهزاءهم بالرسل السابقين علي بعثة المصطفي‏(‏ صلى الله عليه وسلم‏), ‏ وفي الإشارة إلى ذلك ضرب من التثبيت لرسول الله‏, ‏ والتأكيد له علي أن الابتلاء هو طريق النبوات‏, ‏ وطريق أصحاب الرسالات من بدء الخلق إلى قيام الدعوة المحمدية و إلى أن يرث الله‏(‏ تعالى ‏)‏ الأرض ومن عليها‏...!!!‏ وتشير السورة بالقرب من نهايتها إلى فرح الصالحين من أهل الكتاب بمقدم الرسول الخاتم‏, ‏ في الوقت الذي حاول فيه الكفار والمشركون التشكيك في حقيقة رسالته وتؤكد إنزال القرآن حكما عربيا مبينا‏, ‏ وتدعو المصطفي‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏إلى الحذر من ضغوط الكافرين من أجل إتباع أهوائهم‏.‏ وتؤكد أنه ما كان لرسول من الرسل أن يأتي بآية إلا بإذن الله‏.‏ ثم تأتي الآية الكريمة التي نحن بصددها ناطقة بحقيقة كونية يقول عنها ربنا‏(‏ تبارك وتعالى‏):‏ أو :(أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (41) ويتكرر معني هذه الآية الكريمة مرة أخري في سورة الأنبياء والتي يقول فيها ربنا‏(‏ تبارك وتعالى‏):‏( بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون‏)‏(‏الأنبياء‏:44)‏. ثم تختتم سورة الرعد بالحديث عن مكر الأمم السابقة الذي لم يضر المؤمنين شيئا لأن لله‏(‏ تعالى ‏)‏ المكر جميعا‏, ‏ وأن له‏(‏ سبحانه وتعالى)‏ عقبي الدار‏, ‏ كما تتحدث عن إنكار الكافرين لبعثة المصطفي‏(‏ صلى الله عليه وسلم‏), ‏ وتأتي الآيات‏, ‏ مؤكدة أن الله تعالى يشهد له بالنبوة والرسالة وكذلك كل من عنده علم من رسالات الله السابقة لوجود ذكره‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ في الآيات التي لم تحرف من بقايا كتبهم‏.‏ وهنا يبرز التساؤل المنطقي‏:‏ ما هو معني إنقاص الأرض من أطرافها في هاتين الآيتين الكريمتين؟ وما هو مغزى دلالتها العلمية والمعنوية؟ وقبل الخوض في ذلك لابد من استعراض سريع لشروح المفسرين‏.‏ شروح المفسرة لمعني إنقاص الأرض من أطرافها في تفسير قول الحق‏(‏ تبارك وتعالى‏):‏ أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ذكر ابن كثير قول ابن عباس‏(‏رضي الله عنهما‏):‏ أو لم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض‏, ‏ وقوله في مقام آخر‏:‏ إنقاصها من أطرافها هو خرابها بموت علمائها‏, ‏ وفقهائها‏, ‏ وأهل الخير منها وقال ابن كثير‏:‏ والقول الأول أولي‏, ‏ وهو ظهور الإسلام علي الشرك قرية بعد قرية‏, ‏ كقوله تعالى ‏:(‏ ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى‏)‏ الآية‏, ‏ وأشار إلى أن هذا هو اختيار ابن جرير‏.‏ كذلك ذكر ابن كثير قول كل من مجاهد وعكرمة‏:‏ إنقاص الأرض من أطرافها معناه خرابها‏, ‏ أو هو موت علمائها‏, ‏ وقول كل من الحسن والضحاك‏:‏ هو ظهور المسلمين علي المشركين‏, ‏ كما قالا‏:‏ هو نقصان الأنفس والثمرات‏, ‏ وخراب الأرض‏, ‏ وقول الشعبي‏:‏ لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك‏(‏ أي بستانك‏), ‏ ولكن تنقص الأنفس والثمرات‏.‏ وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏:(‏ أو لم يروا‏)‏ أي‏:‏ أهل مكة وغيرها‏(‏ أنا نأتي الأرض‏)‏ نقصد أرضهم‏, ننقصها من أطرافها‏)‏ بالفتح على النبي -صلى الله عليه وسلم‏ -.‏ أما صاحب الظلال فذكر‏:‏ أن يد الله القوية تأتي الأمم الغنية حين تبطر وتكفر وتفسد فتنقص من قوتها وقدرها وثرائها وتحصرها في رقعة ضيقة من الأرض بعد أن كانت ذات امتداد وسلطان‏.‏ وجاء في‏(‏ صفوة البيان لمعاني القرآن‏)‏ ما نصه‏:(‏ أو لم يروا أنا نأتي الأرض‏..)‏ أي أأنكروا نزول ما وعدناهم‏, ‏ أو شكوا ولم يروا أننا نفتح أرضهم من جوانبها ونلحقها بدار الإسلام‏!!‏ أولم يروا هلاك من قبلهم وخراب ديارهم كقوم عاد وثمود‏!‏ فكيف يأمنون حلول ذلك بهم‏! وجاء في صفوة التفاسير ما نصه‏:‏ أي أو لم ير هؤلاء المشركون أنا نمكن للمؤمنين من ديارهم ونفتح للرسول الأرض بعد الأرض حتى تنقص دار الكفر وتزيد دار الإسلام؟ وذلك من أقوي الأدلة علي أن الله منجز وعده لرسوله عليه السلام‏.‏ وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما نصه‏:‏ وأن أمارات العذاب والهزيمة قائمة‏!‏ ألم ينظروا إلى أنا نأتي الأرض التي قد استولوا عليها‏, ‏ يأخذها منهم المؤمنون جزءا بعد جزء؟ وبذلك ننقص عليهم الأرض من حولهم‏, ‏ والله وحده هو الذي يحكم بالنصر أو الهزيمة‏, ‏ والثواب أو العقاب‏, ‏ ولا راد لحكمه‏, ‏ وحسابه سريع في وقته‏, ‏ فلا يحتاج الفصل إلى وقت طويل‏, ‏ لأن عنده علم كل شيء‏, ‏ فالبينات قائمة‏.‏ وفي الهامش جاء ذكر ما يلي‏:‏ تتضمن هذه الآية حقائق وصلت إليها البحوث العلمية الأخيرة إذ ثبت أن سرعة دوران الأرض حول محورها‏, ‏ وقوة طردها المركزي يؤديان إلى تفلطح في القطبين وهو نقص في طرفي الأرض‏, ‏ وكذلك عرف أن سرعة انطلاق جزيئات الغازات المغلفة للكرة الأرضية‏, ‏ إذا ما جاوزت قوة جاذبية الأرض لها فإنها تنطلق إلى خارج الكرة الأرضية‏, ‏ وهذا يحدث بصفة مستمرة فتكون الأرض في نقص مستمر لأطرافها‏, ‏ لا أرض أعداء المؤمنين‏, ‏ وهذا احتمال في التفسير تقبله الآية الكريمة‏.  من الدلالات العلمية لإنقاص الأرض من أطرافها ترد لفظة الأرض في القرآن الكريم بمعني الكوكب ككل‏, ‏ كما ترد بمعني اليابسة التي نحيا عليها من كتل القارات والجزر البحرية والمحيطية‏, ‏ وإن كانت ترد أيضا بمعني التربة التي تغطي صخور اليابسة‏.‏ ولإنقاص الأرض من أطرافها في إطار كل معني من تلك المعاني عدد من الدلالات العلمية التي نحصي منها ما يلي‏:‏ أولا‏:‏ في إطار دلالة لفظة الأرض علي الكوكب ككل‏ في هذا الإطار نجد ثلاثة معان علمية بارزة يمكن إيجازها فيما يلي‏:‏ (‏أ‏)‏ إنقاص الأرض من أطرافها بمعني انكماشها علي ذاتها وتناقص حجمها باستمرار‏:‏ يقدر متوسط قطر الأرض الحالية بحوالي‏12742‏ كم‏, ‏ ويقدر متوسط محيطها بنحو‏40042‏ كم‏, ‏ ويقدر حجمها بأكثر من مليون مليون كم‏3.‏ وتفيد الدراسات أن أرضنا مرت بمراحل متعددة من التشكيل منذ انفصال مادتها عن سحابة الدخان الكوني التي نتجت عن عملية الانفجار العظيم إما مباشرة أو بطريقة غير مباشرة عبر سديم الدخان الذي تولدت عنه مجموعتنا الشمسية‏, ‏ وبذلك خلقت الأرض الابتدائية التي لم تكن سوي كومة ضخمة من الرماد ذات حجم هائل يقدر بمائة ضعف حجمها الحالي علي الأقل‏, ‏ ومكونة من عدد من العناصر الخفيفة‏.‏ ثم ما لبثت تلك الكومة الابتدائية أن رجمت بوابل من النيازك الحديدية‏, ‏ والحديدية الصخرية‏, ‏ والصخرية‏, ‏ كتلك التي تصل الأرض في زماننا‏(‏ والتي تتراوح كمياتها بين الألف والعشرة آلاف طن سنويا من مادة الشهب والنيازك‏).‏ وبحكم كثافتها العالية نسبياً اندفعت النيازك الحديدية إلى مركز تلك الكومة الابتدائية حيث استقرت‏,‏ مولدة حرارة عالية أدت إلى صهر كومة الرماد التي شكلت الأرض الابتدائية وإلى تمايزها إلى سبع أرضين علي النحو التالي‏:‏ ‏1‏ـ لب صلب داخلي‏:‏ عبارة عن نواة صلبة من الحديد‏(90%)‏ وبعض النيكل‏(9%)‏ مع قليل من العناصر الخفيفة مثل الكربون والفسفور‏,‏ والكبريت والسليكون والأوكسجين‏(1%)‏ وهو قريب من تركيب النيازك الحديدية مع زيادة واضحة في نسبة الحديد‏,‏ ويبلغ قطر هذه النواة حاليا ما يقدر بحوالي‏2402‏ كم‏,‏ وتقدر كثافتها بحوالي‏10‏ إلي‏13.5‏ جرام‏/‏سم‏3.‏ ‏2‏ـ نطاق لب الأرض السائل‏(‏ الخارجي‏):‏ وهو نطاق سائل يحيط باللب الصلب‏,‏ وله نفس تركيبه الكيميائي تقريبا ولكنه في حالة انصهار‏,‏ ويقدر سمكه بحوالي‏2275‏ كم‏,‏ ويفصله عن اللب الصلب منطقة انتقالية شبه منصهرة يبلغ سمكها‏450‏ كم تعتبر الجزء الأسفل من هذا النطاق‏,‏ ويكون كل من لب الأرض الصلب والسائل حوالي‏31%‏ من كتلتها‏.‏ ‏3‏ـ النطاق الأسفل من وشاح الأرض‏(‏ الوشاح السفلي‏):‏ وهو نطاق صلب يحيط بلب الأرض السائل‏, ‏ ويبلغ سمكه نحو‏2215‏ كم‏(‏ من عمق‏670‏ كم إلى عمق‏2885‏ كم‏)‏ ويفصله عن الوشاح الأوسط‏(‏ الذي يعلوه‏)‏ مستوي انقطاع للموجات الاهتزازية الناتجة عن الزلازل‏.‏ ‏4‏ـ النطاق الأوسط من وشاح الأرض‏(‏ الوشاح الأوسط‏):‏ وهو نطاق صلب يبلغ سمكه نحو‏270‏ كم‏, ‏ ويحده مستويات من مستويات انقطاع الموجات الاهتزازية يقع أحدهما علي عمق‏670‏ كم ويفصله عن الوشاح الأسفل‏, ‏ ويقع الآخر علي عمق‏400‏ كم ويفصله عن الوشاح الأعلى‏.‏ ‏5‏ـ النطاق الأعلى من وشاح الأرض‏(‏ الوشاح العلوي‏):‏ وهو نطاق لدن‏, ‏ شبه منصهر‏, ‏ عالي الكثافة واللزوجة‏(‏ نسبة الانصهار فيه في حدود‏1%)‏ يعرف باسم نطاق الضعف الأرضي ويمتد بين عمق‏65‏ ـ‏120‏ كم وعمق‏400‏ كم ويتراوح سمكه بين‏335‏ كم و‏380‏ كم‏, ‏ ويعتقد بأن وشاح الأرض كان كله منصهرا في بدء خلق الأرض ثم أخذ في التصلب بالتدريج نتيجة لفقد جزء هائل من حرارة الأرض‏.‏ ‏6‏ـ النطاق السفلي من الغلاف الصخري للأرض‏:‏ ويتراوح سمكه بين‏40‏ ـ‏60‏ كم‏(‏ بين أعماق‏60‏ ـ‏80‏ كم‏)120‏ كم ويحده من أسفل الحد العلوي لنطاق الضعف الأرضي‏, ‏ ومن أعلي خط انقطاع الموجات الاهتزازية المعروف باسم الموهو‏.‏ ‏7‏ـ النطاق العلوي من الغلاف الصخري للأرض‏(‏ قشرة الأرض‏):‏ ويتراوح سمكه بين‏(5‏ ـ‏8)‏ كم تحت قيعان البحار والمحيطات وبين‏(60‏ ـ‏80)‏ كم تحت القارات‏, ‏ ويتكون أساسا من العناصر الخفيفة مثل السليكون‏, ‏ والصوديوم‏, ‏ والبوتاسيوم‏, ‏ والكالسيوم‏, ‏ والألمنيوم‏, ‏ والأوكسجين مع قليل من الحديد‏(5.6%)‏ وبعض العناصر الأخرى وهو التركيب الغالب للقشرة القارية التي يغلب عليها الجرانيت والصخور الجرانيتية‏, ‏ أما قشرة قيعان البحار والمحيطات فتميل إلى تركيب الصخور البازلتية‏.‏  وأدي هذا التمايز في التركيب الداخلي للأرض إلى نشوء دورات من تيارات الحمل‏, ‏ تندفع من نطاق الضعف الأرضي‏(‏ الوشاح الأعلى‏)‏ غالبا‏, ‏ ومن وشاح الأرض الأوسط أحيانا‏, ‏ لتمزق الغلاف الصخري للأرض إلى عدد من الألواح التي شرعت في حركة دائبة حول نطاق الضعف الأرضي نشأ عنها الثورات البركانية‏, ‏ والهزات الأرضية‏, ‏ والحركات البانية للجبال‏, ‏ كما نشأ عنها دحو الأرض بمعني إخراج كل من غلافيها المائي والغازي من جوفها وتكون كتل القارات‏.‏ هذا التاريخ يشير إلى أن حجم الأرض الابتدائية كان علي الأقل يصل إلى مائة ضعف حجم الأرض الحالية والمقدر بأكثر قليلا من مليون مليون وثلاثمائة وخمسين كيلومترا مكعبا وأن هذا الكوكب قد أخذ منذ اللحظة الأولي لخلقه في الانكماش علي ذاته من كافة أطرافه‏.‏ وكان انكماش الأرض علي ذاتها سنة كونية لازمة للمحافظة علي العلاقة النسبية بين كتلتي الأرض والشمس‏, ‏ هذه العلاقة التي تضبط بعد الأرض عن الشمس‏, ‏ ذلك البعد الذي يحكم كمية الطاقة الواصلة إلينا‏.‏ ويقدر متوسط المسافة بين الأرض والشمس بنحو مائة وخمسين مليونا من الكيلومترات‏, ‏ ولما كانت كمية الطاقة التي تصل من الشمس إلى كل كوكب من كواكب مجموعتها تتناسب تناسبا عكسيا مع بعد الكوكب عن الشمس‏, ‏ وكذلك تتناسب سرعة جريه في مداره حولها‏, ‏ بينما يتناسب طول سنة الكوكب تناسبا طرديا مع بعده عنها‏(‏ وسنة الكوكب هي المدة التي يستغرقها في إتمام دورة كاملة حول الشمس‏), ‏ اتضحت لنا الحكمة من استمرارية تناقص الأرض وانكماشها علي ذاتها أي تناقصها من أطرافها‏.‏ ولو زادت الطاقة التي تصلنا من الشمس عن القدر الذي يصلنا اليوم قليلا لأحرقتنا‏, ‏ وأحرقت كل حي علي الأرض‏, ‏ ولبخرت الماء‏, ‏ وخلخلت الهواء‏,‏ ولو قلت قليلاً لتجمد كل حي علي الأرض ولقضي علي الحياة الأرضية بالكامل‏.‏ ومن الثابت علميا أن الشمس تفقد من كتلتها في كل ثانية نحو خمسة ملايين من الأطنان علي هيئة طاقة ناتجة من تحول غاز الإيدروجين بالاندماج النووي إلى غاز الهليوم‏.‏ وللمحافظة علي المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس لابد وأن تفقد الأرض من كتلتها وزنا متناسبا تماما مع ما تفقده الشمس من كتلتها‏,‏ ويخرج ذلك عن طريق كل من فوهات البراكين وصدوع الأرض علي هيئة الغازات والأبخرة وهباءات متناهية الضآلة من المواد الصلبة التي يعود بعضها إلى الأرض‏,‏ ويتمكن البعض الآخر من الآفلات من جاذبية الأرض والانطلاق إلى صفحة السماء الدنيا‏,‏ وبذلك الفقدان المستمر من كتلة الأرض فإنها تنكمش علي ذاتها‏,‏ وتنقص من كافة أطرافها‏,‏ وتحتفظ بالمسافة الفاصلة بينها وبين الشمس‏.‏ ولولا ذلك لانطلقت الأرض من عقال جاذبية الشمس لتضيع في صفحة الكون وتهلك ويهلك كل من عليها‏, ‏أو لانجذبت إلى قلب الشمس حيث الحرارة في حدود‏15‏ مليون درجة مئوية فتنصهر وينصهر كل ما بها ومن عليها‏.‏ ومن حكمة الله البالغة أن كمية الشهب والنيازك التي تصل الأرض يوميا تلعب دورا هاما في ضبط العلاقة بين كتلتي الأرض والشمس إذا زادت كمية المادة المنفلتة من عقال جاذبية الأرض‏.‏ (‏ب‏)‏ إنقاص الأرض من أطرافها بمعني تفلطحها قليلاً عند القطبين‏, ‏ وانبعاجها قليلاً عند خط الاستواء‏:‏ في زمن الخليفة المأمون قيست المسافة المقابلة لكل درجة من درجات خطوط الطول في كل من تهامة والعراق‏, ‏ واستنتج من ذلك حقيقة أن الأرض ليست كاملة الاستدارة‏, ‏ وقد سبق العلماء المسلمون الغرب في ذلك بثمانية قرون علي الأقل لأن الغربيين لم يشرعوا في قياس أبعاد الأرض إلا في القرن السابع عشر الميلادي‏, ‏ حين أثبت نيوتن نقص تكور الأرض وعلله بأن مادة الأرض لاتتأثر بالجاذبية نحو مركزها فحسب‏, ‏ ولكنها تتأثر كذلك بالقوة الطاردة‏(‏ النابذة‏)‏ المركزية الناشئة عن دوران الأرض حول محورها‏, ‏ وقد نتج عن ذلك انبعاج بطئ في الأرض ولكنه مستمر عند خط الاستواء حيث تزداد القوة الطاردة المركزية إلى ذروتها‏, ‏ وتقل قوة الجاذبية إلى المركز إلى أدني قدر لها‏, ‏ ويقابل ذلك الانبعاج الاستوائي تفلطح‏(‏ انبساط‏)‏ قطبي غير متكافئ عند قطبي الأرض حيث تزداد قوتها الجاذبة‏, ‏ وتتناقص قيمة القوة الطاردة المركزية‏, ‏ والمنطقة القطبية الشمالية أكثر تفلطحا من المنطقة القطبية الجنوبية‏.‏ ويقدر متوسط قطر الأرض الاستوائي بنحو‏12756.3‏ كم‏, ‏ ونصف قطرها القطبي بنحو‏12713.6‏ كم وبذلك يصبح الفارق بين القطرين نحو‏42.7‏ كم‏, ‏ ويمثل هذا التفلطح نحو‏33.%‏ من نصف قطر الأرض‏, ‏ مما يدل علي أنها عملية بطيئة جدا تقدر بنحو‏1‏ سم تقريبا كل ألف سنة‏, ‏ ولكنها عملية مستمرة منذ بدء خلق الأرض‏, ‏ وهي احدي عمليات إنقاص الأرض من أطرافها‏.‏ (‏جـ‏)‏ إنقاص الأرض من أطرافها بمعني اندفاع قيعان المحيطات تحت القارات وانصهارها وذلك بفعل تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض‏:‏ يمزق الغلاف الصخري للأرض بواسطة شبكة هائلة من الصدوع العميقة التي تحيط بالأرض إحاطة كاملة‏,‏ وتمتد لعشرات الآلاف من الكيلومترات في الطول‏,‏ وتتراوح أعماقها بين‏65‏ كم و‏120‏كم‏,‏ وتفصل هذه الشبكة من الصدوع الغلاف الصخري للأرض إلي‏12‏ لوحا رئيسيا وعدد من الألواح الصغيرة نسبيا‏,‏ ومع دوران الأرض حول محورها تنزلق ألواح الغلاف الصخري للأرض فوق نطاق الضعف الأرضي متباعدة عن بعضها البعض‏,‏ أو مصطدمة مع بعضها البعض‏,‏ ويعين علي هذه الحركة اندفاع الصهارة الصخرية عبر مستويات الصدوع خاصة عبر تلك المستويات التصدعية التي تشكل محاور حواف أواسط المحيطات فتؤدي إلى اتساع قيعان البحار والمحيطات وتجدد صخورها‏,‏ وذلك لأن الصهارة الصخرية المتدفقة بملايين الأطنان عبر مستويات صدوع أواسط المحيطات تؤدي إلى دفع جانبي قاع المحيط يمنة ويسرة لعدة سنتيمترات في السنة الواحدة‏,‏ وتؤدي إلى ملء المسافات الناتجة بالطفوحات البركانية المتدفقة والتي تبرد وتتطلب علي هيئة أشرطة متوازية تتقادم في العمر‏.‏ في اتجاه حركة التوسع‏, ‏ وينتج عن هذا التوسع اندفاع صخور قاع المحيط يمنة ويسرة‏, ‏ في اتجاهي التوسع ليهبط تحت كتل القارات المحيطة في الجانبين بنفس معدل التوسع‏(‏ أي بنصفه في كل اتجاه‏), ‏ وتستهلك صخور قاع المحيط الهابطة تحت القارتين المحيطتين بالانصهار في نطاق الضعف الأرضي‏.‏ وكما يصطدم قاع المحيط بكتل القارتين أو القارات المحيطة بحوض المحيط أو البحر‏, ‏ فإن العملية التصادمية قد تتكرر بين كتل قاع المحيط الواحد فتكون الجزر البركانية وينقص قاع المحيط‏, ‏ وكما تحدث عملية التباعد في أواسط القارة فتؤدي إلى فصلها إلى كتلتين قاريتين مفصولتين ببحر طولي مثل البحر الأحمر يظل يتسع حتى يتحول إلى محيط في المستقبل البعيد وفي كل الحالات تستهلك صخور الغلاف الصخري للأرض عند خطوط التصادم‏, ‏ وتتجدد عند خطوط التباعد‏, ‏ وهي صورة من صور إنقاص الأرض من أطرافها‏.‏ وتتخذ ألواح الغلاف الصخري للأرض في العادة أشكالا رباعية يحدها من جهة خطوط انفصام وتباعد‏, ‏ يقابلها في الجهة الأخرى خطوط تصادم‏, ‏ وفي الجانبين الآخرين حدود انزلاق‏, ‏ تتحرك عبرها ألواح الغلاف الصخري منزلقة بحرية عن بعضها البعض‏.‏ وتحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض يؤدي باستمرار إلى استهلاك صخور قيعان كل محيطات الأرض‏, ‏ وإحلالها بصخور جديدة‏, ‏ وعلي ذلك فإن محاور المحيطات تشغلها صخور بركانية ورسوبية جديدة قد لا يتجاوز عمرها اللحظة الواحدة‏, ‏ بينما تندفع الصخور القديمة‏(‏ التي قد يتجاوز عمرها المائتي مليون سنة‏)‏ عند حدود تصادم قاع المحيط مع القارات المحيطة به‏, ‏ والصخور الأقدم عمرا من ذلك تكون هبطت تحت كتل القارات وهضمت في نطاق الضعف الأرضي وتحولت إلى صهارة‏, ‏ وهي صورة رائعة من صور إنقاص الأرض من أطرافها‏.‏ ويبدو أن هذه العمليات الأرضية المتعددة كانت في بدء خلق الأرض أشد عنفا من معدلاتها الحالية لشدة حرارة جوف الأرض بدرجات تفوق درجاتها الحالية وذلك بسبب الكم الهائل من الحرارة المتبقية عن الأصل الذي انفصلت منه الأرض‏, ‏ والكم الهائل من العناصر المشعة الآخذة في التناقص باستمرار بتحللها الذاتي منذ بدء تجمد مادة الأرض‏.‏ ثانيا‏:‏ في إطار دلالة لفظ الأرض علي اليابسة التي نحيا عليها‏:‏ في هذا الإطار نجد معنيين علميين واضحين نوجزهما فيما يلي‏:‏ (‏أ‏)‏ إنقاص الأرض من أطرافها بمعني أخذ عوامل التعرية المختلفة من المرتفعات وإلقاء نواتج التعرية في المنخفضات من سطح الأرض حتى تتم تسوية سطحها‏:‏ فسطح الأرض ليس تام الاستواء وذلك بسبب اختلاف كثافة الصخور المكونة للغلاف الصخري للأرض‏, ‏ وكما حدث انبعاج في سطح الأرض عند خط الاستواء‏, ‏ فإن هناك نتوءات عديدة في سطح الأرض حيث تتكون قشرة الأرض من صخور خفيفة‏, ‏ وذلك من مثل كتل القارات والمرتفعات البارزة علي سطحها‏, ‏ وهناك أيضا انخفاضات مقابلة لتلك النتوءات حيث تتكون قشرة الأرض من صخور عالية الكثافة نسبيا وذلك من مثل قيعان المحيطات والأحواض المنخفضة علي سطح الأرض‏. ويبلغ ارتفاع أعلى قمة علي سطح الأرض وهي قمة جبل افريست في سلسلة جبال الهيمالايا‏8840‏ مترا فوق مستوي سطح البحر‏, ‏ ويقدر منسوب الخفض نقطة علي اليابسة وهي حوض البحر الميت‏395‏ مترا تحت مستوي سطح البحر‏, ‏ ويبلغ منسوب أكثر أغوار الأرض عمقا حوالي‏10,800‏ مترا وهو غور ماريانوس في قاع المحيط الهادي بالقرب من جزر الفلبين‏,‏ والفارق بينهما أقل من عشرين كيلو مترا‏(1960‏ مترا‏),‏ وهو فارق ضئيل إذا قورن بنصف قطر الأرض‏.‏ ويبلغ متوسط ارتفاع سطح الأرض حوالي‏840‏ مترا فوق مستوي سطح البحر ومتوسط أعماق المحيطات حوالي أربعة كيلو مترات تحت مستوي سطح البحر‏(3729‏ مترا إلي‏4500‏ متر تحت مستوي سطح البحر‏)‏ وهذا الفارق البسيط هو الذي أعان عوامل التعرية المختلفة علي بري صخور المرتفعات وإلقائها في منخفضات الأرض في محاولة متكررة لتسوية سطحها‏, ‏ وهي سنة دائبة من سنن الله في الأرض‏, ‏ فإذا بدأنا بمنطقة مرتفعة ولكنها مستوية يغشاها مناخ رطب‏, ‏ فإن مياه الأمطار سوف تتجمع في منخفضات المنطقة علي هيئة عدد من البحيرات والبرك‏.‏حتى يتكون نظام صرف مائي جيد‏,‏ وعندما تجري الأنهار فإنها تحت مجاريها في صخور المنطقة حتى تقترب من المستوي الأدنى للتحات فتسحب كل مياه البحيرات والبرك التي تمر بها‏,‏ وكلما زاد الحت إلى أسفل تزايدت التضاريس تشكلا وبروزا‏,‏ وعندما تصل بعض المجاري المائية إلى المستوي الأدنى للتحات فإنها تبدأ في النحر الجانبي لمجاريها بدلا من النحر الرأسي فيتم بذلك التسوية الكاملة لتضاريس المنطقة علي هيئة سهول مستوية‏(‏ أو سهوب‏)‏ تتعرج فيها الأنهار‏,‏ وتتسع مجاريها‏,‏ وتضعف سرعات جريها‏.‏ وقدراتها علي النحر‏,‏ وبعد الوصول إلى هذا المستوي أو الاقتراب منه يتكرر رفع المنطقة وتعود الدورة إلى صورتها الأولي‏,‏ وتعتبر هذه الدورة‏(‏ التي تعرف باسم دورة التسهيب‏)‏ صورة من صور إنقاص الأرض من أطرافها‏,‏ وينخفض منسوب قارة أمريكا الشمالية بهذه العملية بمعدل يصل إلي‏0,03‏ ـمم في السنة حتى يغمرها البحر إن شاء الله‏.‏  (‏ب‏)‏ إنقاص الأرض من أطرافها بمعني طغيان مياه البحار والمحيطات علي اليابسة وإنقاصها من أطرافها‏:‏ من الثابت علميا أن الأرض قد بدأت منذ القدم بمحيط غامر‏, ‏ ثم بتحرك ألواح الغلاف الصخري الابتدائي للأرض وبدأت جزر بركانية عديدة في التكون في قلب هذا المحيط الغامر‏, ‏ وبتصادم تلك الجزر تكونت القارة الأم التي تفتت بعد ذلك إلى العدد الراهن من القارات‏, ‏ وتبادل الأدوار بين اليابسة والماء هو سنة أرضية تعرف باسم دورة التبادل بين المحيطات والقارات وتحول أجزاء من اليابسة إلى بحار ـ والتي من نماذجها المعاصرة كل من البحر الأحمر‏, ‏ وخليج كاليفورنيا‏, ‏ هو صورة من صور إنقاص الأرض من أطرافها‏, ‏ ليس هذا فقط بل أن من الثابت علميا أن غالبية الماء العذب علي اليابسة محجوز علي هيئة تتابعات هائلة من الجليد فوق قطبي الأرض‏, ‏ وفي قمم الجبال‏, ‏ يصل سمكها في القطب الجنوبي إلى أربعة كيلو مترات‏, ‏ ويقترب من هذا السمك قليلا في القطب الشمالي‏(3800‏ متر‏), ‏ وانصهار هذا السمك الهائل من الجليد سوف يؤدي إلى رفع منسوب المياه في البحار والمحيطات لأكثر من مائة متر‏, ‏ وقد بدأت بوادر هذا الانصهار‏, ‏ وإذا تم ذلك فإنه سوف يغرق أغلب مساحات اليابسة ذات التضاريس المنبسطة حول البحار والمحيطات وهي صورة من صور إنقاص الأرض من أطرافها‏, ‏ وفي ظل التلوث البيئي الذي يعم الأرض اليوم‏, ‏ والذي يؤدي إلى رفع درجة حرارة نطاق المناخ المحيط بالأرض باستمرار بات انصهار هذا السمك الهائل من الجليد أمرا محتملا‏, ‏ وقد حدث ذلك مرات عديدة في تاريخ الأرض الطويل الذي تردد بين دورات يزحف فيها الجليد من أحد قطبي الأرض أو منهما معا في اتجاه خط الاستواء‏, ‏ وفترات ينصهر فيها الجليد فيؤدي إلى رفع منسوب المياه في البحار والمحيطات وفي كلتا الحالتين تتعرض حواف القارات للتعرية بواسطة مياه البحار والمحيطات فتؤدي إلى إنقاص الأرض‏(‏ أي اليابسة‏)‏ من أطرافها‏, ‏ وذلك لأن مياه كل من البحار والمحيطات دائمة الحركة بفعل دوران الأرض حول محورها‏, ‏ وباختلاف كل من درجات الحرارة والضغط الجوي‏, ‏ ونسب الملوحة من منطقة إلى أخري‏, ‏ وتؤدي حركة المياه في البحار والمحيطات‏(‏ من مثل التيارات المائية‏, ‏ وعمليات المد والجزر‏, ‏ والأمواج السطحية والعميقة‏)‏ إلى ظاهرة التآكل‏(‏ التحات‏)‏ البحري وهو الفعل الهدمي لصخور الشواطيء وهو من عوامل إنقاص الأرض‏(‏ اليابسة‏)‏ من أطرافها‏.‏  ثالثا‏:‏ في إطار دلالة لفظ الأرض علي التربة التي تغطي صخور اليابسة‏:‏ ‏‏ إنقاص الأرض من أطرافها بمعني التصحر‏:‏ أي زحف الصحراء علي المناطق الخضراء وانحسار التربة الصالحة للزراعة في ظل إفساد الإنسان للبيئة علي سطح الأرض بدأ زحف الصحاري علي مساحات كبيرة من الأرض الخضراء‏, ‏ وذلك بالرعي الجائر‏, ‏ واقتلاع الأشجار‏, ‏ وتحويل الأراضي الزراعية إلى أراض للبناء‏, ‏ وندرة المياه نتيجة لموجات الجفاف والجور علي مخزون المياه تحت سطح الأرض‏, ‏ وتملح التربة‏, ‏ وتعريتها بمعدلات سريعة تفوق بكثير محاولات استصلاح بعض الأراضي الصحراوية‏, ‏ أضف إلى ذلك التلوث البيئي‏, ‏ والخلل الاقتصادي في الأسواق المحلية والعالمية‏, ‏ وتذبذب أسعار كل من الطاقة والآلات والمحاصيل الزراعية مما يجعل العالم يواجه أزمة حقيقية تتمثل في انكماش المساحات المزروعة سنويا بمعدلات كبيرة خاصة في المناطق القارية وشبه القارية نتيجة لزحف الصحاري عليها‏, ‏ ويمثل ذلك صورة من صور خراب الأرض بإنقاصها من أطرافها‏.‏ هذه المعاني الستة‏(‏ منفردة أو مجتمعة‏)‏ تعطي بعدا علميا رائعا لمعني إنقاص الأرض من أطرافها‏, ‏ ولا يتعارض ذلك أبدا مع الدلالة المعنوية للتعبير‏, ‏ بمعني خراب الأرض الذي استنتجه المفسرون‏, ‏ بل يكمله ويجليه‏.‏ وعلي عادة القرآن الكريم تأتي الإشارة الكونية بمضمون معنوي محدد‏, ‏ ولكن بصياغة علمية معجزة‏, ‏ تبلغ من الشمول والكمال والدقة ما لم يبلغه علم الإنسان‏, ‏ فسبحان الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة هذه الإشارة العلمية الدقيقة إلى حقيقة إنقاص الأرض من أطرافها‏, ‏ وهي حقيقة لم يدرك الإنسان شيئا من دلالاتها العلمية إلا منذ عقود قليلة‏, ‏ وقد يري فيها القادمون فوق ما نراه نحن اليوم‏, ‏ ليظل القرآن الكريم مهيمنا علي المعرفة الإنسانية مهما اتسعت دوائرها‏, ‏ وتظل آياته الكونية شاهدة باستمرار علي أنه كلام الله الخالق‏, ‏ وشاهدة للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه بأنه‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏ كان موصولا بالوحي‏, ‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏
(أقرأ المزيد ... | التقييم: 3.66)

أسم القسم للمقالات

  • من قال ان الله محبة ؟
  • متى ترك إبراهيم حاران قبل أم بعد وفاة أبيه
  • القرآن والثالوث للمستشار محمد مجدى مرجان, شماس أسلم يدافع عن دين التوحيد
  • دفاعاً عن نبى الله لوط وابنتيه
  • حقيقة الروح القدس في الشرائع الألهية
  • الثالوث القدوس .. عند ثيوفيلس الأنطاكي 180 م
  • بحث عن الروح القدس التى تسمى الاقنوم الثالث
  • إله المحبة مستوجب نار جهنم؟
  • تابع:إله المحبة مستوجب نار جهنم؟
  • حقيقة الكفن المقدس بتورينو !
  • أسم القسم للمقالات

  • الرد على شبهة الكلمة التي قيلت للمتطهر من الزنا
  • التشكيك فى صحة الأحاديث والأستغناء عنها بالقرآن
  • الرد على : فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين
  • إبطال شبه الزاعمين الاكتفاء بالقرآن دون السنة
  • الرد على شبهة:إرضاع الكبير
  • الرد على : الداجن أكل القرآن
  • الرد على : الجنة تحت ظلال السيوف
  • الرد على : ثَلاَثَةِ أَحْجَار
  • الرد على شبهة الطاعنين فى حديث "خلوة النبى !!
  • الرد على شبهة الطاعنين فى حديث "اللهم فأيما مؤمن سببته ..
  • أسم القسم للمقالات

  • حكم تناول خميرة البيرة
  • هذه بضاعتنا: الإسلام دين المحبة والرحمة الحقيقيين - وسائل نشر المحبة فى دين الاس
  • هل هذا الحديث الشريف يثبت لاهوت المسيح كما يدعي النصارى؟
  • القتال في الإسلام ضوابط وأحكام
  • الرد على:الملائكة تلعن المرأة
  • الرد على مثنى وثلاث ورباع وما ملكت ايمانكم
  • الرد على : المرأة ضلع أعوج
  • حقيقة الجزية
  • رد شبهة المساواة بين المرأة و الكلب
  • الرد على : الموت هو كبش أملح يذبح يوم القيامة
  •   أسم القسم للمقالات

  • خرافات النصارى حول الحروف المقطعة بالقرأن الكريم
  • حقيقة استواء الرحمن على العرش وإلى السماء
  • نزول الله إلى السماء الدنيا بلا انتقال ولا تجسيد
  • شبهات حول قضية النسخ
  • الرد على شبهة :(وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً )
  • هل "يهوه" هو اسم الله الأعظم ؟؟؟
  • الرد على الأخطاء اللغوية المزعومة حول القرآن الكريم
  • الرد على شبهة:لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى
  • رد على من انكر تحريم الخمر
  • بيان كذب المدعو بنتائوور بخصوص مخطوط سمرقند
  • 934 مواضيع (94 صفحة, 10 موضوع في الصفحة)
    [ 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55 | 56 | 57 | 58 | 59 | 60 | 61 | 62 | 63 | 64 | 65 | 66 | 67 | 68 | 69 | 70 | 71 | 72 | 73 | 74 | 75 | 76 | 77 | 78 | 79 | 80 | 81 | 82 | 83 | 84 | 85 | 86 | 87 | 88 | 89 | 90 | 91 | 92 | 93 | 94 ]
     
     


    انشاء الصفحة: 0.57 ثانية